“المهام كثيرة والأجور هزيلة”.. القصة الكاملة لاحتجاجات “أساتذة التعليم الأولي”
“المهام كثيرة، والأجور هزيلة”.. كان هذا واحدا من الشعارات التي صدحت بها حناجر “أساتذة التعليم الأولي”، ليلة الاثنين 19 أكتوبر 2026، على بعد أمتار من البرلمان، بعدما تحول اعتصامهم للمطالبة بـ”إدماجهم في أسلاك الوظيفة العمومية وإنهاء الوساطة” إلى مطاردات من طرف القوات العمومية.
وتزامنت احتجاجات “أساتذة التعليم الأولي” مع انعقاد جلسة مشتركة لمجلسي البرلمان، قدمت خلالها رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، عرضا حول برنامج حكومتها، الذي لم يتضمن أي فقرة مخصصة لتصورها بشأن التعليم الأولي، رغم ما يثيره هذا القطاع من مطالب مرتبطة بالأوضاع المهنية والاجتماعية للعاملين فيه.
ولفهم خلفيات هذا الاحتقان، لا بد من العودة إلى البدايات الأولى للبرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي، وتتبع مسار اعتماده، وكيف انتقل النقاش من توسيع العرض التربوي وتعميم التمدرس إلى مطالب العاملين بإنهاء التدبير عبر الجمعيات، والإدماج في الوظيفة العمومية، وضمان الاستقرار المهني والاجتماعي.
أجور هزيلة وضغط نفسي
في هذا الصدد، أفادت (خ.ب)، مربية تشتغل بالقطاع، بأنها تعمل منذ سنة 2023، وكانت قد وقعت في البداية عقدا محدد المدة، قبل أن توقع، بعد سنة، عقدا آخر غير محدد المدة، مبرزة: “لكن لا أشعر بالاستقرار، وأشتغل تحت ضغط نفسي متواصل. المستقبل بالنسبة لي مجهول. دون الحديث عن الأجر الهزيل”.
وقالت المربية، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إنها تشتغل حوالي خمس ساعات في اليوم، مقابل أجرة شهرية لا تتعدى 3400 درهم، متسائلة: “واش هاذي أجرة، وكيلو د اللحم كايديرْ 150 درهم؟”، في إشارة منها إلى ارتفاع مصاريف العيش بالبلاد.
وعن تأثير حالتها النفسية وشعورها بالإحباط على أدائها المهني، وعلى الأطفال الذين تتولى تأطيرهم، ابتسمت قبل أن تجيب: “من يقول إن الشعور بعدم الاستقرار، وفي ظل أوضاع اجتماعية غير مساعدة، لا يؤثر، إنه يكذب. المسألة مترابطة. إنها سلسلة تنتهي عند الحلقة الأضعف”، مستدركة بالقول: “كانحاولو، الحمد لله، أن نبث الأمل في نفوس الأطفال، تفاديا لتجاربنا القاسية”.
وعن مطالبها، اختزلت المربية الأمر في مطلبين، هما “الإدماج في الوظيفة وإلغاء الوساطة”.
“أجراء في المدارس العمومية”
في هذا السياق، أكد حسن الحرشي، عضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن المطلب الأساسي للمربيات والمربين حاليا هو الإدماج في الوظيفة العمومية، ضمن منظومة التربية والتعليم، وإنهاء الوساطة التي تربطهم بالجمعيات المكلفة بتدبير أقسام التعليم الأولي.
وقال الحرشي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن “المربيات والمربين هم أجراء في القطاع الخاص، مع العلم أنهم يشتغلون في قطاع عمومي أساسي، الذي هو التعليم”، موضحا أنهم “يشتغلون في مدارس عمومية، وتحت الوصاية التربوية للمديريات الإقليمية، ولكن من ناحية تدبير أوضاعهم المالية، فهم أجراء مع الجمعيات في إطار التدبير المفوض”.
وأضاف الحرشي، وهو أيضا كاتب جهوي للنقابة في بني ملال-خنيفرة، أن الأجور الشهرية للعاملين في القطاع تتراوح ما بين 3200 و3500 درهم، مشيرا إلى أنها تخضع لعمليات حسابية حسب ساعات العمل.
وأكد الحرشي أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمربيات والمربين، إلى جانب طبيعة العلاقة المهنية التي تربطهم بالجمعيات، يفسر استمرار المطالبة بالإدماج وإنهاء الوساطة.
من العشوائية إلى محاولة التنظيم
وبالعودة إلى بدايات الملف، أوضح الحرشي أن التعليم الأولي كان، قبل إطلاق برنامج وطني لتطويره، ينظم عبر مبادرات متفرقة، شملت الجمعيات والأندية والكتاتيب القرآنية والمبادرات الفردية، قبل أن يبدأ مسار هيكلته سنة 2018.
وأشار المتحدث في هذا الصدد إلى أن بداية هيكلة القطاع عرفت إشكالات كبيرة، تمثلت في أن عددا من الجمعيات كانت تتعامل مع المربيات والمربين بما يشبه “العبودية”، إذ لم تكن تحترم الإطار القانوني، من حيث ساعات العمل، والحد الأدنى للأجر، والتصريحات لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وأدت هذه الأوضاع، وفق المسؤول النقابي، إلى إطلاق شرارة احتجاجات المربيات والمربين من أجل انتزاع حقوقهم المهنية والاجتماعية.
وأكد أن هذه الاحتجاجات ساهمت في تحسين بعض الأوضاع، بعدما شرعت جمعيات في احترام الحد الأدنى من الحقوق، غير أن ذلك لم ينه مختلف مظاهر الاستغلال، قبل الانتقال إلى نموذج يعتمد جمعيات شريكة محددة في تدبير البرنامج على المستوى الوطني.
“حيتان كبيرة” ومشاكل جديدة
وفي هذا السياق، تحدث الحرشي عن انتقال التدبير إلى جمعيات كبرى، مشبها إياها بـ”الحيتان الكبيرة التي أكلت الحيتان الصغيرة”، ومعتبرا أن ذلك لم يضع حدا للمشاكل، بل أفرز شروطا جديدة، من بينها اشتراط الحصول على الإجازة والمرور عبر الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات “أنابيك”.
ولفت إلى أن هذه الشروط أثارت، في البداية، مخاوف بشأن إقصاء مربيات ومربين راكموا تجربة مهنية ولا يتوفرون على الإجازة، مبرزا أن “النضالات النقابية استهدفت الحفاظ على حقوق العاملين القدامى، بالنظر إلى ما قدموه من خدمات في القطاع”.
وبالنسبة إلى الحرشي، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بمستوى الأجور أو شروط العمل، وإنما باستمرار تشغيل العاملين في مؤسسات التعليم العمومي من خلال جمعيات، وهو ما يدفع النقابات إلى المطالبة بإنهاء هذه الوساطة وإدماج المربين في الوظيفة العمومية.
برنامج وطني بطموح التعميم
يعود إطلاق البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي إلى 18 يوليوز 2018، بهدف تعميم هذا التعليم في أفق الموسم الدراسي 2027-2028، والارتقاء بجودته، وإدماجه في السلك الابتدائي، إلى جانب توفير التكوين الأساسي والمستمر للمربيات والمربين، وتأهيل التعليم الأولي التقليدي، واعتماد التمييز الإيجابي لفائدة الوسطين القروي وشبه الحضري.
وانطلقت المرحلة الأولى من البرنامج خلال الموسم الدراسي 2018-2019، بإحداث 4000 قسم داخل البنيات المتوفرة أو التي لم تكن تحتاج سوى إلى تهيئة بسيطة، وأسند تدبير هذه الأقسام إلى الجمعيات العاملة في القطاع، بشراكة مع الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.
وبذلك، اختار البرنامج اعتماد الشراكة مع الجمعيات لتوسيع العرض التربوي، في وقت أصبح فيه وضع العاملين بهذه الأقسام موضوع مطالب متواصلة، تتمحور حول طبيعة تشغيلهم والجهة التي تتحمل مسؤولية تدبير مسارهم المهني والاجتماعي.
وتكشف هذه المفارقة عن جانب أساسي من الملف: فبينما يستهدف البرنامج توسيع الاستفادة من التعليم الأولي وتحسين جودته، يطالب العاملون فيه بإنهاء الوساطة التي تؤطر علاقتهم المهنية، والانتقال إلى وضعية تضمن لهم الاستقرار والحقوق الاجتماعية.