أغلبية لها معنى
دعونا نقولها من الآن بوضوح وبدون الشعور بأي حرج، ما انتهت إليه، حتى الآن، مشاورات تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري يبدو أكثر إقناعا، من الناحية السياسية على الأقل، مما كان يمكن أن تنتهي إليه هذه المشاورات وفقا لتمثلاتنا وأفكارنا السابقة.
لا يعني ذلك أن الحكومة التي لم تتشكل رسميا بعد نجحت قبل أن تبدأ، ولا أن الأحزاب المرشحة للمشاركة فيها تحولت فجأة إلى أحزاب مثالية، ولا أن الاعتراضات التي يمكن تسجيلها على كل واحد منها اختفت؛ بل المقصود أن الصيغة التي أصبحت شبه محسومة، وتضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وإن كانت تتوفّر على تسعة مقاعد فقط فوق عتبة الأغلبية، أي 207 مقاعد فقط من أصل 395، تحمل في الحقيقة أول إشارة إيجابية في طريقة بناء الحكومة الجديدة.
فبعد سنوات اعتدنا فيها التعامل مع تشكيل الأغلبيات كما لو أنه تمرين في جمع أكبر عدد ممكن من المقاعد، يبدو أننا أمام اختيار مختلف، بتكوين أغلبية تكفي للحكم، لا أغلبية تُخلي البرلمان من المعارضة.
الأغلبية السابقة ضمت الأحزاب الثلاثة الأولى في انتخابات 2021، واستحوذت وحدها على جزء ضخم من مجلس النواب، إلى درجة أن المعارضة أصبحت، عدديا وسياسيا، أقرب إلى هامش المؤسسة التشريعية. وكان ممكنا جدا، بعد انتخابات 23 شتنبر، إعادة إنتاج المنطق نفسه بطريقة أخرى، أي ضم الأصالة والمعاصرة إلى الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، ثم إضافة الحركة الشعبية أو غيرها، والحصول على أغلبية ضخمة ومريحة تستطيع أن تمرر كل شيء تقريبا دون حاجة إلى كثير من السياسة.
الصيغة التي استقر عليها التفاوض، إلى حدود الآن، تترك خارج الحكومة ثلاثة أحزاب كبيرة أو متوسطة على الأقل، وهي التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، والعدالة والتنمية بـ54 مقعدا، والحركة الشعبية بـ29 مقعدا. أي أن ثلاثة أحزاب وحدها يمكن أن تشكل كتلة معارضة من 149 نائبا، قبل احتساب بقية المكونات التي قد تختار الموقع نفسه. وهذه ليست أرقام هيّنة ومعارضة رمزية.
يمكن أن تختلف هذه الأحزاب في كل شيء تقريبا. العدالة والتنمية لن يصبح فجأة حليفا للأحرار، والحركة الشعبية ليست امتدادا لأي منهما، وقد تتحول المنافسة داخل المعارضة نفسها إلى جزء من حيوية المرحلة المقبلة. لكن وجود هذه الكتل خارج الحكومة يعني، ببساطة، أن البرلمان يستعيد شرطا أساسيا من شروط وجوده السياسي، وهو أن تكون هناك حكومة قادرة على الحكم، ومعارضة قادرة على إزعاجها. والأهم أن هذا لم يحصل بسبب تعذر جمع المزيد من المقاعد، بل يبدو نتيجة اختيار سياسي.
كان الطريق الأسهل بالنسبة إلى الأصالة والمعاصرة هو إعادة وصل ما انقطع مع التجمع الوطني للأحرار، خصوصا أن الحزبين أدارا الحكومة السابقة معا، وأن الأحرار ظلوا، طوال المشاورات، منفتحين على كل السيناريوهات. لكن البام بقي، حتى الآن، منسجما مع المسافة التي شرع في بنائها خلال الأشهر الأخيرة مع حليفه السابق، ثم مع اللغة التي خاض بها الحملة الانتخابية، حين حرص على التمييز بين حصيلته وموقعه وبين قيادة عزيز أخنوش للحكومة السابقة.
الاختيار اتجه إلى ثلاثة أحزاب لا يمكن، مهما كانت الملاحظات التي يمكن أن تسجل على مساراتها الحالية وقياداتها وتناقضاتها، التعامل معها باعتبارها مجرد قطع انتخابية قابلة للتركيب في لوحة أغلبية حكومية. الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية أحزاب لها تاريخ، وهياكل، ومجالس وطنية أو لجان مركزية، ونقاشات داخلية، وذاكرة سياسية تجعل قرارها أكثر تعقيدا من أن يصدر بمكالمة هاتفية واحدة. وما جرى خلال الأيام الأخيرة دليل على ذلك.
احتاج التقدم والاشتراكية إلى نقاشات داخلية وصفها أمينه العام نفسه بالماراطونية، وظهرت داخل اللجنة المركزية آراء مختلفة قبل أن يتجه الحزب إلى تفويض مكتبه السياسي مواصلة التفاوض. وحتى الاتحاد الاشتراكي، الذي بدا منذ البداية أكثر انفتاحا على المشاركة، عاد إلى آلياته التنظيمية وحدّد موعدا لمجلسه الوطني لمنح الضوء الأخضر للمشاركة.
قد تبدو هذه التفاصيل للبعض علامات على التعقيد، لكنها، في الحقيقة، جزء مما نحتاجه. فالحكومة السياسية ليست حكومة بلا خلافات، بل حكومة تضم أحزابا تستطيع أن تختلف داخلها، لأن لكل واحد منها شيئا يخسره أمام قواعده وهيئاته وذاكرته. والخطر ليس في وجود حزب قادر على قول “لا” داخل الأغلبية، بل في أغلبية لا يملك أي من مكوناتها سببا مستقلا يجعله يعبّر عن اختلافه.
الحكومة المقبلة لن تكون أمام ملفات تقنية فقط. فمدونة الأسرة ليست مجرد نص قانوني. والقانون الجنائي ليس ملفا إداريا. والحريات ليست مؤشرات أداء. والدولة الاجتماعية ليست برنامجا معلوماتيا. والعدالة الجبائية، والإثراء غير المشروع، وتضارب المصالح، وإصلاح التعليم والصحة، كلها قضايا تحتاج داخل الحكومة نفسها إلى نقاش سياسي، لا إلى مجرد توافق مسبق على الصمت.
حتى حزب التقدم والاشتراكية، وهو يفاوض على المشاركة، وضع في قلب مشاوراته مع المنصوري قضايا الانفراج السياسي واستعادة الثقة، وتحدث أمينه العام أمام اللجنة المركزية عن العزوف ومخاصمة الشباب للسياسة والمؤسسات.
سيبدأ الاختبار الحقيقي بعد توزيع الحقائب، وسنعرف بسرعة إن كان الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية سيحملان فعلا إلى الحكومة شيئا من خطابهما، وإن كان الاستقلال سيستعيد داخلها وظيفة سياسية تتجاوز تدبير وزاراته، وإن كان الأصالة والمعاصرة يريد شركاء أم مجرد أغلبية تصوت معه.
لكن البناء الأولي نفسه يستحق وقفة، خصوصا أنه يأتي بعد ولاية حكومية طغى عليها، في أحيان كثيرة، شعور بأن المؤسسات أفرغت من السياسة، وقد نكون اليوم أمام المشهد المعاكس. حكومة بأغلبية محدودة لكنها كافية، تضم أربعة أحزاب لها تاريخ وتنظيم وهوية متفاوتة الوضوح. ومعارضة تضم الإسلاميين وحزب رئيس الحكومة السابق وحزبا محافظا مثل الحركة الشعبية، ومجموعة يسارية صغيرة لكنها واعدة. وداخل الطرفين تناقضات وخلافات ومصالح متعارضة…
أي أننا أمام مشهد لا تبدو فيه الحكومة أقوى إلى درجة إلغاء المعارضة، ولا المعارضة ضعيفة إلى درجة الاكتفاء بالاحتجاج خارج المؤسسات، ولا الحزب الأول محتاجا إلى احتكار كل المجال حتى يستطيع أن يحكم.
السياسة لا تحتاج دائما إلى اتفاق كبير حول كل شيء. وإذا صمد هذا التوازن بعد تشكيل الحكومة، وانتقل من هندسة المقاعد إلى السياسات والقوانين والممارسة البرلمانية، فقد نجد أنفسنا أمام ولاية تستحق أن نتابعها، ليس لمعرفة من سيهزم من، بل لمعرفة إن كانت السياسة نفسها ستستعيد أخيرا بعض وظيفتها.