story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

الأحزاب “الصغيرة” بمجلس النواب.. هل تنجح في توسيع التعددية إلى تأثير فعلي؟

ص ص

أفرزت الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 دخول أربعة أحزاب ذات تمثيلية محدودة إلى مجلس النواب، بحصول حزبين على مقعدين لكل واحد منهما، وحزبين آخرين على مقعد واحد لكل منهما، في نتيجة أعادت إلى الواجهة النقاش حول موقع الأحزاب “الصغيرة” داخل المؤسسة التشريعية، وحدود قدرتها على الانتقال من الحضور العددي إلى التأثير السياسي والمؤسساتي.

وحصلت جبهة القوى الديمقراطية وحزب الإنصاف على مقعدين لكل منهما، فيما حصل حزب الديمقراطيين الجدد وحزب الوحدة والديمقراطية على مقعد واحد لكل منهما، لتجد أربعة أحزاب نفسها ممثلة داخل مجلس النواب بتمثيلية محدودة عدديا، ومحكومة بمنطق التمثيل النسبي الذي يحدد الحيز الزمني لتدخلات النواب خلال الجلسات العامة، سواء تعلق الأمر بالتشريع أو الرقابة أو تقييم السياسات العمومية.

ويعيد وصول هذه المكونات الحزبية الأربعة إلى مجلس النواب النقاش حول النظام الانتخابي، ولا سيما القاسم الانتخابي المحتسب على أساس عدد المسجلين، وآلية توزيع المقاعد وفق قاعدة أكبر البقايا، التي تتيح بشكل كبير لمكونات سياسية ذات رصيد انتخابي “محدود” انتزاع مقاعد داخل المؤسسة التشريعية.

وبقدر ما يطرح هذا المعطى مسألة توسيع دائرة التمثيلية وإتاحة المجال أمام نخب سياسية جديدة، فإنه يفتح في المقابل سؤالا حول طبيعة الحضور وإمكانية التأثير وحقيقة “بلقنة” العمل السياسي والبرلماني، كما يتشبث بذلك حزب العدالة والتنمية على الخصوص.

فهل يمثل دخول هذه المكونات الأربعة إلى مجلس النواب توسيعا فعليا للتعددية السياسية، أم أن محدودية تمثيليتها قد تجعل حضورها أقرب إلى التمثيل العددي منه إلى التأثير في التشريع والرقابة؟ وهل يفضي ذلك بالفعل إلى “بلقنة” الأداء البرلماني؟

من مقعد أو مقعدين إلى صوت مؤثر

ترى الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية مريم أبليل أنه يمكن قراءة دخول أحزاب جديدة بمقعد أو مقعدين من زاويتين، مشيرة إلى أن ذلك يمثل من جهة “توسيعا للتمثيلية السياسية وإتاحة المجال لأصوات وبرامج اختارها جزء من الناخبين”، ومن جهة أخرى “إذا لم تعكس هذه التمثيلية اختلافا حقيقيا في البرامج والمواقف، فقد تساهم في تشتيت الخريطة البرلمانية بدل إغنائها”.

وأوضحت الباحثة في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أنه “من الطبيعي على مستوى التأثير أن تكون قدرة نائب أو نائبين محدودة مقارنة بالفرق والمجموعات البرلمانية، خاصة من حيث الزمن والموارد والوزن العددي”.

غير أنها تقر أن التأثير البرلماني “لا يقاس بالعدد فقط”، موضحة أنه “يمكن لنائب نشيط ومتخصص أن يَبرز من خلال الأسئلة والرقابة والتعديلات والمبادرات التشريعية، وأن يجعل من مقعد واحد صوتا حاضرا ومؤثرا في النقاش العمومي”.

وتستحضر الباحثة في هذا السياق نماذج من نواب برلمانيين بصموا ولايات تشريعية سابقة، من بينهم النائب عمر بلافريج ممثلا لفدرالية اليسار الديمقراطي خلال الولاية البرلمانية العاشرة (2016-2021)، والنائبتين نبيلة منيب وفاطمة التامني خلال الولاية الحادية عشرة (2021-2026)، الذين حققوا مشاركة لافتة داخل مجلس النواب، سواء خلال مناقشة مشاريع ومقترحات القوانين، أو طرح الأسئلة الكتابية والشفوية، أو إثارة قضايا تستقطب اهتمام الرأي العام، فضلا عن التواصل والتفاعل الرقمي الدائم على وسائل التواصل الاجتماعي.

الأداء مقابل محدودية العدد

القراءة التي تقدمها مريم أبليل تتقاطع مع ما يؤكده المحلل السياسي محمد شقير، الذي يرى بدوره أن التمثيل السياسي المؤثر للأحزاب “الصغرى” ذات التمثيلية المحدودة لا يرتبط بالعدد فقط، وإنما يشترط “الحضور المنضبط والشخصية المؤثرة ذات التكوين السياسي والتواصلي الكبير”.

ويستحضر شقير، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” بدوره أحزابا “كانت ممثلة بنائب برلماني وحيد، ويثير رغم ذلك الانتباه العام بمشاركته الفعالة”، مشيرا إلى “علي يعته وتدخلاته بالبرلمان، وكيف تميز عمر بلافريج خلال الولاية السابقة بطريقة تدخله وإثارته الانتباه ليس بطريقة لباسه فقط بل أيضا بإثارته لقضايا تلفت الرأي العام وكذا بمواقفه بشأن مجموعة من القضايا”.

كما أشار شقير أيضا إلى النائبتين نبيلة منيب وفاطمة التامني، منوها بأهمية تدخلاتهما تحت قبة البرلمان ومناقشتهما لمقترحات أو مشاريع قوانين، أو في طرح بعض الأسئلة الكتابية والشفوية وكذا تواصلهما من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مع الرأي العام”.

ليست كتلة سياسية واحدة

في قراءة أوسع للخريطة السياسية، يشدد شقير على أنه لا يمكن التعامل مع الأحزاب “الصغيرة” باعتبارها كتلة سياسية واحدة، بالنظر إلى اختلاف أدوارها ومواقعها داخل المشهد الحزبي.

ويصنف شقير وظائفها، على ضوء انتخابات 2026، في ثلاث مستويات، أولها وظيفة التمثيل، من خلال إتاحة المجال أمام اتجاهات أو فئات قد لا تجد نفسها بالكامل في الأحزاب الكبرى. وثانيها وظيفة تنافسية محلية، إذ قد يكون الحزب ضعيفا على المستوى الوطني، لكنه يستطيع المنافسة في دائرة انتخابية معينة بفضل مرشح أو شبكة محلية.

أما الوظيفة الثالثة، بحسب شقير، فتتمثل في ما يسميه بـ”تفتيت المشهد”، مبرزا أن “كثرة الأحزاب واللوائح تجعل الصوت الانتخابي موزعا على عدد كبير من العروض، وهو أمر له أهمية خاصة في نظام انتخابي يعتمد على الدوائر واللوائح”.

ومن ثم، فإن الأحزاب ذات التمثيلية المحدودة، لا تشكل وفق هذه المقاربة التي يقدمها شقير “حالة سياسية متجانسة”، مبرزا وجود “فرق كبير بين حزب صغير له تاريخ وتمثيل سابق، وصغير ذي انتشار انتخابي محدود، وحزب صغير يتمتع بهوية موضوعاتية واضحة، وحزب صغير يعتمد أساسا على مرشحين محليين”.

هذا التعدد في طبيعة هذه الأحزاب يجعل الحكم على أثرها داخل البرلمان مرتبطا، على ضوء ما يوضحه المحلل السياسي، ليس فقط بعدد المقاعد التي حصلت عليها، وإنما أيضا بمرجعياتها السياسية، وخريطة ترشيحاتها، وطبيعة المرشحين الذين اعتمدت عليهم.

التحالف.. مخرج من “محدودية” التمثيلية؟

وإذا كان المقعد الواحد أو المقعدان يفرضان على الحزب حدودا معينة من حيث الوزن العددي والموارد والحيز الزمني للتدخل، ولا يمكنه من تشكيل مجموعة برلمانية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان بإمكان هذه الأحزاب تجاوز هذه المحدودية من خلال التنسيق والتحالف داخل البرلمان.

ويرى شقير أن مسألة التجميع يمكن أن تشكل إحدى الوسائل التي تواجه بها الأحزاب الصغيرة عدديا، محدودية تمثيليتها، سواء من خلال التحالف لتشكيل فريق برلماني يكون له تأثير في مناقشة وطرح القضايا العامة، أو على الأقل التنسيق في ما بينها بخصوص مواقف مشتركة.

وفي هذا السياق، اعتبر شقير أن تحالف اليسار يمكن أن يقوم بمبادرة للتنسيق مع الأحزاب ذات التمثيلية المحدودة، سواء لتحديد مواقف مشتركة أو للعمل على التنسيق لتكوين فريق برلماني يضم نواب التحالف ونواب الأحزاب التي حصلت على مقعدين لكل منها، إلى جانب الحزبين اللذين حصلا على مقعد واحد لكل منهما.

وبذلك، لا يبدو اختبار الأحزاب ذات التمثيلية المحدودة في الولاية الجديدة مرتبطا فقط بعدد المقاعد التي حصلت عليها، وإنما بقدرتها على تحويل التعددية التي أفرزتها صناديق الاقتراع إلى تأثير برلماني فعلي، سواء من خلال المشاركة الفعالة أو من خلال التنسيق والتحالف مع المجموعتين البرلمانيتين أو باقي الفرق النيابية.