الوَاقع والمَواقع.. قراءة في علاقة “السّخط الافتراضي” بـ “التصويت العقابي” (1)
ظهرت نتائج الانتخابات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026 والتي لم تتغير بنيتها الفوقية المشكلة للأغلبية الحكومية؛ باستثناء تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار للمركز الثاني، وتصدر حزب الأصالة والمعاصرة لنتائج الانتخابات.
أعادت النتائج تدوير نفس الأحزاب التي تمَوقعت في الصدارة في الولاية السابقة (مع انخفاض متفاوت لعدد مقاعدها)؛ مع أن هذه الأحزاب نفسها هي التي وجه لها سُخط افتراضي عام واتهامات بـ “الفراقشية” و”ارهاق كاهل الأسر بالغلاء” وغيرها مما يبدو أنه “مَوجات احتجاجية رَقمية” امتدت تقريبا طيلة خمس سنوات السابقة من تدبيرها للحكومة في الفترة 2021-2026 حتى ظهر أن الأمر سيتحول من “سخط” افتراضي إلى “عقاب” انتخابي واقعي.
يطرح الأمر سؤالا مباشرا: هل يُعتبر السّخط الرقمي (الافتراضي) تعبيرا عن حقيقة واقعية؛ أم أن هناك “فجوة تواصلية/توقعية” تبين انفصال/”انفصام” بين الواقع والمواقع؟ هل “الحتمية” التكنولوجية/الرقمية (الافتراضية) تفرض بالضرورة أن يكون هناك انعكاسا واقعيا لتَمثلاتها وتعبيراتها؛ أم أن التصورات الافتراضية تنكسر على صخرة “عقلانية” الواقع مما يفرضه من قواعد راسخة وتمثلات وضوابط وشروط و”بنية موازية” هي التي تحسم وتحدد في الختام؟
سنجيب عن الأسئلة من خلال التأصيل التاريخي والنّظري الموجز على أساس أن ما نقدمه يعتبر أفكارا عامة (حسب ما يفرضه المَقام)؛ قراءة “بانورامية” موجزة وأولية تَعتمد الخلفية النظرية كأساس، والملاحظة كآلية، والاستنتاج كخلاصات عامة.
أصل السّؤال: تأصيل نظري
بلغت الدراسات التي تتناول تأثير الإعلام الجماهيري في الولايات المتحدة الأمريكية أوجها بداية من سنة 1940.
ركزت الدراسات بالأساس على البحث الكمي والميداني؛ حيث أصدر “بول لازارسفيلد” من جامعة “كولومبيا” دراسة تحت عنوان “اختيار الشّعب” التي تُعتبر نقطة تحول كبرى غيرت الكثير مما كان يُعتبر يقينيات عن التأثير المباشر للإعلام الجماهيري في زمن الدعاية السياسية التي تزعمتها تقنيا الإذاعة بالأساس.
بلغت الدعاية السياسية أوجها بين الحربين العالمية الأولى والثانية، وكانت الإذاعة في قلب هذا التأثير؛ حيث أعتقد بالتأثير المباشر لهذه الوسائل إلى درجة اعتبار الاعلام الجماهيري (نظريا) حقنة تحت الجلد ورصاصة سحرية، وأن لهَا تأثيرات قوية على اختيارات وقناعات المواطنين.
فككت دراسة “لازارسفيلد” أسطورة قوة “التأثير المباشر” لوسائل الإعلام الجماهيري؛ وكشفت أن الإعلام لا يُغير المواقف جذريا؛ أو يحقن أفكار في المتلقي بشكل مباشر هكذا؛ بل إنه ببساطة يُعزز القناعات السّابقة، كما كشف (ما يمكن أن اعتبره الجزء الخفي من جبل الجليد بالتعبير الفرودي) عن دور قادة الرأي كوسطاء بين الأداة التّقنية (الإذاعة نموذجا) والمواطنين؛ أي أهمية التواصل الشخصي المُباشر.
برزت نتاج ذلك نظرية مُعاكسة لـ “الحقنة تحت الجلد والرصاصة السحرية” وهي نظرية الاتصال عبر مرحلتين (مرحلة أولى: الأداة الإعلامية في اتجاه قادة الرأي؛ المرحلة الثانية: قادة الرأي في اتجاه المواطنين)؛ أعطت المكانة للنقاش وبناء أفكار جديدة (ممكن معاكسة للرسالة المرسلة)، وكذا بنيت على مكانة المتلقي كفاعل حيوي في دينامية النقاش العمومي وليس كمستهلك حقن برسائل الأداة التقنية (الإذاعة) فقط.
نسفت الدراسة بشكل يقيني التأثير المباشر والقوي لوسائل الإعلام الجماهيرية؛ وفتحت قوسا كبيرا أعطى مكانة للتفاعل المباشر كمعطى ثابت، وهو المعطى المستبعد في الانتاجات العلمية السابقة التي قالت بقوة التأثير المباشر متأثرة بـ “الحتمية التكنولوجية”؛ حيث أعطتها بعدا أسطوريا باعتباره معطى “لا يُقهر”؛ كما انتقصت أو غطت – في الاتجاه المعاكس – عن البعد النّقدي التّفاعلي والتشاركي لدى المتلقي (نفي جدلية التأثير والتأثر وتعزيز الخطية في الاتصال).
التغيير في ظل الاستمرارية
لم ينتهي تناسل نَفس الأسئلة التي طُرحت سَابقا (فترة الاعلام الجماهيري التقليدي)؛ بل امتدت وتشعبت أكثر مع بروز الطّفرات الرّقمية والتكنولوجية، وتعزيز مكانة الافتراضي بحمولته التأثيرية النّفسية وتعقيداته التواصلية والاجتماعية من خلال “فضاءات التواصل الاجتماعية”.
خلفت هذه النّقلات بنية جديدة ظاهريا، ولكن بعمق قديم (التغيير في ظل الاستمرارية) فعوض “الحتمية التكنولوجية” برز الحديث عن “الحتمية الرقمية/الافتراضية”؛ وعوض ” قادة الرأي” الكلاسيكية برز “المؤثرون” كصيغة مُحينة، التواصل التفاعلي عوض الاتصال الخطي؛ وغيرها من الثنائيات.
تبين هذه الثنائيات أن هناك تحولات؛ لكن هي في الحقيقة تندرج ضمن سيرورة تاريخية؛ فأي بروز تكنولوجي يواكبه تغير مفاهيمي على أساس أن نفس الإشكالات التي تطرح في زمن سطوة الإعلام الجماهيري هي التي تطرح في زمن فضاءات التواصل الاجتماعي مع اختلافات في البنية المفاهيمية في مستواها الفوقي مع بقاء جوهر التحول ثابتا مما يفرز على الدوام نفس السؤال الاشكالي المرتبط بالأساس بقوة التأثير؛ حتى شبهت الباحثة “إيمي أوربن” Amy Orbenفي مقال لها الأمر بأنه “دورة سيزيف للذعر التكنولوجي”.
تقول الباحثة في مقالها “دورة سيزيف للذعر التكنولوجي” إن بروز تقنية جديدة يفرض على الدوام نفس ردود فعل المجتمع والسياسة والأبحاث فيظهر “الذعر” لدى الباحثين وتطرح نفس الأسئلة حول هذا التحول دون بناء ما سمته بـ “المعرفة التراكمية”؛ حيث تنطلق الباحثة من الأسطورة الإغريقية القديمة التي تم من خلالها مُعاقبة “سيزيف” بدفع صخرة ضخمة إلى قمة جبل شاهق، وكلما أوشك على الوصول الى القمة، تدحرجت الصخرة عائدة إلى القاع، فيضطر للعودة من جديد إلى الأبد.
في زمن أوج الدعاية السياسية؛ وبسبب الدور الكبير للإذاعة باعتبارها تقنية جديدة (الذعر التكنولوجي) أثير سؤال التأثير المباشر والقوي لوسائل الإعلام الجماهيري (الصعود السيزيفي) قبل أن تحسم دراسة “اختيار الشعب” المسألة بنفي التأثير المباشر (هبوط سيزيف).
أما في زمن الثورة الرقمية وبروز الأنترنت كتقنية شبكية واسعة (الذعر التكنولوجي) برز نفس السؤال عن التأثير القوي للفضاءات الجديدة، فذهبت اتجاهات بتأثيرها القوي (الصعود السّيزيفي)؛ غير أن دراسات بينت أن التأثير ليس بتلك الدرجة التي تم توقعها (هبوط سيزيف).
أكدت هذه الأفكار في المجمل أن دورة الثورات التقنية الجديدة في العصر الحديث التي يواكبها سؤال التأثير حُسمت بدورها للرجوع للأدبيات والأفكار الكلاسيكية التي تم صياغتها مباشرة بعد سنة 1940 والتي تَعتبر المتلقي فاعلا (الانتقائية في التّعرض)، والبنية الاجتماعية محددا مَركزيا في بنية الاتصال (دينامية الفرد في المجتمع).
محدودية التأثير المُباشر
سلطت دراسة “لا تذعر.. تقييم الأدلة والخطاب الدائر حول الذكاء الاصطناعي التوليدي والانتخابات”؛ الضّوء على بروز الذكاء الاصطناعي (تحول تقني جديد) قد يظهر أنه الأكثر تأثيرا و “فتكا” بالنسبة للمتلقي أثناء الانتخابات؛ لكن العكس هو ما كشفته الدّراسة، التي بينت من جديد “المحدودية” و”التعرض الانتقائي للمتلقي”، حيث دافعت على أن الناس حين يُقبلون على التعرض للمنصات وآراء النخب لا يكونون صفحات بيضاء؛ بل إن سلوكهم الانتخابي يُبنى على أساس شبكة معقدة من العوامل (الميول، التوجهات، السياقات..)؛ وأن هذه الحملات يفضل معظمها حين لا تتماشى جيدا مع دوافعهم وتفضيلاتهم أو قيمهم.
وبين الكاتبان “فيليكس مارفان سايمون” (Felix Marvin Simon) و”ساشا ألتاي” ((Sacha Altay أن الانتماء الحزبي بدوره يعتبر آلية فلترة أساسية وهي التي يعالج بها الأفراد المعلومات السياسية؛ كما للنقاشات المباشرة والفردية وقادة الرأي دور في اتخاذ الأفراد موقفا مُعينا.
كشفت الدراسة أن الناس يُفضلون دائما حدسهم وخبراتهم ومعتقداتهم في اتجاه المعلومات الجديدة. يتوقف التأثير حسب المصدر عند تهديد المصالح الشخصية للأفراد؛ أو حين ينحرف عن مواقفهم السياسية الخاصة؛ فالمتلقي يبحث بالأساس مع ما يتوافق مع معتقداته السابقة حيث يتفاعل معها، مما يحد من قدرة وسائل الإعلام والنخب على تغيير التصورات والقناعات العقلية بشكل عميق ودائم.
خلصت الدّراسة بناء على قراءة تفكيكية لإمكانيات تأثير الذكاء الاصطناعي على السلوك الانتخابي باعتباره أداة اتصالية وتقنية جديدة (الذعر التكنولوجي)؛ أن درجة التأثير المتوقعة مُنخفضة من خلال قراءة في بنية المتلقي نفسه، مبرزة دور التواصل المباشر وقادة الرأي، وهي في الجوهر نفس التحديات المتأصلة في عمليات الاقناع الجماهيري منذ دراسة “اختيار الشعب” لـ “بول لازارسفيلد”.
نبهت الدراسة إلى تعقيدات التأثيرات الإعلامية؛ وتفاعل الناس مع التكنولوجيا، وصعوبة الوصول إلى الجماهير المُستهدفة باعتبار هذه المحددات حاسمة في عدم اليقين بخصوص التأثير المباشر، بل ذهب الباحثان أكثر من ذلك حين نبهوا إلى أن التهويل من الذكاء الاصطناعي (بدون نفي مخاطره بطبيعة الحال) يُشتت الانتباه إلى أمور أكثر أهمية وخطيرة قد تهدد المسار الديمقراطي.
يقصد الباحثان بهذه العناصر أو التهديدات بالمتغيرات والتأثيرات الأكثر هيكلية من قبيل التقطيع الانتخابي، القاسم الانتخابي، ضبط التسجيل في اللوائح الانتخابية، دور الأعيان في ضبط الموازين في التجربة المغربية وغيرها من الإجراءات التي يكون لها التأثير الكبير والمباشر على النتائج أكثر من بروز تقنية جديدة كوسائل التواصل الاجتماعية والحديث عن تأثيراتها المباشرة بمنطق الحقنة السّحرية.
السياق الانتخابي المغربي
تفتح هذه الخلاصة المهمة الباب لإعادة النّظر في عملية التأثير لوسائط التواصل الاجتماعية باعتبارها مُحددا نهائيا وحاسما لا جزء من منظومة بنيوية فيها عناصر كامنة قد يكون لها تأثير في النتائج.
يفرض حجم ما يُروج في فضاءات التواصل الاجتماعية (بناء على نظرية التّأثير المباشر للمنصات) أن يكون التصويت في محطة انتخابات 23 شتنبر 2026 “تصويتا عقابيا” موجها للأحزاب المُشكلة للحكومة (شكلا) – بمعنى أن ينقلب الهرم الفوقي للثلاث أحزب الأولى- لكن شيء من هذا لم يحصل؛ فحتى وإن انخفض عدد المصوتين على المستوى العددي؛ فإن التغيير لم يمس البنية في جوهرها؛ حيث حافظت الأحزاب الثلاثة على موقعها على رأس ترتيب نتائج استحقاقات 23 شتنبر 2026 مما يفرض كشف تأثيرات أخرى (تأثيرات البنية الموازية والكَامنة).
يفرض ظهور هذا التناقض بين قوة التأثير الافتراضي المباشر وتأثير البنية الكامنة والعناصر الواقعية بحثا عن عناصر أخرى خارج دائرة تأثير المنصات التي بينا سابقا عن محدودية تأثيراتها المباشرة في إطار سيرورة تاريخية لعلوم الاعلام والاتصال؛ ويتعلق الأمر بالنسبة لنا ببنية أخرى كامنة تتعلق مَثلا: بالتقطيع الانتخابي الذي لا يخضع لمنطق عادل جغرافيا، ولا متوازنا بخصوص عدد المصوتين في علاقتها بعدد المقاعد؛ والقاسم الانتخابي الذي يحدد المقعد الانتخابي على أساس عدد المسجلين وليس المصوتين؛ ويمكن أن نشير كذلك إلى عدد المُسجلين أنفسهم وعملية التشطيب وعدم فتح التسجيل المباشر في اللوائح الانتخابية، إضافة الى العزوف ونسبة المشاركة، ثم أيضا الحديث هنا عن بنية الأعيان ومنظومة اشتغالها في الانتخابات المغربية باعتبارهم “قادة للوساطة” لهم دور وتأثير مُباشر.
يحتاج كل عنصر من هذه العناصر تفصيلا (سيكون مَحط تحليل في مقالات قادمة)؛ لكن سنشير في هذا المقال فقط إلى تناقض تواصلي بارز يُعتبر في اعتقادنا أيضا محددا من المحددات التي تبين فجوة تواصلية بين الفئات العُمرية التي تتعرض لمنصات التواصل الاجتماعية، ونسبة حضورها في لائحة المسجلين في اللوائح الانتخابية.
أظهرت دراسة لمؤسسة “سونارجيا” باروميتر شبكات التواصل الاجتماعي لسنة 2026، أن منصات التواصل الاجتماعية الأكثر حضورا ومتابعة لدى المغاربة هي “فايسبوك” و “واطساب” بنسبة 86%، وأن الفئتين 18-24 سنة و 25-34 سنة هي التي حصدت أكثر المُتابعات في المنصتين (فئة 25-34 سنة على “الفايسبوك” بنسبة 78%؛ والفئتين العمريتين مجموعتين على المنصتين (الفَايسبوك وواطساب) بنسبة 90%.
حين نقوم بقراءة في الفئات السنية الأكثر تمثيلية في اللوائح الانتخابية؛ والذي لديهم الحق في التصويت؛ سنجد أن هذه الفئة (الحاضرة في المنصات الأكثر متابعة) لا تُشكل إلا 19 بالمائة (الفئة العمرية من 18 إلى 24 سنة بنسبة 4 % والفئة العُمرية من 25 سنة إلى 34 سنة بنسبة 15%)؛ هذا إن افترضنا أن هذه النسبة توجهت كاملة لصناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر؛ مما يبين أن الفئة العمرية الأكثر تمثيلية في منصات التواصل الاجتماعية والأكثر متابعة لـ “فايسبوك” و”واطساب” (المواقع) هي الأقل حضورا في لوائح الانتخابات والتي يمكن لها التصويت (الواقع).
خلاصات عامة:
- المسار التاريخي لتطور نظريات علوم الإعلام والاتصال في علاقتها بالتأثير تبين أن تَغير التقنية وما تخلقه من “هالة انفجارية” لا يحدث قطيعة مع استمرارية خلاصات الأدبيات الكلاسيكية للاعلام والاتصال التي تُقوي من مركزية البنية الاجتماعية وفاعلية المتلقي أثناء التعرض للرسالة الاتصالية.
- السلوك الانتخابي لديه مساحات أخرى للتشكل وليس مُقيدا بالضرورة بالفضاءات الرقمية مهما كانت قوتها وفاعليتها؛ فهناك ما يمكن أن نسميه بـ “البنية الموازية” والتي تَتشكل بالموازاة مع دينامية الفضاء العام الافتراضي حيث تشتغل –عكس الافتراضي- بمنطق بنيوي وواقعي ثم ميداني (الأعيان، التقطيع الانتخابي، التسجيل في اللوائح الانتخابية ونسبة المشاركة، شبكة مَصالح، تواصل مباشر، وسائل تأثير غير قانونية…إلخ)
- تطرح الفضاءات الافتراضية والرقمية نفسها كجزء من عملية التأثير لا عنصر تأثير مباشر حاسم وقطعي؛ ومقابل ذلك تُعتبر “البنية الموازية” التي تشكلت ميدانيا وبنيويا العُنصر الحاسم في النهاية.
- نُفسر ما يظهر لدى المهتمين والمتابعين لهذه الطفرات الرقمية وموجاتها ذات الامتدادات (مد جزر) من تطلع خارج حدود النطاق المحدد لهذه الفضاءات بأن توقعاتهم تكون غير مبنية على قراءة شاملة تراكمية؛ بل على قراءة أحادية ظرفية تؤدي في الكثير من الأحيان لبروز “الفجوة التوقعية”.
- محمد الطالبي
- باحث في الإعلام والتواصل السياسي والعمومي