انبعاثات الانتخابات
للانتخابات روائحها أيضا.
ليست كلها عطرة، كما أن الصندوق لا يخرج منه دائما ما تقوله الملصقات المعلقة على الجدران. هناك ما يفوح قبلها، وما يتصاعد أثناءها، وما يبقى عالقا في الهواء بعد أن تنصرف الجموع وتُطوى اللافتات وتُغلق المقرات.
بعض الروائح لا تحتاج إلى أن تراها كي تعرف أنها موجودة. يكفي أن تمر قرب بالوعة، مخبزة، أو بجانب طاحونة تبتلع الحبوب وتلفظ غبارها، أو أن تعبر شارعا بعد أن مر منه شيء ثقيل، حتى تعرف أن الهواء يحمل أثرا لشيء لم تعد تراه.
والانتخابات كذلك.
ثمة أشياء تختفي من المشهد ولا تختفي من رائحته. قد تنتهي الحملة، وتنتهي معها الخطب، والابتسامات، والمصافحات، والأيادي التي لوّحت للكاميرات، وتلك اللغة التي تجعل كل شيء يبدو ممكنا: العمل، والكرامة، والعدالة، والتنمية، والمستقبل. ثم يهدأ كل شيء. لكن شيئا ما يبقى في الهواء.
ذلك الشيء هو الذي يعنينا لا النتائج وحدها، ولا الذين صعدوا، ولا الذين هبطوا، ولا الحساب البارد للأصوات والمقاعد. ما يعنينا هو ما انبعث من الانتخابات نفسها. فالانتخابات، مثل كل فعل اجتماعي كبير، لا تقول فقط ما تريد أن تقوله. تفضح أحيانا ما حاولت أن تخفيه.
وهنا تبدأ المتاعب.
لأن السياسة تحب الكلام النظيف، تحب أن تظهر في صورة البرنامج، والشعار، والمشروع، والوعود. تحب أن تُرتب في جمل مستقيمة، وأن تُعرض على المواطنين كما تُعرض السلع في واجهة مضاءة جيدا. لكن المجتمع أكثر فوضى من ذلك. المجتمع يترك على السياسة آثارا لا تستطيع اللغة الانتخابية غسلها بسهولة.
يترك عليها أثر الفقر، وأثر الخوف، وأثر الامتياز، وأثر الغضب الذي لا يجد لنفسه اسما. وأثر المواطن الذي تعلم، مرة بعد مرة، أن يسمع كثيرا وأن ينتظر طويلا. لهذا قد يكون أخطر ما في الانتخابات ما لا يظهر في الانتخابات وهنا تكمن الانبعاثات.
ذلك الغائب الذي لا يرفع يده، ولا يصرخ، ولا يدخل في مشاجرة سياسية، لكنه يحمل في داخله سؤالا بسيطا وقاسيا: ماذا تغير؟
السؤال يبدو عاديا، لكنه ليس كذلك. فإذا كان المواطن لا يقيس السياسة بما تقوله عن نفسها، وإنما بما تتركه في حياته، فإن المسافة بين الخطاب وأثره تصبح هي المكان الحقيقي الذي ينبغي أن نفتش فيه عن معنى الانتخابات.
هناك، في تلك المسافة، يبدأ الضمير في إزعاج السياسة، فالضمير لا يدخل الصندوق، لا يحمل بطاقة انتخابية، لا يظهر في محضر النتائج، لكنه يبقى بعد انتهاء كل شيء.
قد يقول المرشح ما يشاء أثناء الحملة، وقد تنجح اللغة في تغطية التناقضات (الرئيسية والثانوية وما بينهما) لبعض الوقت، وقد تستطيع الصورة أن تمنح السياسي ملامح لا تشبه يومياته، لكن الضمير الاجتماعي لا يختفي بهذه السرعة. إنه يحتفظ بالأشياء التي تنساها الحملات.
الضمير، يتذكر الوعد، يتذكر الإهانة، يتذكر من كان حاضرا حين كان الناس يحتاجونه، ومن ظهر فقط حين احتاج أصواتهم. ويتذكر أيضا أن السياسة ليست كلاما عن الناس، وإنما علاقة معهم. وهنا تتعقد الحكاية.
ولأن الغياب نفسه يصبح حاضرا؛ غياب من لم يجد في السياسة ما يستحق الحضور، غياب من فقد الثقة، غياب من اختار الصمت، غياب من رأى أن حياته اليومية تجري في اتجاه آخر، بعيدا عن اللغة التي تتحدث بها المؤسسات.
لا يمكن أن نحول كل غياب إلى موقف واحد، ولا أن نضع له تفسيرا جاهزا. لكن يمكن أن نسأل: ماذا يقول هذا الغياب عن الحضور؟ ربما تقول السياسة إن المواطن غاب، وربما يقول المواطن إن السياسة لم تحضر. بين الجملتين مسافة شاسعة وانبعاثات شاسعة.
وفي هذه المسافة يعيش جزء كبير من المغرب السياسي. فالانتخابات تفترض وجود مواطن يأتي إلى الدولة عبر الصندوق، بينما الحياة اليومية قد تكون قد علمته أن الدولة تصل إليه بطرق أخرى: في المدرسة، في المستشفى، في الإدارة، في سعر السكن، في فاتورة الماء، في فرصة العمل، في الطريق التي تصل إلى قريته أو لا تصل.
هناك تُقاس السياسة بلا ميكروفون، وهناك أيضا تنبعث الروائح التي لا تستطيع الحملات الانتخابية تعطيرها. رائحة اقتصاد يوزع الفرص على نحو غير متكافئ، رائحة مدينة تنمو أسرع من قدرتها على احتضان سكانها، رائحة عمل يتغير قبل أن يتغير الكلام عنه.
رائحة مستقبل يدخل إليه الذكاء الاصطناعي بينما ما زالت قطاعات واسعة تكافح مع أسئلة الأمس. رائحة ماء أصبح أكثر من مورد طبيعي، وصار سؤالا عمَّن يملك حق الوصول إلى المستقبل. كل هذا يحدث بينما تستمر السياسة في استعمال قاموسها القديم.
وهنا يصبح الجدل أكثر عمقا من خلاف بين حزب وحزب. إنه خلاف بين مجتمع يتغير والسياسة التي تحاول أن تمثله بأدوات لم تتغير بالسرعة نفسها. فالانتخابات قد تجدد الوجوه، لكنها لا تجدد بالضرورة شروط الحياة التي أنتجت تلك الوجوه.
وقد تغير موازين القوة داخل المؤسسات، بينما تبقى موازين أخرى خارجها أكثر رسوخا وأقل ظهورا. وقد تنتقل السلطة من يد إلى يد، فيما تظل بعض مصادرها الحقيقية في أماكن لا تصل إليها صناديق الاقتراع أصلا.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى شيء شديد البساطة: ليست كل قوة سياسية موجودة في البرلمان. هناك قوة المال، وقوة المعلومة، وقوة الشبكة، وقوة الموقع، وقوة القدرة على الوصول، وقوة التحكم في الموارد، وقوة صناعة الصورة، وقوة تعريف ما يجوز أن يكون موضوعا للنقاش وما ينبغي أن يبقى خارجه.
لهذا لا يكفي أن نسأل: من وصل؟ علينا أن نسأل أيضا: من يستطيع أن يجعل الوصول ممكنا أصلا؟ ذلك السؤال يزعج أكثر. وربما لهذا نميل إلى الحديث عن الانتخابات بعد انتهائها كما لو أنها عملية حسابية انتهت. الأرقام أكثر راحة من الأسئلة. الرقم لا يشم، لا يغضب، لا يحتج، لا يتذكر. أما المجتمع فيفعل كل ذلك.
الأرقام تغلق الملف. والآثار تفتحه. لهذا لا أظن أن الانتخابات تنتهي بإعلان النتائج. النتائج هي ما يُعلن. أما الانبعاثات فتبقى. تبقى في اللغة التي تغيرت، وفي الصمت الذي اتسع أو ضاق، وفي المواطن الذي عاد إلى بيته وفي رأسه سؤال لم يجد له صندوق الاقتراع جوابا، وفي الشاب الذي اكتشف أن مستقبله لا يوجد في البرنامج الانتخابي، وفي السياسة نفسها حين تنظر إلى مرآة المجتمع فتجد أن صورتها لم تعد مطابقة تماما للصورة التي اعتادت أن تقدمها عن نفسها.
وربما هنا تكمن المسألة كلها؛ ما الذي تفوح منه الانتخابات؟ إن كانت رائحة الأمل، فالأمل يحتاج إلى ما يتجاوز الخطاب. وإن كانت رائحة الغضب، فالغضب لا يختفي بإغلاق الصندوق. وإن كانت رائحة العجز، فالعجز لا تعالجه الأرقام. وإن كانت رائحة التغيير، فإن السؤال الأصعب هو تغيير ماذا، ولمن، وبأي ثمن؟
أما إذا كانت الرائحة خليطا من كل ذلك، فربما لأن المجتمع نفسه لم يعد يقبل أن يُقرأ من نافذة واحدة، تلك هي انبعاثات الانتخابات. ما لا يظهر في النتائج، لكنه يبقى في الهواء. ما يغيب عن الصورة، لكنه يترك أثره عليها. وما لا يقوله الصندوق، وقد يكون هو بالضبط ما ينبغي أن نسمعه بعد أن يسكت الصندوق.
هذه ببساطة هي انبعاثات الانتخابات…
- د. أسامة باجي
- باحث في الإعلام والتواصل