إلى صاحب السيادة
صاحب السيادة..
أولا، عنوان هذا المقال ليس وصفا مجازيا، ولا مجاملة تُقال للمواطن عشية الانتخابات ثم تُسحب منه بعد إغلاق الصناديق. هذا هو التعبير الذي يقود إليه نص الدستور نفسه.
ينص الفصل الثاني من الدستور الذي صادقنا عليه سنة 2011 على أن “السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها. تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنظم”.
والمقصود هنا ليس أن كل مغربي يملك السيادة وحده أو يحوز “قطعة” منها، بل المقصود أن الأمة، بوصفها جماعة سياسية واحدة، هي مصدرها؛ وأن المواطن يمارس نصيبه من هذه السيادة حين يشارك في اختيار من سيتولى التمثيل داخل المؤسسات المنتخبة.
الورقة التي توضع في الصندوق ليست رسالة للتعبير عن الحب لحزب سياسي، ولا شهادة ثقة أبدية في مرشح، ولا توقيعا على بياض. هي، في جوهرها، جزء من عملية أكبر تنقل السلطة من مصدرها النظري، أي الأمة، إلى مؤسسات وأشخاص سيملكون، لسنوات، صلاحية اتخاذ قرارات باسم الجميع.
صاحب السيادة..
لا أحد يحتاج إلى أن يخفي عنك أن المغرب لم يصبح بعد ديمقراطية مكتملة، وأن جزءا مهما من القرار العمومي لا يمر دائما عبر القنوات التي تمر منها الإرادة الشعبية، وأن النقاش حول حدود السلطة المنتخبة ومراكز القرار غير المنتخبة مشروع وضروري.
لكن الحقيقة في شطر آخر لا تقل أهمية عما سلف. الدستور يمنح للمؤسسات الناتجة عن الانتخابات سلطات حقيقية، ومن الخطأ، الذي يرقى إلى التضليل في حالة الوعي به، اختزالها في مجرد ديكور سياسي.
البرلمان المقبل سيفتتح دورته الأولى في الجمعة الثانية من أكتوبر، كما ينص الفصل 65 من الدستور، سواء كانت نسبة المشاركة مرتفعة أو منخفضة، وسواء رضي المترددون عن العرض السياسي أم لم يرضوا. المؤسسة ستُفتتح في كل الأحوال، والمقاعد ستُملأ، والموازين ستُرسم.. بمن حضر.
ومن الحزب الذي سيتصدر انتخابات هذا الأربعاء 23 شتنبر 2026، سيعين الملك رئيس الحكومة، وعلى أساس نتائجها، فيما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. وبعد تشكيلها، لن تصبح الحكومة كاملة الصلاحية بمجرد تعيين أعضائها؛ بل يجب أن تعرض برنامجها على هذا البرلمان، ولن تُنصّب إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب تحديدا، بالأغلبية المطلقة لأعضائه.
أنت من سيختار لنا رئيس الحكومة المقبل يا صاحب السيادة. وهذا الأخير لن يعمل في فراغ، والوزراء لن يتحركوا خارج المؤسسات، والبرامج لن تتحول وحدها إلى قرارات.
تمارس الحكومة، بموجب الدستور، السلطة التنفيذية، وتنفذ القوانين، وتتصرف في الإدارة وتشرف على المؤسسات والمقاولات العمومية، فيما يمارس رئيسها السلطة التنظيمية ويمكنه تفويض بعض صلاحياته للوزراء. وكل ذلك يبقى مرتبطا، في جزء أساسي منه، بالبرلمان، وبمجلس النواب تحديدا.
الميزانية التي تحدد كم سندفع من ضرائب، وأين ستذهب النفقات، وما الذي سيُمنح للصحة والتعليم والاستثمار والتشغيل والحماية الاجتماعية، تمر عبر قانون المالية الذي يصوت عليه البرلمان، ويودع بالأولوية لدى مجلس النواب.
والاختيارات المتعلقة بالضرائب، وبالإنفاق العمومي، وبأولويات الاستثمار، وبشكل تنظيم المهن، وبالقوانين المؤطرة للحقوق والحريات، وبالسياسة الاجتماعية والاقتصادية، تمر كلها، بدرجات مختلفة، من قنوات تشريعية ومؤسساتية يشارك فيها النواب الذين يختارهم الناخبون.
صاحب السيادة..
حين تختار ممثليك، فأنت لا تختار أشخاصا سيجلسون تحت قبة البرلمان. أنت تساهم في تحديد نوع الأغلبية التي ستنشأ، ونوع المعارضة التي ستراقبها، ونوعية الأشخاص الذين سيصوتون على القوانين ويعدلونها ويرفضونها أو يمررونها.
النواب ليسوا آلات تصويت محايدة. إنهم أشخاص مثلنا، سيخرجون من بيننا، وهم بذلك مختلفون في الاستقلالية والكفاءة والنزاهة والقدرة على المقاومة. سيتعرض بعضهم لضغوط حزبية، وربما لمصالح اقتصادية واجتماعية، وسيجدون أنفسهم أمام قوانين وميزانيات وتسويات تتطلب الاختيار. والفرق بين نائب قادر على طرح السؤال وآخر لا يفعل، وبين نائب يقرأ النصوص ويقاوم الضغط وآخر يكتفي بالتصويت، أنت من سيحدّده.
حتى أدوات الرقابة على الحكومة مرتبطة بتوازن القوى داخل البرلمان. فالدستور يسمح بإحداث لجان لتقصي الحقائق، للتحقيق في وقائع محددة أو في تدبير خدمات ومؤسسات ومقاولات عمومية، ويمكن أن تنتهي أعمالها، عند الاقتضاء، بإحالة الملف إلى القضاء من طرف رئيس المجلس المعني… وهو ما تعلم جيّدا، أن تركيبة مجلس النواب السابق لم تسمح لك به.
وبعيدا من توزيع المقاعد وتحديد موازين الأغلبية والمعارضة، تحمل المشاركة الشعبية الواسعة والنوعية معنى آخر أكثر عمقا. إنها تساهم في تحديد الاتجاه الذي يسلكه قطار تطورنا السياسي. فالديمقراطية لا تصل إليها المجتمعات بقفزة واحدة، ولا تُمنح مكتملة في لحظة دستورية أو تاريخية، وإنما تُبنى بالتراكم، وباعتياد المواطنين على الاختيار والمحاسبة، واعتياد المؤسسات بدورها على أن تستمد قوتها من الاختيار الشعبي وتخضع له.
كل استحقاق تتسع فيه دائرة الحضور الواعي، ويزداد فيه وزن الاختيار الحر والمستنير، يضيف فصلا جديدا إلى مدرسة نتعلم فيها الديمقراطية كما نريدها للمغرب.
ديمقراطية هادئة وسلمية ومتدرجة، لكنها تمضي في اتجاه واضح؛ نحو توسيع مجال الإرادة الشعبية والرقابة والمحاسبة، لا نحو المنطقة القاحلة التي تنكمش فيها السياسة، ويضعف فيها المواطن، وتستفرد بالقرار دوائر ضيّقة.
صاحب السيادة..
ثمة فرق كبير بين أن تقول إن السياسة لا تمارس كما ينبغي، وبين أن تستنتج أنها لا تعمل إطلاقا. الجملة الأولى نقدية ومشروعة، أما الثانية فقد تتحول بسهولة إلى إعفاء مسبق من المحاسبة وإلى ترك المؤسسات لمن يملك التنظيم والمال والشبكات والقدرة على الحشد والمناورة.
البرلمان لا ينتظر الإجماع كي يتشكل، والحكومة لا تنتظر الممتنعين كي تولد، والقوانين لا تتوقف حتى يقتنع الغاضبون بجدوى السياسة. كل شيء سيستمر.
لهذا فإن الامتناع، مثل المشاركة، ليس فعلا خارج السياسة. كلاهما يدخل في النتيجة النهائية بطريقته. وكذلك الورقة البيضاء أو الملغاة. الفرق أن أثر كل اختيار ليس واحدا.
لستَ ملزما بأن تحبّ حزبا. ولا بأن تقتنع ببرنامج معيّن كلّه. ولا بأن تجد مرشحا يشبه الصورة المثالية التي في صنعها خيالك. الانتخابات لا تقدم لنا عالما نقيا، بل تتيح لنا مجالا للاختيار بين عروض متفاوتة في القرب والبعد، وفي الجودة والضعف، وفي الثقة والريبة.
صاحب السيادة..
لن تُحسم كل مشاكل المغرب هذا الأربعاء 23 شتنبر 2026، ولن تختفي مراكز النفوذ، ولن تتحول الدولة فجأة إلى النموذج الذي يحلم به الجميع. لكن ستُعاد هندسة جزء مهم من السلطة السياسية والمؤسساتية لخمس سنوات جديدة.
ستتحدد أحجام الأحزاب في مجلس النواب، وسيتضح من يقود الأغلبية ومن يقود المعارضة، ومن يملك القدرة على تمرير القوانين ومن يحتاج إلى التفاوض، ومن سيكون حاضرا في لحظة الرقابة والتعديل والتشريع ومن سيكون خارجها. وهذا ليس قليلا.
السيادة لا تعني أن المواطن يفعل كل شيء بنفسه. بل تعني أن المؤسسات التي تتصرف باسمه تستمد جزءا من شرعيتها من اختياره، وأن هذا الاختيار يمكن لاحقا أن يتحول إلى محاسبة.
السيادة التي لا تُمارس تتحول بسهولة إلى مفهوم جميل مكتوب في الدستور. أما حين تتحول إلى وعي، وتمييز، ومساءلة، ومراقبة، فإنها تصبح فعلا سياسيا حقيقيا.
صاحب السيادة..
غدا، حين ستُغلق مكاتب التصويت ويبدأ الفرز، سينتهي دورك إلى حدّ بعيد، بما أن أدوات الديمقراطية التشاركية هزيلة، وقنوات الإنصات والتفاعل والاستجابة مخنوقة…
وسيبدأ سؤال ثقيل في مطاردتنا: أي دولة اخترنا أن نبني، وأي أشخاص منحناهم حق ممارسة جزء من السيادة باسمنا؟