من الوعود إلى السياسات العمومية.. هل نجحت الأحزاب في استعادة ثقة الناخب عشية الاقتراع؟
ساعات قليلة تفصل الحملة الانتخابية عن وقت انتهائها ودخولها، منتصف ليلة الثلاثاء، مرحلة الصمت الانتخابي التي تسبق اقتراع 23 شتنبر، لتكون الأحزاب السياسية قد استنفدت مخاطبة وإقناع الناخبين ببرامج ووعود كثيرة إلى كسب ثقتهم للمشاركة في التصويت.
فهل نجحت الأحزاب، من خلال خطابها الانتخابي طيلة الأيام الماضية، في تضييق فجوة الثقة مع الناخب، خصوصا الشباب، لاسيما أن نسبة المسجلين في اللوائح الانتخابية بين 18 و24 سنة لا تمثل سوى 4 في المائة؟ وهل استطاع المرشحون تقديم اختيارات في مجال السياسات العمومية قابلة للتنفيذ ومن شأنها إقناع المواطن بأن صوته يمكن أن يتحول إلى نتائج ملموسة بعد الانتخابات؟
رفع سقف الوعود..استمالة الناخب
بالنسبة إلى الدكتورة والباحثة في العلوم السياسية، شريفة لومير، فأهمية البرامج الانتخابية في كل محطة انتخابية لا يمكن أن تكون محل خلاف باعتبارها وثيقة تعاقدية مع الناخبين، غير أنها تعتبر أن “رفع سقف الوعود المقدمة للمواطن المغربي خلال انتخابات 2026 تبقى محاولة لاستمالة الأصوات، خاصة في ضوء تجربة انتخابات 2021”.
وأوضحت لومير، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن الانتخابات التشريعية الماضية “أظهرت بشكل جلي أن معظم الوعود التي قدمتها الأحزاب السياسية، خاصة المُشكلة للائتلاف الحكومي، لم تلتزم بنسب مهمة بتنزيل برنامجها الانتخابي، خاصة أنها قدمت وعودا كبيرة للمواطن المغربي”.
من جانبه، يرى المحلل السياسي محمد شقير أن “ما تضمنته البرامج الانتخابية من وعود تكاد تتشابه في مضمونها وتركيبها، في مجال التشغيل والسكن والتعليم والصحة، بالإضافة إلى مواجهة الغلاء، مما دفع الأحزاب، خاصة تلك التي تتنافس على تصدر تشريعيات 23 شتنبر، إلى تطعيم هذه الوعود بأرقام مثيرة ومستقطبة للهيئة الناخبة”.
وسجل شقير، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن كل من أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال تنافست على تقديم وعد بخلق مليون منصب عمل خلال الولاية المقبلة، وهو ما اعتبره “يشبه نوعا من المزايدة الانتخابية”، إلى جانب “الرفع من الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، إلى غير ذلك من الوعود، مما قد يساهم في التأثير وحث بعض الفئات من الهيئة الناخبة على المشاركة في التصويت”.
واعتبر المحلل السياسي أن هذا التأثير في المشاركة في التصويت سيختلف حسب الجهات، مبرزا على سبيل المثال أنه “بالإضافة إلى المناطق الجنوبية، ستعرف منطقة الشرق التي ينتمي إليها فوزي لقجع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية إقبالا مكثفا على المشاركة في التصويت”، ومضيفا أن “تنقل هذه الشخصية برصيدها الشعبي، خاصة الكروي، سيساهم بلا شك في الإقبال على التصويت في عدة مناطق كالشمال وسوس”.
كما يرى شقير أن تنقل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله ابن كيران أيضا “بين مختلف المناطق بشعبيته وخطابه البسيط لا شك سيدفع بشرائح، خاصة المحافظة، إلى المشاركة”.
بين الوعد والقدرة على التنفيذ
الانتقال من الوعود إلى السياسات العمومية لا يتوقف عند صياغة الالتزامات أو تحديد أهدافها، أو حتى السباق على التعهد بها للمواطن، كما حدث بالنسبة لرفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد إلى 3000 درهم ودعم القدرة الشرائية ورفع الدعم المباشر، التي أثارت تراشقا انتخابيا بين “البام” و”الأحرار”. فجزء كبير من الالتزامات التي أُعلن عنها من طرف الأحزاب يرتبط تنزيله بمسار التشريع والميزانية، فضلا عن التحالفات التي ستفرزها الانتخابات.
وفي هذا السياق، ترى شريفة لومير أن “أهم مرتكزات الأحزاب في برامجها كانت تتلاقى إلى حد كبير في نقاط مهمة، وبالتالي فإن حتى في مسألة التحالفات من شأنها أن تعزز تنزيل هذه الالتزامات التي تتبناها الأحزاب السياسية”.
غير أنها تشير في المقابل إلى أن “لغة المزايدات طغت على الأحزاب السياسية”، مسجلة أن “عدم قابلية المواطن المغربي والشباب خصوصا على التجاوب مع برامج الأحزاب السياسية ومرشحي الدوائر الانتخابية أهم ما يمكن ملاحظته في هذه المرحلة من المحطة الانتخابية”.
وأضاف الباحثة في العلوم السياسية أنه “ليس بالسهل تدارك هذه الفجوة، خاصة مع نفس الوجوه السياسية التي فقدت رصيدها داخل المجتمع المغربي”، معتبرة أن “المقاربة التي تتعامل بها الأحزاب السياسية مع ظاهرة انعدام الثقة في العمل السياسي ككل لازالت قائمة”.
الناخب أمام الوعود.. أم أمام الأشخاص؟
في المقابل، يعتقد محمد شقير أن الناخب المغربي لا ينشغل بالضرورة بالتفاصيل التقنية المرتبطة بتنفيذ الوعود، بقدر ما يركز على الأشخاص الذين يقدمونها ومدى ثقته في إمكانية تنفيذها.
ويقول في هذا الصدد “يبدو أن الناخب المغربي في مجمله لا يركز بالأساس على آليات تنفيذ الوعود والتعمق في صيغها التمويلية، بقدر ما يركز على المرشحين والمرشحات ومدى ثقته في إمكانية تنفيذها”.
ويضيف أن الناخب “لن يناقش طبيعة التحالفات التي ستفرزها الانتخابات وطبيعة البرنامج الحكومي الذي سينتج عنها، بل تركيزه سيكون حول من سيتصدر نتائج الانتخابات المقبلة وشخصية رئيس الحكومة المقبل”.
اختبار الثقة
ومع انتهاء الحملة الانتخابية، لا ينتهي بذلك سؤال الثقة، بل ينتقل إلى مرحلة جديدة. فإذا كانت الأحزاب قد قدمت برامجها ووعودها وحاولت استمالة الناخبين، فإن الاختبار الفعلي يبدأ بعد الاقتراع، عندما يصبح مطلوبا تحويل التفويض الانتخابي، كما يسميه أساتذة العلوم السياسية، إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ يمكن للمواطن أن يقيس أثرها على حياته اليومية.
وبذلك، فإن سؤال الثقة عشية 23 شتنبر لا يرتبط فقط بما إذا كانت الوعود قد أقنعت الناخب، وإنما أيضا بما إذا كان هذا الأخير يرى في العملية الانتخابية موعدا مواطناتيا قادرا على تحويل انتظاراته إلى قرارات وسياسات ونتائج، وهو اختبار لن تحسمه الحملة الانتخابية التي قامت بها الأحزاب وحدها، بل ستحدده بدرجة أكبر ما ستفرزه صناديق الاقتراع من نخبة برلمانية مقبلة.