من مكاتب الاتصال إلى السفارات.. ماذا وراء التحول الجديد في العلاقات المغربية الإسرائيلية؟
انتقلت العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مرحلة جديدة، بعدما اتفق الجانبان، برعاية أمريكية، على الارتقاء بمستوى بعثاتهما الدبلوماسية إلى سفارتين كاملتين وتبادل السفراء، في خطوة تتجاوز الصيغة التي قامت عليها العلاقات منذ استئنافها أواخر 2020. كما اتفق الطرفان على استئناف الرحلات الجوية المباشرة، والعمل قبل نهاية السنة على استكمال اتفاقين يتعلقان بحماية الاستثمارات وتفادي الازدواج الضريبي، إلى جانب توسيع التعاون في مجالات اقتصادية وأمنية وتقنية وزيارات رفيعة المستوى.
وجاء الإعلان عقب اجتماع ثلاثي عقد في نيويورك، الأربعاء 16 شتنبر 2026، جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، بحضور السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.
وتضمن البيان المشترك تأكيد الولايات المتحدة وإسرائيل مجددا الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، واعتبار مبادرة الحكم الذاتي “الأساس الوحيد لحل عادل ودائم” للنزاع، بالتزامن مع الدفع نحو توسيع الشراكة المغربية الإسرائيلية على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وفي قراءة لهذه الطفرة الجديدة، يرى المحلل السياسي إسماعيل حمودي أن ما يجري لا يتعلق بمجرد رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وإنما يمثل انتقالا إلى مرحلة جديدة في مسار بدأ سنة 2020، تحكمه، وفق تحليله، حسابات مرتبطة أساسا بملف الصحراء وبالعلاقة مع الولايات المتحدة.
من مكاتب الاتصال إلى السفارات
يربط حمودي، وهو أستاذ العلوم السياسة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، التطور الحالي بسياق القرار الذي اتخذ سنة 2020، موضحاً أن مسألة مستوى التمثيل الدبلوماسي كانت منذ البداية إحدى النقاط الحساسة خلال المفاوضات.
ويستند في هذا السياق إلى ما أورده جاريد كوشنر في مذكراته عن المفاوضات المغربية الإسرائيلية، إذ تحدث عن رغبة إسرائيل في إقامة سفارة كاملة في المغرب، مقابل رفض مغربي قاطع لهذا المقترح من جانب الملك محمد السادس، قبل اعتماد صيغة تقوم على إعادة فتح مكاتب الاتصال.
ويوضح حمودي أن صيغ الاتفاقيات تفاوتت بحسب كل دولة؛ حيث وقعت الإمارات معاهدة “سلام شامل”، في حين اقتصر المغرب على توقيع اتفاق ثلاثي برعاية أمريكية لاستئناف العلاقات وإعادة فتح مكتب الاتصال بالمستوى نفسه الذي كان قائماً سابقاً.
وبحسب حمودي، فإن الانتقال الحالي من مكاتب الاتصال إلى السفارات يمثل تجاوزا للسقف الذي اعتمد في 2020، ويعكس، في قراءته، “تغيرا في تقييم الرباط للمسار الذي سلكته العلاقات خلال السنوات الماضية”.
حصيلة ما بعد 2020
يرى حمودي أن قرار تعميق العلاقة لا يمكن فصله عن تقييم المغرب للحصيلة التي تحققت منذ اتفاق 2020، خصوصاً على مستوى ملف الصحراء.
ويقول إن الدول تميل إلى تعميق علاقاتها “عندما تعتبر أن المرحلة السابقة حققت لها مكاسب ومنافع وكانت مربحة”، معتبرا أن المغرب حقق، من وجهة نظر صانع القرار، مكاسب مهمة خلال السنوات الماضية.
ويستحضر في هذا السياق اعتراف إسرائيل في سنة 2023 بسيادة المغرب على الصحراء، إلى جانب ما أثمره الاتفاق الثلاثي والموقف الأمريكي من فتح سفارات وقنصليات في الأقاليم الجنوبية، وسحب الاعتراف بالبوليساريو، وتدفق الاستثمارات في الصحراء.
ويضيف حمودي إلى ذلك التحولات الإيجابية في مواقف عدد من الدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا تجاه مقترح الحكم الذاتي، إلى جانب استمرار الولايات المتحدة في لعب دور “حامل القلم” في قرارات مجلس الأمن الخاصة بالصحراء، بما في ذلك القرار 2797 لسنة 2025.
ويخلص الأستاذ الجامعي إلى أن التقييم المغربي الرسمي لحصيلة المسار منذ 2020 كان إيجابيا، وأن قرار الانتقال إلى مستوى السفارات يعكس رغبة في حماية المكاسب التي تحققت والبناء عليها.
ضغط أمريكي
ولا يحصر حمودي دوافع المرحلة الجديدة في الحسابات المغربية، بل يضعها أيضا في سياق الدور والضغط الأمريكي لإعادة دفع مسار التطبيع.
وبحسب تحليله، فإن المرور إلى مرحلة جديدة في ملف الصحراء اقترن باشتراط أمريكي للانتقال إلى التطبيع والتمثيل الدبلوماسي الكامل بين المغرب وإسرائيل.
ويرى المحلل أن واشنطن طرحت مسألة التطبيع الكامل في محاولة لكسر العزلة السياسية والدولية التي يواجهها الاحتلال الإسرائيلي بعد أحداث السابع من أكتوبر، “إذ أصبحت دولة منبوذة وملاحقة أمام المحاكم الدولية بتهمة الإبادة الجماعية”، وفي ظل ترتيبات أمنية إقليمية باتت تُقام في مواجهتها (مثل حلف مكة) الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان.
وفي قراءة حمودي، فإن مسار “اتفاقات أبراهام” توقف تماما ولم يعد يغري أي دولة بالانضمام عقب التصعيد الإسرائيلي في غزة ولبنان وسوريا وإيران، باستثناء كازاخستان وهي دولة بعيدة من خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وغير مؤثرة فيها.
وبحسب هذا التحليل، يهدف الضغط الأمريكي إلى منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أفقاً جديداً وورقة انتخابية “تعزز موقعه وتقوي حكومته والأحزاب اليمينية المتطرفة في الداخل الإسرائيلي”.
مصالح المغرب
ويعتقد حمودي أن المصلحة المغربية في المرحلة المقبلة تتمثل، قبل كل شيء، في حماية المكاسب التي تحققت لحد الآن وضمان عدم التراجع عنها من قبل الأطراف الدولية، إلى جانب محاولة انتزاع مكاسب إضافية.
ويضع ضمن هذه الحسابات ملفات إقليمية تتجاوز الصحراء، من بينها موقع المغرب في غرب البحر الأبيض المتوسط، في ظل الملفات والتجاذبات العالقة مع إسبانيا بشأن سبتة ومليلية، إضافة إلى منطقة الساحل والصحراء وغرب إفريقيا.
كما يربط هذا المسار بالتوترات الإقليمية وإعادة ترتيب التحالفات، معتبراً أنه لا يمكن فصل هذه الخطوة عن التصعيد الجزائري ضد الإمارات، والذي يدخل ضمن البيئة التي تتحرك فيها الرباط لتوسيع شراكاتها الإقليمية والدولية.
ويرى حمودي أن تعميق العلاقات مع إسرائيل قد يؤدي بالتالي إلى “اتساع وتزايد الدور والنفوذ الإسرائيلي في شمال إفريقيا وغربها وغرب المتوسط والمجال الأطلسي”.
من الأمن إلى الاقتصاد
ومن أبرز التحولات التي يلفت إليها حمودي انتقال التعاون المغربي الإسرائيلي تدريجياً من التركيز الذي كان أمنياً وعسكرياً بامتياز في المرحلة السابقة إلى مستويات أوسع تطرح الرافعة الاقتصادية والمالية وتدفق الاستثمارات والرحلات الجوية.
ويأتي الإعلان الجديد متضمناً خطوات عملية في هذا الاتجاه، من بينها استئناف الرحلات الجوية المباشرة قبل نهاية 2026، والعمل على إتمام اتفاق لحماية الاستثمارات واتفاق لتفادي الازدواج الضريبي، إلى جانب توسيع التعاون في التكنولوجيا والأمن والابتكار ومجالات أخرى.
ويقرأ حمودي هذه الخطوات باعتبارها مؤشراً على تحول التعاون نحو مجالات اقتصادية ومالية أوسع، توازي التفاهمات السياسية والأمنية.
كما يضع هذه التطورات في إطار انخراط مغربي أكبر وأعمق في المحور والحلف الأنجلوسكسوني بقيادة الولايات المتحدة.
قرار خارج الحكومات
وعن توقيت إعلان القرار المتزامن مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يشدد حمودي على أن قرار السياسة الخارجية والتطبيع لا يرتبط، في الأصل، بتوجه حكومة أو حزب بعينه، بل يعتبره “قراراً سيادياً تتولاه وزارة الخارجية”.
ويعتبر أن هذا المعطى ينفي التهم والمسؤولية التي كانت تُحمل لحزب العدالة والتنمية وحده، مذكراً بأن الاتفاق الثلاثي جرى سنة 2020 في إطار قرار سيادي للدولة المغربية.
وفي الوقت نفسه، ينتقد حمودي النظرة التي تعتبر السياسة الخارجية شأناً مغلقاً وصنيعة صناع القرار وحدهم، مؤكداً “أنها قراءة مغلوطة للواقع، لأن السياسة الخارجية هي أيضاً شأن شعبي يمس المبادئ والمواقف التاريخية للمغاربة”، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتطبيع مع دولة متهمة بالإبادة الجماعية.
توقيت مرتبط بالصحراء
ويربط حمودي توقيت الخطوة الجديدة أيضاً بمسار ملف الصحراء داخل مجلس الأمن، ويرى أن الانتقال إلى مستوى السفارات يأتي في لحظة حساسة تسبق عرض الملف مجدداً أمام مجلس الأمن الدولي بنحو شهر.
وقد مدد مجلس الأمن ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “مينورسو” بموجب القرار 2797 الصادر سنة 2025، ما يجعل المحطة المقبلة مرتبطة بمستجدات مرتقبة في الملف.
ومن هذا المنطلق، يقرأ حمودي رفع مستوى العلاقات مع إسرائيل باعتباره جزءاً من شبكة أوسع من الحسابات المرتبطة بملف الصحراء والترتيبات المرتقبة، وليس مجرد إعادة ترتيب للبروتوكول الدبلوماسي.
كلفة على الموقف من فلسطين
في المقابل، يرى حمودي أن الانتقال إلى مستوى السفارات يطرح كلفة سياسية وأخلاقية مرتفعة على المغرب في ما يتعلق بموقفه من القضية الفلسطينية وعزلته الإقليمية.
ويعتبر أن تعميق العلاقات مع إسرائيل يزيد من عزلة المغرب عن القضايا المركزية للشرق الأوسط ويضعف حججه، إذ يجد نفسه في موقع صعب ومقيد بين شعب يُباد وكيان متهم بالإبادة الجماعية.
ويوضح المحلل السياسي أن هذه الخطوة تقيد المغرب وتضيق مساحة تعبيره عن مواقف صريحة ومقنعة بخصوص الانتهاكات الإسرائيلية اليومية للقانون الدولي في غزة والضفة الغربية، مما يجعل التعبير عن هذه المواقف مكلفاً ومقيداً بالنسبة إليه.
ويضع حمودي ذلك في سياق يتناقض مع توجه دول أوروبية نحو فرض عقوبات على الكيان الإسرائيلي، معتبراً أن هذا الوضع يضع المغرب أمام معادلة دقيقة “تظهر براغماتية سياسية تنطوي على درجة عالية من الانتهازية”.
وبذلك، يرى المتحدث إسماعيل حمودي أن الانتقال من مكاتب الاتصال إلى السفارات يمثل مرحلة جديدة في العلاقات المغربية الإسرائيلية، تتقاطع فيها حسابات الصحراء والانخراط في المحور الأنجلوساكسوني مع إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية والمصالح الاقتصادية والدور الأمريكي، في مقابل كلفة وتداعيات سياسية مقيدة على مستوى الموقف من القضية الفلسطينية والعزلة.