story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

سفارة تحت الضغط

ص ص

منظر مشين ومؤلم ذلك الذي أغلق عليه المغاربة أعينهم ليلة أمس وهم يهمّون بالخلود إلى النوم، حين أخبرهم “البراني” بوجود وزير خارجيتهم وممثل دبلوماسيتهم، طيب الذكر ناصر بوريطة، في نيويورك، حيث التقى نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، بحضور وإشراف دبلوماسي أمريكي من رتبة سفير، هو ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز.

كان المشهد مشينا شكلا ومضمونا. وبوريطة نفسه كان ينتزع من نفسه ابتسامته المعهودة بصعوبة بالغة، بينما خلا المشهد من أي تقدير أو اعتبار، وكأني بالوزير المغربي يوقّع عقد إذعان صامتا، فيما ألقى الوزير الإسرائيلي، تحت نظرة فخر من السفير الأمريكي، كلمة تقلّب السكّين في الجرح المغربي.

لكن دعونا، رغم كل ذلك، نحاول الفهم يرحمكم الله. ليس لأن الأمر قابل للتبرير، بل لأن وظيفة الكتابة والرأي، كما أومن بها وأتمثلها كجزء من وظيفة الصحافة، لا تنحصر في الاستجابة لانفعالات الجمهور، ودغدغة مشاعره، والدخول في نوبات الفرح أو النحيب معه.

نحن أمام خطوة دبلوماسية خطيرة ومحفوفة بكثير من المخاطر. لهذا دعونا نحاول فهم ما جرى، وبعدها ليحتفل من يرى موجبا للاحتفال، ولينتحب من يرى داعيا للنحيب.

أول ما ينبغي قوله بهذا الخصوص هو أن الخطوة ليست مفاجئة، ولا داعي لأن نزعم أننا فوجئنا. رفع مستوى التمثيلية الدبلوماسية المتبادلة بين المغرب وإسرائيل إلى مستوى السفارات كان بندا ثابتا في أجندة الطرفين الموقعين على الاتفاق الثلاثي إلى جانب الولايات المتحدة.

أذكر دائما ذلك الجواب الذي تلقيته من السفير الأمريكي السابق في الرباط، دافيد فيشر، بعد نحو شهر واحد من توقيع الاتفاق الثلاثي، خلال الندوة الصحافية التي عقدها في يناير 2021 لتوديع المغرب إثر انتهاء مهامه. سألت الرجل يومها عن بند فتح قنصلية أمريكية في الداخلة، الذي نص عليه الاتفاق، فكان جوابه أنه على يقين كامل بتطور العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى مستوى تبادل السفارات.

وحتى عندما كنا في “صوت المغرب” سباقين، قبل أسابيع قليلة، إلى الكشف عن افتتاح المقر الجديد لمكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، كان الجميع مدركا أن الأمر يتعلق بالمقر الذي سيتحول إلى سفارة. وبالتالي، لنترك جانبا مسألة المفاجأة، لأنها ببساطة غير صحيحة.

ثانيا، سارع كثيرون ليلة أمس إلى ربط الخطوة بالانتخابات التشريعية المرتقب إجراؤها يوم 23 شتنبر المقبل، وهناك من ربطها ببند صغير تضمنه البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، وعد فيه بـ”مناهضة” التطبيع، فيما ذهب آخرون إلى استنتاج أن الخطوة تؤكد سعيا إلى تسفيه إرادة المغاربة وإظهار أن انتخاباتهم لا تقدم ولا تؤخر…

هذا ما أراه شخصيا مزايدات وتفريغا سلبيا لشحنات سابقة عن الحدث، لا قراءة له. وإذا كان هناك من يريد قراءة الخطوة في سياقها المكاني والزماني بموضوعية ومنطق، فلا يمكنه أن يغفل ارتباط التوقيع الذي جرى أمس باستحقاق شهر أكتوبر المقبل، والمتمثل في اجتماع مجلس الأمن الدولي لاتخاذ قرار جديد حول الصحراء.

الدليل القاطع على ذلك أن اللقاء بين الوزيرين المغربي والإسرائيلي تم بإشراف الممثل الدائم لواشنطن في الأمم المتحدة، وفي نيويورك. أي أن الخطوة تندرج ضمن مهامه ومجال ولايته باعتباره اليوم حامل القلم في صياغة مسودة مشروع قرار مجلس الأمن الشهر المقبل.

فقد سارع القيادي السابق في جبهة البوليساريو والمنشق عنها مصطفى سلمة ولد مولود، دقائق قليلة بعد الإعلان عن توقيع الاتفاق، إلى التعليق بتدوينة نشرها في حسابه الشخصي على “فيسبوك”، قائلا: “المشرف على هذا الاتفاق ضَمِن للمملكة المغربية تمرير قرار مجلس الأمن القادم، بالصيغة الأمريكية التي كان ينبغي أن تمرر في القرار 2797، باعتماد الحكم الذاتي كشكل أوحد لعملية تقرير المصير في الصحراء”.

أنا ممن يعتقدون أن العامل الخارجي حيوي وأساسي في كثير مما يجري معنا داخليا، خاصة في علاقته بالانتخابات وتشكيل خريطة المكونات السياسية للمؤسسات التمثيلية وإفراز الحكومة. لكن لا يمكن أن يتحول الأمر إلى “خفة” في التحليل وتسرع في الإسقاطات.

الخطوة التي أقدم عليها المغرب، رغم كل ما ينبغي أن يقال عن موقفنا الرسمي المناقض للرأي العام الوطني، والمحبط لكل صاحب ضمير بالنظر إلى سياق العزلة والنفور اللذين يعيشهُما الكيان الإسرائيلي دوليا، بينما يتقارب معه المغرب؛ لا يمكن أن تُقرأ إلا في ارتباط بملف الصحراء، الذي ورد ذكره في البلاغات والتصريحات الإسرائيلية المعلنة عن اتفاق أمس، بينما صمت المغرب حتى لحظة كتابة هذه السطور، من فجر الخميس 17 شتنبر 2026.

وكأني بالطرف الآخر يمعن في إهانة وإذلال المغاربة حين حرص على تذكيرهم بـ”تجديد” اعتراف الولايات المتحدة وإسرائيل بالسيادة المغربية على الصحراء.

الخلاصة الأليمة، إذن، هي أن قرار مجلس الأمن الدولي 2797 الذي صدر نهاية أكتوبر 2025، لم يكن “نهاية” كما تصورناه، بل كان بداية أخرى، جرى الضغط على المغرب بعدها، لأن مسار التسوية الأممية لملف الصحراء لم يشهد أي تقدم منذ تلك اللحظة، إلى أن اقترب موعد الاجتماع السنوي الموالي لمجلس الأمن الدولي، فتم “إحضار” بوريطة إلى نيويورك ليوقع اتفاقا يمنح الكيان الإسرائيلي سفارة في الرباط، وهو ينصت صامتا إلى خطاب الوزير الإسرائيلي الذي صوّر الكيان كما لو كان امتدادا ثقافيا وبشريا طبيعيا للمغرب.

كما قلت في البداية، أعود لأقول إن الحاجة إلى الفهم والاستيعاب في مثل هذه اللحظات أكبر بكثير من أية حاجة إلى تفريغ شحنات الغضب والعاطفة والانفعال.

لكن دعونا نقولها ونتجرعها بكل مرارة: ما حذرنا منه منذ اللحظات الأولى بعد توقيع الاتفاق الثلاثي، من دخول في مسار من الإخضاع والابتزاز وانتزاع التنازلات اللامتناهية، قد بات حقيقة قائمة.

وها هو المغرب، الذي كان يؤطر إحياء علاقاته الدبلوماسية الرسمية مع إسرائيل بمعزل عن قضية الصحراء وبعيدا عن اتفاقات أبراهام، يبعث وزير خارجيته إلى نيويورك، في الذكرى السادسة لتوقيع هذه الاتفاقات، ليوقع على اتفاق يربط، رسميا وعلنيا وضمنيا، بين التقدم خطوة إضافية في مسار التطبيع ومصير ملف وحدته الترابية.

اللهم لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف والبرد والسلام على قلوبنا عند نزوله.