story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

حين لا يكون الزمن محايدا: من “زمن الانتخابات” إلى “انتخابات الزمن”

ص ص

ليس في السياسة شيء اسمه «زمن محايد». حتى التقويم، الذي يبدو للوهلة الأولى مجرد ترتيب بريء للأيام والشهور، يمكن أن يتحول، في يد الدولة والمجتمع، إلى أداة لتنظيم الحياة العامة وتدبير إيقاعها. فالشهر الذي تُفتح فيه صناديق الاقتراع ليس مجرد صفحة في تقويم تتعاقب عليه الأيام، ولا رقما تختاره الإدارة ثم يمضي كغيره؛ إنه لحظة تتقاطع فيها حركة الدولة مع إيقاع المجتمع، وتلتقي فيها حسابات الإدارة بمواسم الناس وعاداتهم وأسفارهم وأعمالهم وانتظاراتهم.

ولعل شتنبر المغربي هو أكثر الشهور إثارة لهذا السؤال: كيف تحول، مع توالي الاستحقاقات، من مجرد شهر بين صيف يرحل وشتاء لم يأت بعد، إلى موعد يكاد يحمل ذاكرة انتخابية خاصة؟ هل اختارته الدولة لأنه اللحظة التي يكون فيها المجتمع أكثر استعدادا للانتخاب، أم أن المجتمع نفسه، من فرط تكرار الموعد، تعلم أن يستعد حين تأتي الدولة بانتخاباتها؟ بين السؤالين مسافة تكشف أن الانتخابات لا تجري داخل الزمن فحسب، بل قد تسهم في صناعة زمنها الخاص؛ وأن ما يبدو اختيارا تقنيا لموعد الاقتراع قد يكون، في عمقه، جزءا من الطريقة التي تنتظم بها علاقة الدولة بالمجتمع.

ومن هنا يبدأ السؤال الذي يتجاوز شتنبر نفسه: حين لا يكون الزمن محايدا، من يختار زمن الانتخابات؟… ومن يختار الزمن السياسي؟ هل المسألة مجرد اعتبارات مرتبطة بالطقس والعطل والموسم الفلاحي وحركة السكان؟ أم أن وراء هذا الاختيار طبقات أعمق، تشكلت عبر التاريخ السياسي للمغرب، وتداخلت فيها الدولة والمجتمع والقبيلة والموسم والفلاحة والمدرسة والإدارة والميزانية، فضلا عن الذاكرة الانتخابية التي جعلت من شتنبر، مع توالي الاستحقاقات، أكثر من مجرد شهر في التقويم؟

  • شتنبر: حين يتحول الشهر إلى رمز

قد يبدو شتنبر للوهلة الأولى، مجرد شهر يقع في المنطقة الفاصلة بين قيظ الصيف وبدايات الخريف، لكن مكانته في الحياة المغربية تتجاوز هذا المعنى المناخي المباشر. فهو في المخيال الاجتماعي شهر الانتقال والعودة واستئناف الإيقاع المعتاد للحياة. فيه تنتهي تدريجيا، حالة الاسترخاء والحركة التي تطبع الصيف، وتستعيد الأسرة انتظامها، وتفتح المدرسة أبوابها، وتعود الإدارة إلى كامل وتيرتها، وتستأنف المدن والقرى دورة جديدة من العمل. ولذلك ارتبط شتنبر، في الذاكرة المغربية، بفكرة البداية أكثر مما ارتبط بفكرة النهاية؛ بداية موسم دراسي، وبداية دورة جديدة من العمل، واستعادة للحياة اليومية بعد صيف تتسع فيه حركة الناس وتتنوع وجهاتهم.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو ملاءمة شتنبر للانتخابات مجرد مسألة تتعلق بدرجات الحرارة أو باحتمال سقوط الأمطار، بل تتصل بصورة أعمق باللحظة التي يكون فيها المجتمع قد عاد إلى «مكانه» وإلى إيقاعه المعتاد. فالانتخابات تحتاج إلى مجتمع حاضر، لا بالمعنى الفيزيائي فقط، وإنما بمعنى أن تكون الأسر والعمال والموظفون والفلاحون والناخبون عموما قد عادوا إلى دوائر حياتهم الطبيعية. ومن ثم يكتسب شتنبر قيمة رمزية خاصة: إنه شهر تستعيد فيه الجماعة انتظامها بعد زمن من الحركة، وكأن المجتمع يعيد ضبط ساعته قبل أن تبدأ دورة جديدة. وحين يلتقي هذا المعنى الثقافي مع حاجة العملية الانتخابية إلى الحضور والتنظيم، يصبح اختيار شتنبر مفهوما باعتباره انسجاما بين «زمن المجتمع وزمن الانتخابات»، لا مجرد اختيار لتاريخ ملائم في الرزنامة.

  • شتنبر: أثر التاريخ في صناعة الموعد

غير أن تفسير شتنبر من خلال رمزيته الاجتماعية وحدها يبقى ناقصا، لأن علاقة المغرب بالزمن السياسي أقدم من الانتخابات الحديثة نفسها. فالمجال المغربي التقليدي لم يكن يتحرك وفق تقويم إداري جامد، وإنما ضمن شبكة متداخلة من المواسم والأسواق والدورات الفلاحية والدينية، وكانت السلطة المركزية والمحلية مضطرة إلى معرفة هذه الإيقاعات والتكيف معها. فالموسم لم يكن مجرد مناسبة احتفالية، والسوق لم يكن مجرد فضاء للتجارة، والفلاحة لم تكن مجرد نشاط اقتصادي؛ كانت كلها آليات لتنظيم المجال وتحديد أوقات الحركة والتجمع والتواصل. وفي مجتمع كانت فيه القبيلة والزاوية والأعيان والقيادات المحلية تؤدي أدوارا أساسية في الوساطة وتنظيم العلاقات، كان للزمن الاجتماعي أثر مباشر في قدرة السلطة على الوصول إلى المجال وعلى إدارة علاقاتها مع السكان.

ومع نشوء الدولة الحديثة والمؤسسات المنتخبة، لم تنقطع هذه الصلة تماما، بل انتقلت من المجال التقليدي إلى أشكال أكثر حداثة من التنظيم. فالانتخابات نفسها لم تنشأ في مجتمع جرى تفكيك بنياته السابقة بالكامل، وإنما تطورت داخل مجتمع استمرت فيه روابط القرابة والعائلة والمجال والقبيلة والأعيان والرموز المحلية، وإن تغيرت وظائفها وأشكال حضورها. ولذلك يصعب فهم الانتخابات المغربية، خصوصا في المجال القروي، من خلال النصوص القانونية وحدها؛ فالعملية الانتخابية تقع داخل مجتمع له إيقاعاته الخاصة، وتظل حركة الناس فيه مرتبطة بالمواسم والفلاحة والأسواق والهجرة والعلاقات المحلية. ومن هنا يمكن النظر إلى استمرار حضور شتنبر لا باعتباره بقايا من زمن تقليدي، وإنما باعتباره أحد المواضع التي تلتقي فيها «حداثة الدولة مع ذاكرة المجتمع الزمنية».

  • شتنبر: من ملاءمة الموعد إلى هندسة الزمن السياسي

أما البعد السياسي، فهو الأكثر حساسية، لأنه ينقلنا من سؤال «هل شتنبر مناسب؟» إلى سؤال «لمن يكون شتنبر مناسبا، ولماذا؟». فالانتخابات ليست حدثا يقع في يوم واحد، وإنما مسار مؤسساتي طويل يبدأ قبل الاقتراع ويستمر بعده. وتحديد موعدها يعني عمليا تحديد الإطار الزمني الذي ستتحرك داخله الإدارة والأحزاب والمرشحون والناخبون. ومن ثم فإن الدولة، عندما تحدد موعد الاقتراع، لا تختار يوما فحسب، وإنما تختار اللحظة التي ستدخل فيها مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع في إيقاع انتخابي واحد. هنا تحديدا يظهر معنى «انتخابات الزمن» بحيث أن الزمن لا يعود مجرد ظرف تجري داخله الانتخابات، وإنما يصبح أحد العناصر التي تنظم شروط إجرائها.

ولذلك يمكن فهم جاذبية شتنبر بالنسبة إلى الدولة من زاوية مؤسساتية أيضا. فهو يقع في نقطة تسمح باستيعاب الاستحقاق داخل الدورة الإدارية والسياسية للدولة، بعيدا عن ضغط بداية السنة المالية، وعن ازدحام نهايتها، وعن بعض الاضطرابات التي قد تفرضها العطل الصيفية أو الظروف المناخية الشتوية. كما يسمح بإطلاق دورة سياسية ومؤسساتية جديدة في لحظة تستعيد فيها الإدارة نشاطها، ويكون فيها المجتمع أكثر استقرارا من الناحية الزمنية والجغرافية. لكن هذا لا يعني، بالضرورة، أن اختيار شتنبر يراد منه التأثير في نتائج الانتخابات أو توجيه إرادة الناخبين؛ فذلك استنتاج يحتاج إلى أدلة مستقلة. المعنى الأدق هو أن الدولة تختار «الظرف الزمني الأكثر قابلية لتنظيم العملية الانتخابية وإدارتها»، وأن هذا الاختيار نفسه يصبح جزءا من بنية العملية السياسية.

وهنا تظهر المسألة التي تستحق أن تتجاوز مجرد السؤال عن ملاءمة شتنبر وهي أن «الدولة لا تدير الانتخابات فقط، وإنما تدير، إلى حد ما، الزمن الذي تقع فيه الانتخابات». فبمجرد الإعلان عن الموعد، يعيد الجميع ترتيب أجندته على أساسه: الأحزاب تحدد توقيت مؤتمراتها وتحالفاتها، والمرشحون يبدأون حساباتهم، والإدارة تدخل مرحلة الاستعداد، والمجتمع السياسي ينتقل من زمن عادي إلى زمن انتخابي. وهكذا يتحول التاريخ من خانة في التقويم إلى نقطة تتجمع حولها حركة سياسية واجتماعية كاملة.

  • هل اختار المغاربة شتنبر أم أن شتنبر من اختارهم؟

لكن وراء كل هذه الاعتبارات يبقى سؤال أكثر عمقا: «هل تختار الدولة المغربية شتنبر لأن المجتمع يكون فيه أكثر استعدادا للانتخاب، أم أن المجتمع، بفعل تكرار التجربة، تعلم أن يكون مستعدا للانتخاب حين تختار الدولة شتنبر؟» يبدو السؤال دائريا، لكنه في الحقيقة يفتح الباب لفهم طبيعة العلاقة بين الزمن والسياسة. فـ«زمن الانتخابات» يعني أن الانتخابات تأتي في موعد محدد داخل تقويم قائم سلفا، وأن الشهر ليس سوى إطار زمني لحدث سياسي له بداية ونهاية. أما «انتخابات الزمن» فتعني أن اختيار الموعد نفسه ليس فعلا محايدا تماما، لأن تحديد اللحظة التي تجري فيها الانتخابات يحدد، في الوقت ذاته، جزءا من الظروف الاجتماعية والإدارية والجغرافية التي ستتحرك داخلها المنافسة السياسية.

فالناخب في يناير ليس هو الناخب في يوليوز من حيث ظروف الحركة والاستقرار، والمجتمع في ذروة الصيف ليس هو المجتمع بعد عودته إلى المدارس والإدارات والعمل، كما أن الدولة نفسها لا تكون في الوضع الإداري والمالي ذاته في بداية السنة أو نهايتها أو في مرحلة استئناف النشاط خلال شتنبر. ولذلك فإن الدولة، حين تضبط موعد الانتخابات، لا تختار فقط متى يصوت المواطن، وإنما تحدد اللحظة التي تنتظم فيها الإدارة والأحزاب والمرشحون والناخبون ووسائل الإعلام والمجال المحلي داخل إيقاع سياسي واحد.

ومن هنا تصبح العلاقة بين الدولة والمجتمع أكثر تعقيدا من مجرد علاقة بين من يحدد الموعد ومن يلتزم به. فالدولة تختار داخل مجتمع له عاداته ومواسمه وحركته، لكنها في الوقت نفسه، عبر تكرار الاختيار، تساهم في جعل المجتمع يتكيف مع هذا الموعد ويعيد تنظيم سلوكه السياسي على أساسه. ومع مرور الزمن، لا يعود شتنبر مجرد تاريخ تختاره الدولة، بل يصبح تاريخا «ينتظره المجتمع ويتوقعه ويتهيأ له»؛ فتبدأ الأحزاب في ترتيب حساباتها، ويستعد المرشحون، وتدخل الإدارة في منطق التعبئة، ويصبح الحديث عن الانتخابات جزءا من الحياة العامة. وهكذا ينشأ نوع من التفاعل الدائري: «الدولة تراعي إيقاع المجتمع عند اختيار الموعد، والمجتمع يعيد تشكيل إيقاعه السياسي استجابة لهذا الموعد». وفي هذه المنطقة تحديدا تتشكل «انتخابات الزمن»، ليس بمعنى أن الدولة تتحكم في إرادة الناخب أو في نتائج الاقتراع، وإنما بمعنى أن «إدارة الزمن تصبح جزءا من إدارة العملية السياسية نفسها». فالسياسة لا تجري داخل الزمن فقط؛ بل تعيد عبر المواعيد والاستحقاقات وتكرارها، إنتاج زمنها الخاص، حتى يصبح شهر بعينه جزءا من الذاكرة السياسية للمجتمع ومن الطريقة التي يستشرف بها الدولة والمواطن معا لحظة الانتخابات.