“تعذر البت في قانون المحاماة”.. جامعي في القانون الدستوري يشرح خلفيات القرار
على خلفية قرار المحكمة الدستورية رقم 277/66، الذي لم يحسم في جوهر دستورية المقتضيات الواردة في القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، يثار نقاش مزدوج؛ يتقاطع فيه المسار القانوني مع السياسي، حول حدود رقابة المحكمة الدستورية، ودلالات اكتفائها بالتصريح بـ«تعذر البت في الإحالة»، بسبب عدم توصلها بالنص النهائي للقانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في إطار القراءة الثانية.
وبينما أسست المحكمة قرارها على مقتضيات دستورية وقانونية تتعلق بشروط الإحالة، معتبرة أن غياب النص النهائي يجعل «محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية»، يطرح هذا المخرج سؤالا أوسع حول ما إذا كانت المحكمة قد اختارت، عمليا، طريقا ثالثا؛ فلا هي حسمت في دستورية القانون، ولا أعلنت عدم دستوريته، وإنما تركت جوهر الخلاف مفتوحا، بما قد يبقي القانون رهينا بمزيد من التجاذبات السياسية والمهنية.
في هذا الإطار، أكد رشيد كديرة، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة ابن زهر بأكادير، أن مشروع القانون المذكور سيبقى على حاله، ولن يأخذ مجراه المسطري نحو النشر بالجريدة الرسمية ودخول حيز التنفيذ، مبرزا أن «مشروع القانون سيعود من جديد إلى البرلمان».
وأشار الخبير في القانون الدستوري والإداري، في حديث مع صحيفة «صوت المغرب»، إلى أن الولاية التشريعية انتهت، والانتخابات البرلمانية على الأبواب، المزمع تنظيمها في 23 شتنبر 2026، وبالتالي سيبقى مشروع هذا القانون معلقا إلى الولاية المقبلة، موردا أن المحكمة الدستورية قد تكون لجأت إلى الطريق الثالثة.
وأوضح الأستاذ الجامعي أن المقصود بالطريق الثالثة هو أن المحكمة غير ملزمة بخيارين فقط، يتمثلان في «التصديق على القانون» أو «إبطاله»، بل تملك خيارا ثالثا يتمثل في «الامتناع عن الحسم (Not-doing)»، محيلا في هذا الصدد على مقالة الباحث الأمريكي «ألكسندر م. بيكل»، بعنوان «الفضائل السلبية»، المنشورة سنة 1961.
وأضاف كديرة أن الخيار الثالث هو ما يُسمى بـ«الفضائل السلبية»؛ أي منظومة من التقنيات الاختصاصية والإجرائية التي تسمح للمحكمة بـ«حجب الحكم الدستوري النهائي، دون أن تُنكر العدالة رسميا».
استكمال الوثائق
وحول ما إن كانت المحكمة الدستورية تملك إمكانية اللجوء إلى طلب استكمال وثائق الملف من رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، قبل الحسم في النازلة، أورد الأستاذ الجامعي أن المحكمة كان يمكنها ذلك بمجرد مكاتبة تكميلية للجهة المحيلة أو بإعمال المحكمة لسلطتها في استكمال التحقيق.
وعاد المتحدث إلى مسألة الخيار الثالث، معتبرا أن المحكمة الدستورية في هذا القرار انفتحت على ثقافة قضائية تقوم على الملاءمة والسلطة التقديرية، ومن هذه الثقافة جاء مصطلح «تعذر البت» كاجتهاد قضائي
وذكر أن مثل هذه الاجتهادات القضائية حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية، وتأتي في سياقات تعرف ضغطا أو توترا سياسيا أو مصلحة ظرفية معينة، لافتا الانتباه، في هذا الإطار، إلى ما رافق مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة من تجاذب واحتقان، فضلا عن اقتراب موعد الانتخابات التشريعية.
ويُرجح الأستاذ الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة ابن زهر أن عدم حسم المحكمة الدستورية في دستورية مقتضيات مشروع القانون رقم 66.13، يرتبط بالظرفية الانتخابية الحالية، وبالضغط الذي رافق المشروع والذي مارسته جمعية هيئات المحامين بالمغرب.
وأضاف في هذا السياق أن المحكمة ارتأت ربما تأجيل الحسم في القضية، إلى حين تنظيم الانتخابات واستقرار المؤسسات، على اعتبار أن أي قرار حاسم تتخذه المحكمة حاليا قد يكون صعبا.
وثائق ناقصة
وكانت المحكمة الدستورية قد صرحت بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة مشروع القانون رقم 66.23، المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، وذلك بموجب قرار رقم 277/26، الصادر يوم الإثنين 10 غشت 2026.
وجاء هذا القرار بعد اطلاع المحكمة على رسالة الإحالة الموجهة من طرف رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، بتاريخ 8 يوليو 2026، وكذا الملاحظات الكتابية المقدمة من أعضاء بمجلسي البرلمان ورئيس الحكومة ورئيس مجلس المستشارين.
وعللت المحكمة قرارها بأن الجهة المحيلة اكتفت بإرفاق رسالة الإحالة بتقرير عن الأعمال التحضيرية للجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين تضمن مشروع القانون المذكور في إطار قراءة ثانية، يضم مجموعة من الوثائق من بينها مشروع القانون رقم 66.23، كما وافق عليه مجلس النواب في إطار قراءة ثانية بتاريخ 06 يوليو 2026، ولم ترفق بنص القانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليو 2026.
واعتبرت المحكمة أن عدم إرفاق نسخة أصل القانون يجعل محل الرقابة غير متوفر من الناحية الواقعية، مما يشكل مانعا قانونيا يحول دون بسط رقابتها على النص المعروض عليها.
*المحفوظ طالبي