ماذا لو كان الإسبان هم من يهاجرون جماعياً إلى المغرب؟
هل يمكننا أن نتخيل، ولو للحظة، المشهد معكوساً؟
آلاف الشباب الإسبان يحاولون الوصول إلى المغرب بشكل جماعي، يغامرون بحياتهم، ويتدافعون عند الحدود هرباً من الفقر والبطالة وانسداد الأفق في بلادهم.
لا أحد يستطيع تخيل هذا المشهد. ليس لأن الإسبان أفضل من المغاربة، بل لأن إسبانيا استطاعت، خلال العقود الأخيرة، أن تبني نموذجاً سياسياً وتنموياً جعل أغلب مواطنيها يفضلون البقاء داخل وطنهم بدل البحث عن مستقبل خارجه.
هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ونحن نتابع مشاهد الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة المحتلة: لماذا يحلم شبابنا بالهجرة إلى إسبانيا، ولا يحلم الشباب الإسباني بالهجرة إلى المغرب؟
قبل أقل من نصف قرن، لم تكن الفوارق بين البلدين بهذا الحجم. كانت إسبانيا تعاني من السلطوية والفقر والبطالة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية الكبيرة. لكنها اختارت منذ سنة 1976 طريقاً واضحاً: الانتقال الديمقراطي الحقيقي.
بنت إسبانيا ملكية برلمانية فعلية، وعززت استقلال المؤسسات، ورسخت الجهوية، ووسعت هامش الحريات، وفتحت المجال أمام التنافس السياسي الحقيقي وربط المسؤولية بالمحاسبة. ثم استثمرت بشكل مكثف في التعليم والصحة والبحث العلمي والسياحة والصناعة وخلق فرص الشغل.
بعد ذلك جاءت الطرق السيارة والموانئ والقطارات والمطارات والبنيات التحتية الكبرى لتخدم مواطناً تم الاستثمار فيه أولاً.
أما نحن، فاخترنا في كثير من الأحيان المسار المعاكس. استثمرنا في الحجر أكثر مما استثمرنا في البشر. بنينا الطرق السيارة والقطارات فائقة السرعة والموانئ العملاقة والمشاريع الكبرى، لكننا لم ننجح بالقدر نفسه في بناء مدرسة عمومية قوية، ولا جامعة مرتبطة بسوق الشغل، ولا منظومة صحية تحفظ الكرامة، ولا نموذج تنموي يوزع الثروة بشكل عادل بين الفئات الاجتماعية وبين الجهات والمجالات الترابية.
والنتيجة نراها اليوم أمام أعيننا:
شباب يفقد الثقة في المستقبل.
بطالة مرتفعة.
فوارق اجتماعية ومجالية متزايدة.
هجرة متواصلة للأدمغة والكفاءات.
واحتجاجات اجتماعية متكررة في عدد من المناطق.
الأخطر من ذلك أن جزءاً من الشباب لم يعد يهاجر فقط بحثاً عن تحسين مستوى العيش، بل هروباً من الإحساس بانسداد الأفق وفقدان الأمل.
لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في ظل تعليم متعثر، ومستشفيات تعاني من اختلالات مزمنة، وفرص شغل محدودة، ومناخ سياسي يشعر فيه كثير من الشباب بالعزوف وعدم الجدوى. كما لا يمكن الحديث عن دولة قوية دون توسيع هامش الحريات واحترام الحق في التعبير والاحتجاج السلمي.
فالبلدان لا تتقدم فقط بالمشاريع الكبرى، بل تتقدم عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن حقوقه مصونة، وأن مستقبله مرتبط بجهده وكفاءته لا بالمحسوبية والامتيازات.
لهذا فإن مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة ليست مجرد حادث عابر أو مشكلة أمنية. إنها مرآة تعكس أعطاباً عميقة في نموذجنا التنموي والسياسي، ودعوة صريحة لإعادة ترتيب الأولويات.
ما يحتاجه المغرب اليوم ليس فقط المزيد من الطرق والموانئ، بل قبل ذلك المزيد من الديمقراطية، والمحاسبة، والعدالة الاجتماعية، والاستثمار في الإنسان.
لأن الدول التي تستثمر في مواطنيها تصنع الأمل، أما الدول التي تهمل الإنسان فستجد نفسها يوماً أمام شباب يبحث عن مستقبله في مكان آخر.
ملاحظة:
بعيداً عن النقاش القانوني والسياسي المرتبط بالحدود، يبقى من المفارقات المؤلمة أن هؤلاء الشباب المغاربة كانوا في النهاية يحاولون الوصول إلى مدينة مغربية محتلة عاش فيها أجدادهم لقرون. وحتى إذا كانت الدولة المغربية قد جمدت عملياً ملف المطالبة بتحرير سبتة ومليلية في أجندتها الدبلوماسية الحالية، فإن ذلك لا يلغي في الوجدان الوطني كون سبتة أرضاً مغربية محتلة. ومن هذه الزاوية، يبدو المشهد أكثر قسوة: شباب لا يهاجر إلى قارة أخرى أو إلى أرض بعيدة، بل يهرب من واقع لا يحتضنه نحو جزء من ترابه التاريخي، بحثاً عن كرامة وفرصة وأمل افتقدها في مدينته وقريته ووطنه.
عزالعرب حلمي، باحث في العلوم السياسية