استدعاء السفير الإيطالي وتهديدات بشأن شينغن.. أزمة سبتة تشعل التوتر بين مدريد وروما
تحولت موجة العبور الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة إلى أزمة سياسية أوروبية مفتوحة، بعدما تجاوزت تداعياتها البعد الأمني والهجروي لتصل إلى خلاف دبلوماسي غير مسبوق بين إسبانيا وإيطاليا، على خلفية الدعوات الإيطالية إلى تعليق عضوية مدريد في فضاء شنغن.
وأعلنت الحكومة الإسبانية، يوم الخميس 30 يوليوز 2026، استدعاء السفير الإيطالي في مدريد لتقديم احتجاج رسمي على تصريحات مسؤولين إيطاليين اعتبرتها “غير مقبولة”، وذلك بعد ساعات من مطالبة روما بإخراج إسبانيا من منطقة شنغن، متهمة الحكومة الإسبانية بالتساهل مع الهجرة غير النظامية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تواجه فيه مدينة سبتة المحتلة تدفقا جديدا للمهاجرين انطلاقا من السواحل المغربية، إذ تحدثت وسائل إعلام إسبانية عن عبور آلاف المهاجرين، ليل الخميس-الجمعة 31 يوليوز 2026، الحدود الفاصلة بين المغرب ومدينة سبتة المحتلة، في أكبر موجة وصول تشهدها المدينة منذ أزمة ماي 2021، وفق ما أكدته مصادر في الشرطة الإسبانية لوسائل إعلام دولية، مشيرة إلى أن العدد النهائي للوافدين لا يزال غير معروف بسبب استمرار عمليات العبور.
وأكدت المصادر نفسها ارتفاع حصيلة الوفيات إلى 34 شخصا قضوا خلال محاولتهم الوصول إلى المدينة سباحة، موضحة أن تدفق المهاجرين استمر طوال الليل، فيما تواصل وصول أشخاص آخرين إلى سبتة صباح الجمعة.
وفي موازاة الأزمة الدبلوماسية، أعلنت مدريد نشر قوات من الجيش لدعم عناصر الحرس المدني على حدود سبتة، فيما توجه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، رفقة وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، إلى المدينة للوقوف على تطورات الوضع والإجراءات الأمنية المتخذة.
تصعيد غير مسبوق
وبدأت الأزمة بتصريحات وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، الذي أعلن دعمه لإغلاق منطقة شنغن أمام إسبانيا، معتبرا أن “الهجرة غير النظامية وغير الخاضعة للرقابة تشكل خطرا على الأمن القومي”، في موقف مثل تصعيدا غير مألوف بين دولتين عضوين في الاتحاد الأوروبي.
واتهم تاياني الحكومة الإسبانية بارتكاب “خطأ عميق” بعدما منحت الجنسية الإسبانية، وبالتالي الأوروبية، لأكثر من 500 ألف مهاجر في وضعية غير نظامية، معتبرا أن هذه السياسة تشجع شبكات الاتجار بالبشر وتبعث برسائل خاطئة للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا.
ولم يقتصر الموقف الإيطالي على وزير الخارجية، إذ ذهبت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أبعد من ذلك، معلنة أن حكومتها مستعدة لاتخاذ “إجراءات استثنائية”، من بينها المطالبة بتعليق مشاركة إسبانيا في فضاء شنغن، بعد اجتماعات مع المؤسسات الإيطالية المختصة.
ووصفت ميلوني المشاهد القادمة من سبتة بأنها “صادمة”، مشيرة إلى صور المهاجرين، بمن فيهم أطفال، الذين خاطروا بحياتهم سباحة للوصول إلى المدينة، معتبرة أن ما يجري يطرح أسئلة حول قدرة الاتحاد الأوروبي على “حماية حدوده الخارجية”.
من جهته، دعا نائب رئيس الوزراء الإيطالي وزعيم حزب “الرابطة” اليميني المتطرف ماتيو سالفيني إلى تعليق العمل بمنطقة شنغن برمتها، معتبرا أن الأولوية يجب أن تكون للدفاع عن “الحدود الأوروبية” وتشديد الرقابة على الهجرة.
“لسنا بحاجة إلى الديماغوجية”
الرد الإسباني جاء سريعا وحادا، حيث وصف وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس تصريحات نظيره الإيطالي بأنها “غير لائقة”، مؤكدا أن إسبانيا كانت تنتظر من “دولة شريكة وصديقة” تضامنا أوروبيا في مواجهة الأزمة، لا توظيفا سياسيا لقضية الهجرة.
واعتبر ألباريس أن ما صدر عن المسؤولين الإيطاليين يدخل في إطار “الديماغوجية الحزبية”، مشددا على أن إدارة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي مسؤولية مشتركة، وأن معالجة الهجرة لا يمكن أن تتم عبر تبادل الاتهامات بين الدول الأعضاء.
وفي الميدان، أعلنت الحكومة الإسبانية إرسال وحدات من القوات المسلحة لدعم عناصر الحرس المدني في سبتة، بهدف استعادة السيطرة على الحدود والحفاظ على الأمن داخل المدينة، بعدما طلبت السلطات المحلية تعزيزات عاجلة من مدريد.
ورغم المطالب المحلية بإعلان حالة طوارئ وطنية، أوضحت وزارة الداخلية الإسبانية أن الإطار القانوني لا يسمح بذلك في هذه الحالة، مؤكدة في الوقت نفسه أنها ستواصل اتخاذ جميع التدابير الكفيلة بضمان أمن الحدود وسلامة السكان.
أزمة 2021 تعود إلى الواجهة
و تعيد موجة العبور الحالية إلى الأذهان أحداث ماي 2021، حين دخل قرابة 10 آلاف مهاجر إلى سبتة في غضون يومين، في واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي شهدتها الحدود بين المغرب وإسبانيا، والتي خلفت آنذاك توترا سياسيا ودبلوماسيا بين البلدين.
و يتم الوصول إلى سبتة المحتلة غالبا عبر السباحة من شواطئ مدينة الفنيدق المجاورة، التي تبعد بنحو خمسة كيلومترات عن الثغر المحتل، أو انطلاقا من منطقة بليونش، حيث تكون المسافة البحرية أقصر، رغم المخاطر الكبيرة التي تحيط بهذه المحاولات، خاصة بالنسبة للقاصرين.
وفي المقابل، شددت مدريد على أن السلطات المغربية تتعاون بشكل وثيق مع إسبانيا في تدبير الوضع، مؤكدة أن الشرطة المغربية تمنع أعدادا كبيرة من محاولات العبور، وأن البلدين اتفقا على العمل من أجل إعادة الأشخاص الذين دخلوا المدينة بطريقة غير قانونية في أقرب الآجال، وفق المساطر المعمول بها.
وتكشف الأزمة الحالية أن تدفقات الهجرة نحو سبتة المحتلة تحولت إلى ورقة سياسية داخل أوروبا نفسها، تستثمرها قوى اليمين في الجدل حول الهجرة ومستقبل فضاء شنغن، بما يهدد بتوسيع الخلافات بين العواصم الأوروبية في وقت تواجه فيه القارة ضغوطا متزايدة على حدودها الخارجية.