story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

المغرب غني والمغاربة فقراء

ص ص

ينفق المغربي الغني سبع مرات ما ينفقه المغربي الأكثر فقرا، أي أنه يأكل ويلبس ويسكن ويسافر ويتعلّم ويركب… سبع مرات أحسن من المغربي الفقير. واقتصاد المغرب ينمو وثروته تتّسع، لكن المغاربة لا يعيشون حياة أفضل ولا تصلهم ثمار هذا النمو.

هذا ليس تذكيرا بمضمون خطاب ملكي قديم تساءل أين هي ثمار هذا النمو؟ بل هي واحدة من خلاصات التقرير السنوي الجديد الذي وضعه والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، بين يدي الملك مساء أمس الإثنين 20 يوليوز 2026 بقصر تطوان.

سوداوية المفارقة التي كشف عنها تقرير بنك المغرب لا تليق بها سوى السخرية السوداء. لدينا اقتصاد قوي إلى درجة أنه لا يحتاج إلى مشاركة الناس. ينمو وحده، ويستثمر وحده، ويحسّن تصنيفه السيادي وحده، ثم يرسل للمغاربة بلاغا يقول لهم: “الأمور راها مزيانة، غير نتوما ما حاسينش”.

والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، لم يقلها بهذه الطريقة طبعا. الرجل يكتب تقريرا مرفوعا إلى الملك، وليس منشورا يتقاسمه في “فيسبوك”. لكنه قال إن هناك تباين كبير بين الأداء الاقتصادي كما تقيسه المؤشرات وما يشعر به المواطنون.

وهذه الجملة وحدها تساوي نصف التقرير. بل إنها تقدم، بلغة المصرفيين المهذبة، اعترافا رسميا بأن المغرب صار يمتلك اقتصادين: واحدا في الجداول والتقارير، وآخر في البيوت.

الاقتصاد الأول حقق سنة 2025 نموا بنسبة 4,9 في المائة، وارتفع فيه الاستثمار بنسبة 16,3 في المائة، وتراجع عجز الميزانية، وانخفضت مديونية الخزينة، وبلغت احتياطيات العملة الصعبة مستوى مريحا، واستعاد المغرب تصنيفه ضمن فئة الاستثمار، وارتفعت مداخيل السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج…

أما الاقتصاد الثاني فاسمه “واش كاين شي خدمة؟”، لأن العمل هو الوسيلة الأساسية لتقاسم ثمار النمو الاقتصادي. وهنا استقرت البطالة عند نسبة 13 في المائة، مع أنها كان يفترض أن تنخفض. أحدث الاقتصاد 193 ألف منصب شغل، وهو رقم جيّد مقارنة بما سبقه، لكن 407 آلاف شخص إضافي بلغوا سن العمل خلال السنة نفسها.

والأجمل أن جزءا كبيرا ممن بلغوا سن العمل لم يدخلوا أصلا إلى سوق الشغل. من أصل 407 آلاف، لم يلتحق بها سوى 177 ألفا. الباقون لم يجدوا حتى مقعدا في قاعة الانتظار، فاختفوا من إحصائيات البطالة ودخلوا منطقة “عدم النشاط” و”تهنّاو”.

هكذا تتحسن الأرقام أحيانا: لا نعثر على عمل للعاطل، نخرجه من تعريف العاطل ونرتاح من صداعه.

التقرير يقول أيضا إن أقل من أربعة أشخاص من أصل كل عشرة في سن العمل يشتغلون فعليا، أي أن ستين في المئة من المغاربة القادرين على العمل لا يعملون. ويقول أيضا إن خُمس اليد العاملة موسميون أو عرضيون، وإن أكثر من ثلثي المشتغلين لا يستفيدون من التغطية الصحية في إطار عملهم، وإن قرابة ثلاثة ملايين شاب بين 15 و29 سنة يوجدون خارج التعليم والتكوين والشغل. وهذا قطاع اقتصادي قائم بذاته. يمكن أن نسميه “وزارة الانتظار والاستعداد للهجرة”.

حين يجلس المسؤولون للحديث عن النمو، يرون الطرق والموانئ والملاعب والقطارات والفنادق. وحين يجلس الشاب في المقهى، يرى صاحبه الذي هاجر، وقريبه الذي نجح في مباراة، وإعلانا يطلب خمس سنوات من الخبرة من شاب عمره 23 سنة. الاثنان ينظران إلى المغرب نفسه، لكن من طابقين مختلفين.

تستطيع الحكومة أن تقول إن الاستثمار ارتفع، وهي لا تكذب. المشكل أن الاستثمار الذي يقود النمو ما يزال استثمار الدولة أساسا. الدولة تبني، وتمول، وتضمن، وتحفز، وتطلق الصناديق والمواثيق والبرامج، ثم تلتفت وراءها باحثة عن القطاع الخاص فتجده واقفا عند باب الإدارة يسأل عن الإعفاء الضريبي والعقار والصفقة العمومية.

يربط التقرير فجوة الإحساس باستمرار الفوارق. متوسط إنفاق الخُمس الأكثر يسرا من المغاربة يتجاوز بأكثر من سبع مرات إنفاق الخُمس الأقل يسرا. وفي المدن، ينفق الفرد في المتوسط قرابة ضعف نظيره في القرى. وهذا يعني أن المغرب لا يسير بسرعتين فقط. بل هناك مغرب في «البراق»، ومغرب ينتظر «الخطافة»، ومغرب ثالث لم تصل إليه الطريق أصلا.

وعلى الرغم من كل ما خصصته الدولة للدعم الاجتماعي من وكالات وسجلّات، ما يزال الجواهري يطالب باستهداف أكثر دقة. وهذه جملة مهذبة معناها أن جزءا من المال لا يصل إلى من يحتاجه.

نحو 18 مليار درهم ذهبت إلى المقاصة سنة 2025. دعم شامل يستفيد منه الفقير والغني، بل إن الغني قد يستفيد أكثر لأنه يستهلك أكثر. أي أننا نأخذ المال من الميزانية لنساعد القادر على شراء مزيد من الغاز والدقيق والسكر، ثم نخبر الفقير أن الدولة الاجتماعية تسهر عليه.

ثم يمر التقرير إلى الإصلاحات المؤجلة: التقاعد، وترشيد النفقات، وإصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية، وتحسين مردودية الاستثمار، والتعليم والتكوين. وهنا ندخل إلى المتحف الوطني للإصلاحات.

إصلاح التقاعد قابع منذ سنوات في غرفة الانتظار. كل حكومة تنظر إليه، تضع يدها على قلبها، ثم تحيله إلى الحكومة المقبلة (باستثناء حكومة بنكيران التي قامت بإصلاح جزئي). الجميع يعرف أن الصناديق تعاني، وأن كلفة التأخير ترتفع، لكن لا أحد يريد أن يكون صاحب الصورة التي ستلتقط إلى جانب الدواء المر.

تعاملت الحكومة الحالية مع التقاعد كما يتعامل شخص مع ألم الضرس: يتناول المسكنات ويؤجل الطبيب، إلى أن يصبح خلع الفك أقل كلفة من علاج السن.

ثم هناك المخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية. هذا الورش يشبه شخصية ثانوية في مسلسل مغربي طويل. يظهر في كل أزمة، يقول جملتين، ثم يختفي إلى الموسم المقبل. ظهر بعد كورونا. وعاد مع حرب أوكرانيا. ثم مع اضطراب سلاسل الإمداد. ويعود الآن مع حرب إيران وتوتر الأسواق.

كلما أغلقت دولة مضيقا أو ارتفع سعر مادة، اكتشفنا فجأة أن الأمن الغذائي والطاقي مهم. ثم تهدأ الأزمة فنخزن التقرير بدل أن نخزن القمح والدواء والمحروقات.

الحقيقة أن تقرير الجواهري يقول، دون أن يصرخ، إن المغرب لا يعاني قلة المشاريع، بل ضعف النتائج الاجتماعية للمشاريع. ولا يعاني ندرة المال، بل سوء توجيهه. ولا يعاني غياب التشخيص، بل الإدمان على التشخيص وتأجيل العلاج.

لدينا نمو، لكن مردوده من الشغل ضعيف. ولدينا استثمار، لكن مردوديته الاجتماعية محدودة. ولدينا دعم، لكن استهدافه غير دقيق. ولدينا قطاع خاص، لكن مساهمته دون المأمول. ولدينا إصلاحات، لكنها في صيغة المستقبل. ولدينا مواطنون يقال لهم كل سنة إن بلدهم يتقدم، بينما يقضون وقتهم في محاولة منع حياتهم من التدهور.

الاستقرار الاقتصادي ليس غاية في ذاته. بل هو أرضية يفترض أن نقف عليها لنصل إلى التشغيل والعدالة والتعليم والصحة. وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي سياسة اقتصادية هو أن تنجح في إقناع المؤسسات الدولية وتفشل في إقناع الناس الذين يعيشون نتائجها، ثم نسأل باستغراب لماذا لا يشعر المغاربة بالإنجازات.

هذا مشهد يشبه شخصا وضع طعاما شهيا في واجهة المطعم، وأغلق الباب بإحكام، ثم عاتب الجائعين الذين ينظرون في الخارج، لأنهم لم يشبعوا.