story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

خسرنا مباراة.. ولم نخسر الحلم

ص ص

كانت مباراة فرنسا قاسيةً على المنتخب المغربي. ظهرت فروقٌ كبيرة في جودة اللاعبين، وفي الخيارات التكتيكية. خنقنا الديوك كما لم يفعل أي فريق في مونديال 2026. تفوّق المدرب ديدييه ديشان على المدرب محمد وهبي. وبالكاد استطعنا الوصول إلى مرمى الخصم.

بالمحصلة، الوصول إلى دور ربع نهائي كأس العالم نتيجةٌ جيّدة رغم الآمال بتحقيق الأفضل. البقاء ضمن الثمانية الكبار يعني استقراراً في الأداء بعد الإنجاز التاريخي في مونديال 2022 بالوصول إلى النصف النهائي. تواصل الكرة المغربية الريادة أفريقياً وعربياً، ولا يمكن بأي حال إنكار هذه الحقيقة وقد تأكدت في كأس العالم 2026.

كان يحذو المغاربة أملٌ في تجاوز عقبة فرنسا، التي وصلت إلى مرحلة من التطور تجعل الديوك الفريقَ الأكثر تكاملا. لا يبالغ المعلّقون والجماهير حين يقولون إن مدرب فرنسا يملك فريقاً آخر في الاحتياط يمكن أن ينافس به على اللقب.

وحين تعلم أن ديشان لم يستدعِ لاعبين، مثل نجم أتليتيكو مدريد أنطوان غريزمان، ونجم ريال مدريد إدوارد كامافينغا، ولاعب باري سان جيرمان المعار إلى توتنهام كولو مواني، ومهاجم رين الفرنسي إستيبان ليبول، هداف الدوري الفرنسي، تدرك حجم الخيارات المتاحة أمام المدرب الفرنسي.

الخيارات البشرية الواسعة التي يملكها ديشان مذهلة: لاعبو صف أول وأساسيون ويلعبون في أعلى المستويات. وهذا صنع فارقا في مواجهة المنتخب المغربي.
في المقابل، لا حاجة للتذكير بمعاناة منتخبنا الوطني من ضيق الاختيارات في مراكز حساسة، مثل قلب الدفاع، أو في مركز الظهير الأيسر، بحيث دخلنا المونديال بشكّ كبير، لولا وجود نصير مزراوي الذي يجري توظيفه “في كل مكان” لسدّ الفراغ.

أما خط الهجوم فقصة أخرى، وقد اضطر المدرب إلى اعتماد خطة “المهاجم الوهمي” بالدفع بلاعبين من خطّ الوسط إلى الأمام. هذا يعني أننا كنّا نعاني في الدفاع، وفي خط الهجوم، أمام انحسار الخيارات البشرية حتى قبل أن نبدأ المنافسة، ثم عمّقت الإصابات المشكل، أولا بتعرّض عبد الصمد الزلزولي للإصابة في آخر مباراة إعدادية ملتحقاً بنايف أكرد، ثم خلال المنافسة بإصابة شادي رياض وإسماعيل صيباري. خروج هؤلاء من المنافسة كان يعني، مثلما شاهد الجميع، مشكلة كبيرة يصعب تدبيرها.

عنصرٌ آخر مهم في التجربة الفرنسية: الاستقرار في الإدارة التقنية. ديشان يدرّب المنتخب الفرنسي منذ 8 يوليوز 2012 ( حوالي 14 عاما). هذا يعني تراكماً في التجربة، وتعميقاً مستمرا للإنجاز. خلال هذا المسار، فازت فرنسا بكأس العالم في 2018، ولعبت نهائي 2022 أمام الأرجنتين، والآن تتجه للعب النهائي الثالث على التوالي مرشحةً فوق العادة للفوز باللقب، إلا إن حدثت مفاجاة كبيرة كنا نمنّي النفس أن تقع على يد المنتخب المغربي.

أمرٌ أكيدٌ آخر: لا شيء يأتي بالصدفة. الرؤية الواضحة والعمل المستمر والإصرار هي خلطة تحقيق الألقاب والاستقرار في الأداء.

وصول المنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس العالم السابق كان سيفقد الكثير من بريقه لو انتكس فريقنا الوطني في مونديال 2026. الوصول إلى مرحلة الربع النهائي، والإقصاء أمام المنتخب الفرنسي المتفوّق، يعني أن إنجاز 2022 لم يكن ضربة حظ.

وفق هذا، الكرة المغربية مطالبةٌ بالاستمرار في العمل ذاته وتصحيح الأخطاء، وتعزيز نقاط القوة، للوصول إلى المستوى الذي يجعلنا مستقبلا منافسين حقيقيين على اللقب العالمي. بدأنا مسار مراكمة التجربة ويجب أن نواصل، مادامت كل الفرق الكبيرة تملك تقاليد كروية ومسارات تطوّر طبيعية، عزّزت ثقافة الانتصار العابرة للأجيال. بدأ المغرب رحلته، بعدما كُسِرت الكثير من جدران الشعور بالنقص. نملك فرصة ذهبية لتحقيق قفزة كبرى، والأهم أن تكون مستدامة.

سنكون محظوظين باحتضان كأس العالم المقبل لتعميق كل المكاسب. نتيجةٌ جيّدةٌ أخرى، وللمرة الثالثة توالياً، ستدعم وضعنا كتجربة كروية صاعدة وطموحة وتنافسية. استعجال تحقيق اللقب العالمي يمكن أن يشكل عبئاً وعاملَ إرهاق. التطوّر الطبيعي والمؤسَّس هو الضمانة للاستمرارية، مادام الصعود السريع سيعني، غالباً، هبوطاً أسرع.

هذا لا يعني عدم مطاردة الحلم، والعمل لتحقيقه بأسرع وقت، إن توفّرت فرصة. قد تتظافر عواملُ كثيرة تهيّئ الظروف لذلك، لكنّ عملاً عميقا وحده يُبْقينا في نادي الكبار لأطول فترة ممكنة، ولمَ لا باستمرار.

هذا يستوجب أشياءَ كثيرة. أولا أن ينتصر المشروع على حضور الأشخاص، على أهميتهم. دوما كانت المشاريع التي ترتبط بالأشخاص أكثر من المشروع نفسه أكثرَ قابليةً للتفكّك والانهيار مع غياب الأشخاص. حضور شخصية مثل فوزي لقجع لا يجب أن يتحوّل إلى عائق. ما حقّقه رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم حتى الآن مبهرٌ واستثنائي، لكن التحدّي الأكبر هو المرحلة التي ستلي لقجع. حينها سنقف أمام المرآة لنرى إن كان العملُ عميقاً وبنيوياً، أم مجرد فورة مرتبطة بشخص.

ثانياً، تبرز إشكالية أخرى: مسار نجاح الكرة المغربية في السنوات الأخيرة يرتبط أكثر بأبناء الجالية في الخارج، مقابل تراجع ملحوظ في حضور اللاعب المحلّي. هذا يعني حقيقتين مهمّتين: إحدهما إيجابية ترتبط بتحوّل المنتخب الوطني إلى حالة جاذبة للمواهب الكروية في الخارج، خاصة بعد مونديال قطر.

وثانيهما سلبية، ترتبط بضعف مزمن في البطولة المحلية التي تعطّلت مكينة تطوّرها. هذا يعني أننا نُحلِّق بجناح واحد، ولا يمكن توقّع استدامة النجاح دون تطوير الكرة المحلية. منتخبنا مصنّفٌ ضمن الخمسة الأوائل في العالم، لكن بطولتنا المحلية بالكاد تُرى بالمجهر. وضعٌ شاذ وغير طبيعي، ويجب الاستدراك بشأنه لتحقيق قليل من التوازن. وهنا، مع مراعاة فروق مهولة، يمكن النظر مليّاً في التجربة الإسبانية وذلك العمل القاعدي في الفئات السنيّة الذي يُؤتي ثماره، ويحقّق نتائج لا تخفى، معزّزا ببطولة محلية من الأقوى عالميا، توفّر فرصاً لتطوّر اللاعب الإسباني وقد تحوّلت كرة القدم إلى “صناعة كاملة” بتنافسية عالية.

قصارى القول

مسار نجاح الكرة المغربية بدأ، ويجب تحصينه بمزيدٍ من العمل. تحقيرُ الإنجازات مؤذٍ، مثلما تعظيم المكاسب فوق الحاجة قاتل.

نضعُ ما حقّقه المغرب من نتائج جيّدة في الجيب، ثم نواصل مطاردة الهدف لانتزاع ما فاتَ حتى الآن. سيكون المنتخب المغربي في مونديال 2030 مطالباً بتحقيق نتيجة أفضل، مستفيداً من عاملي الأرض والجمهور. العملُ يجب أن يبدأ من الآن، ويملك المدرب محمد وهبي، الذي يستحق الاستمرار على رأس الإدارة التقنية، قاعدةً جيّدة للبناء، هي مزيجٌ من اللاعبين الشباب والمجرَّبين، لتحقيق انتقالات سلسة وآمنة بين جيلين.

التجربة الكروية الفرنسية مُلهمة، وهي كتابٌ مفتوح للنظر واستخلاص الدرس. ليست كل الهزائم “هزائم”. لا تصير كذلك إلا حين نخرج منها أضعف، وتصير، في المقابل، “تجربة مفيدة” حين نغادرها أكثر نضجاً وتشبثاً بالهدف. ديشان بدأ العمل في 2012، وخرج من دور الربع نهائي في مونديال 2014 بالبرازيل، ثم فاز بكأس العالم في 2018، فخسر نهائي 2022، وها هو يطارد مع رفاق كيليان مبابي الحلم من جديد في 2026.

كتاب مفتوح لتعلّم كيف يكون البناء، والاستمرار.