story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

“بي بي سي”: المغرب يبني قوة كروية تتجاوز نتائج المونديال

ص ص

لم يعد صعود كرة القدم المغربية، في نظر خبراء اشتغلوا داخل منظومتها التقنية، مجرد حصيلة جيل استثنائي أو سلسلة نتائج موفقة في البطولات الكبرى، بل أصبح ثمرة مشروع طويل المدى يرمي إلى تثبيت المغرب ضمن القوى الدائمة في كرة القدم العالمية.

هذا ما خلص إليه تقرير موسع نشرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، قبيل مباراة المنتخب المغربي أمام فرنسا في ربع نهائي كأس العالم 2026، واستند إلى شهادات ثلاثة مسؤولين تقنيين أجانب سبق لهم العمل داخل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، هم نيل وورد وسايمون جينينغز وكريس فان بويفيلدي.

وقدم التقرير مسار المنتخب المغربي باعتباره الواجهة الأكثر ظهورا لمنظومة أوسع، تجمع بين الاستثمار العمومي في البنيات التحتية، وتكوين الأطر واللاعبين، واستقطاب المواهب المغربية المقيمة بالخارج، وبناء منتخبات الفئات العمرية، في أفق تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال.

وقال نيل وورد، الذي شغل منصب مدير العمليات التقنية بالجامعة الملكية بين 2020 و2024، إن المغرب يمتلك مؤهلات التحول إلى «قوة في كرة القدم العالمية»، معتبرا أن الإنجاز الذي تحقق في مونديال قطر لم يكن نهاية المسار، بل لحظة سرعت دينامية كانت قائمة قبل ذلك.

مشروع يتجاوز المنتخب الأول

انطلق تقرير «بي بي سي» من معطى استمرار حضور المغرب في الأدوار المتقدمة لكأس العالم، بعد بلوغه نصف نهائي نسخة قطر 2022، قبل وصوله إلى ربع نهائي مونديال 2026.

لكن التقرير لم يفسر هذا المسار بالتحولات التكتيكية داخل المنتخب الأول فقط، بل ربطه بقرار استراتيجي جعل كرة القدم مجالا للاستثمار طويل الأمد، من خلال مركز وطني للتدريب، وأكاديمية للتكوين، ومراكز جهوية، وتأهيل الملاعب، إلى جانب إنشاء آلاف ملاعب القرب المخصصة للممارسة الهاوية.

وقال سايمون جينينغز، الذي أشرف على برامج لتطوير الفئات السنية وتكوين المدربين في المغرب بين 2020 و2024، إن ما حققه المنتخب “ليس حادثا عرضيا”، بل نتيجة “طموح وطني واضح”.

وبحسب التقرير، حظي المشروع بدعم مستمر من الملك محمد السادس، بما أتاح توفير تجهيزات ومرافق بمستوى مرتفع، وجعل المغرب قادرا على استقطاب لاعبين نشؤوا داخل بيئات كروية أوروبية متطورة.

ورأى وورد أن جودة مرافق التدريب تبعث رسالة مباشرة إلى اللاعب القادم من أوروبا، مفادها أن البلد يتعامل بجدية مع مشروعه الرياضي، ويريد بناء بيئة قادرة على مساعدته على النجاح في أعلى المستويات.

شبكة كشافين في أوروبا

وضع التقرير استقطاب أبناء الجالية في قلب النموذج المغربي، مشيرا إلى أن الجامعة أنشأت شبكة من الكشافين المتفرغين في عدد من البلدان الأوروبية، من بينها فرنسا وإسبانيا وهولندا وألمانيا، إضافة إلى النرويج والسويد والدنمارك.

وتتمثل مهمة هذه الشبكة في رصد اللاعبين ذوي الأصول المغربية منذ مراحل عمرية مبكرة، وتتبع تطورهم داخل الأندية، ثم التواصل معهم ومع أسرهم من أجل عرض المشروع الرياضي للمنتخبات الوطنية.

وأفادت المعطيات التي أوردها التقرير بأن 19 لاعبا من أصل 26 في قائمة المغرب المشاركة في مونديال 2026 ولدوا خارج المملكة، من بينهم عدد من اللاعبين الذين سبق لهم تمثيل منتخبات أوروبية في الفئات السنية.

ويشمل ذلك لاعب وسط ليل أيوب بوعدي، الذي لعب سابقا ضمن الفئات العمرية للمنتخب الفرنسي قبل اختياره تمثيل المغرب.

وقال جينينغز إن اللاعبين المتحدرين من أسر مغربية لا يتعاملون مع المنتخب الوطني باعتباره «خيارا ثانيا»، مضيفا أن انتماءهم إلى المغرب قوي، وأنهم يُستقبلون داخل المنظومة بوصفهم مغاربة، بصرف النظر عن مكان الميلاد أو التكوين.

وكشف التقرير أن الجامعة تابعت لامين يامال منذ أن كان في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمره، وعقد مسؤولوها لقاءات مع اللاعب وأسرته بالنظر إلى أصوله المغربية، قبل أن يختار في النهاية تمثيل المنتخب الإسباني.

واعتبر وورد أن هذه الحالة تبين أن المسؤولين المغاربة لا يتركون أي احتمال دون بحث في عملية اكتشاف المواهب ومحاولة استقطابها.

هدف 2030

رغم نجاح سياسة استقطاب أبناء الجالية، لا ترغب الجامعة، بحسب التقرير، في أن يبقى المنتخب معتمدا بصورة كبيرة على اللاعبين المتكونين في الخارج.

وقال كريس فان بويفيلدي، الذي شغل منصب المدير التقني للجامعة بين 2022 و2025، إن الهدف المطروح في أفق كأس العالم 2030 هو الوصول إلى توازن بين اللاعبين المولودين والمتكونين داخل المغرب، وأولئك الذين نشؤوا في أوروبا.

ويعكس هذا الهدف رغبة في تحويل الاستثمار في الأكاديميات والمراكز الجهوية إلى إنتاج منتظم للاعبين القادرين على بلوغ المنتخب الأول، بدل الاكتفاء بتوفير المرافق أو الاعتماد على المواهب التي تكونها الأندية الأوروبية.

غير أن فان بويفيلدي أقر بأن التنظيم الشامل للمنظومة داخل المغرب يحتاج إلى مزيد من التطوير، خصوصا ما يتعلق بربط التكوين المحلي بالأندية والمنتخبات، وضمان انتقال اللاعبين من الفئات العمرية إلى مستوى الاحتراف العالي.

ويعني ذلك أن نجاح المنتخب الأول لا يخفي استمرار تحديات تتعلق بجودة التكوين داخل الأندية، وتوحيد مناهج العمل، وتكوين المدربين، وتوفير منافسة محلية قادرة على إنتاج لاعبين بالمستوى الدولي.

من إخفاق قاري إلى لقب عالمي

استحضر تقرير «بي بي سي» مسار المدرب محمد وهبي باعتباره مثالا على طريقة اشتغال المشروع المغربي، وعلى الجمع بين الضغط من أجل تحقيق النتائج والاستمرار في دعم المسارات طويلة المدى.

وأشار إلى أن وهبي واجه مرحلة صعبة بعد إخفاق منتخب أقل من 20 سنة في بلوغ نهائيات كأس إفريقيا سنة 2023، وهو ما أدى إلى نقاشات حادة مع مسؤولي الجامعة بشأن النتائج ومستقبل المشروع.

لكن المدرب حصل لاحقا على فرصة لمواصلة عمله، قبل أن يقود المنتخب نفسه إلى التتويج بكأس العالم لأقل من 20 سنة، دورة 2025، ثم ينتقل إلى الإشراف على المنتخب الأول عقب رحيل وليد الركراكي.

ويرى التقرير أن هذا المسار يعكس أهمية الصبر على برامج التكوين، وعدم تقييمها فقط من خلال نتيجة واحدة، مع الإبقاء في المقابل على مستوى مرتفع من الضغط والمحاسبة.

كما أشار إلى أن المغرب شارك في مونديال 2026 بواحدة من أصغر التشكيلات سنا، إذ بلغ متوسط أعمار اللاعبين الأساسيين نحو 26 عاما، بما يمنح المنتخب هامشا للاستمرار والتطور خلال السنوات المقبلة.

“الأوكسجين ينتشر”

وصف فان بويفيلدي أثر إنجاز مونديال قطر 2022 بأنه أشبه بجرعة من «الأوكسجين» بدأت تنتشر بسرعة في مختلف أنحاء البلاد.

ولا يقتصر هذا الأثر على زيادة شعبية المنتخب أو ارتفاع التوقعات الجماهيرية، بل يشمل، حسب التقرير، إقبال الأطفال على ممارسة كرة القدم، وتعاظم اهتمام الأسر بالتكوين الرياضي، وتزايد الضغط على الأندية ومراكز التدريب من أجل تحسين العمل.

وكان وورد موجودا في الرباط حين بلغ المغرب نصف نهائي مونديال قطر، وقال إنه شاهد كيف استحوذ الفرح على المدينة حتى الساعات الأولى من الصباح، في احتفالات شارك فيها الملك محمد السادس شخصيا.

وتستند الفكرة التي يطرحها الخبراء إلى أن الإنجاز الرياضي الكبير يمكن أن يؤدي دور المحفز لمنظومة كاملة، شرط ألا يبقى مجرد ذكرى، وأن يجري تحويل الحماس الذي يولده إلى برامج تكوين واستثمار وتنظيم.

الكرة والقوة الناعمة

يتقاطع المشروع الرياضي، وفق قراءة هذا التقرير، مع طموح المغرب إلى تعزيز حضوره الدولي، خصوصا مع استعداده لتنظيم كأس العالم 2030.

فنتائج المنتخبات الوطنية وتحديث الملاعب ومراكز التدريب لا تخدم الجانب الرياضي وحده، بل تسهم أيضا في تقديم صورة بلد قادر على تنظيم الأحداث الكبرى، واستقطاب الاستثمارات والزوار، وبناء شراكات مع اتحادات وأندية دولية.

ويمنح نجاح المنتخب الأول هذا المشروع بعدا رمزيا قويا، لأن كرة القدم أصبحت إحدى أكثر الوسائل قدرة على الوصول إلى الجمهور العالمي وإنتاج صورة إيجابية عن البلد.

لكن تقرير «بي بي سي» أشار أيضا إلى وجود نقاش داخلي بشأن حجم الإنفاق الموجه إلى كرة القدم، في بلد ما تزال فيه قطاعات مثل التعليم والصحة والسكن والتشغيل تواجه مطالب اجتماعية كبيرة.

ويطرح هذا النقاش سؤال ترتيب الأولويات، ومدى قدرة الاستثمار الرياضي على إنتاج عوائد اقتصادية واجتماعية مستدامة، بدل أن يبقى مرتبطا بالنتائج والبطولات الكبرى فقط.

من الإنجاز إلى الاستمرارية

تقوم الفكرة الأساسية التي انتهى إليها التقرير على أن التحدي المغربي لم يعد إثبات القدرة على تحقيق مفاجأة في بطولة واحدة، بل تحويل النتائج المتفرقة إلى استمرارية.

فبلوغ نصف نهائي كأس العالم سنة 2022، ثم تتويج منتخب الشبان عالميا، وعودة المنتخب الأول إلى الأدوار المتقدمة، كلها مؤشرات على اتساع قاعدة النجاح. لكنها لا تكفي وحدها للحكم بأن المغرب أصبح قوة كروية دائمة.

يتطلب ذلك، وفق الخبراء، إنتاج أجيال متعاقبة، ورفع مستوى البطولة الوطنية، وتكوين أعداد أكبر من المدربين، وتحسين التنظيم داخل الأندية، وتقليص الفجوة بين البنيات المتقدمة المتاحة للمنتخبات وظروف العمل داخل كرة القدم المحلية.

كما يفترض نجاح المشروع أن يتمكن اللاعبون المتوجون في الفئات السنية من الانتقال إلى مستويات احترافية مرتفعة، ثم فرض أنفسهم داخل المنتخب الأول، بدل أن تنتهي إنجازاتهم عند حدود المنافسات العمرية.

ولا يقدم تقرير «بي بي سي» المغرب بوصفه قوة اكتمل بناؤها، بل بلدا وضع جزءا كبيرا من الأسس الضرورية، وبدأ يحصد نتائجها، فيما يظل مونديال 2030 الموعد الأبرز للحكم على مدى نجاحه في الانتقال من منتخب يحقق الإنجازات إلى منظومة تنتجها بانتظام.