story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

بطاقة ترامب الحمراء

ص ص

لم يعد ممكنا، بعد الذي فعله دونالد ترامب في قضية اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون، أن نتحدث عن كرة القدم باعتبارها مجرد لعبة، أو نختبئ خلف ذلك الفصل المفترض بين الرياضة والسياسة، كأن الملاعب جزر معزولة عن خرائط القوة، أو كأن رؤساء الدول حين يدخلون مدرجاتها يتركون مصالحهم ونفوذهم عند بواباتها.

الرئيس الأمريكي لم يكتف بالتعليق على قرار تحكيمي، ولا بالتعبير عن غضبه كأي مشجع رأى أن لاعب منتخبه تعرض للظلم. لقد اتصل برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، وطلب منه مراجعة بطاقة حمراء صدرت في مباراة رسمية ضمن كأس العالم.

بعد هذا الاتصال، تحولت عقوبة تلقائية كان يفترض أن تحرم بالوغون من مواجهة بلجيكا إلى عقوبة معلقة لمدة سنة، تسمح له باللعب، وتصبح نافذة فقط إذا كرر مخالفة مماثلة. ثم خرج ترامب ليقول إنه لم يطلب إلغاء القرار، بل مجرد “مراجعته”، كأن المشكلة كانت في صيغة الطلب لا في صدوره أصلا من رئيس الدولة المضيفة إلى رئيس الهيئة التي تدير البطولة.

حين يصدر الطلب عن رئيس الولايات المتحدة في اتجاه رئيس “فيفا”، فهذا ليس مجرد اقتراح بريء. النفوذ لا يحتاج دائما إلى أمر صريح. يكفي أن يتصل الأقوى، وأن يفهم الطرف الآخر معنى الاتصال، حتى تتحول الرغبة إلى إجراء، ويتحول الاستثناء إلى اجتهاد قانوني، ثم يُبحث له، بعد ذلك، عن مادة قانونية مناسبة للتنفيذ.

وجد الاتحاد الدولي تلك المادة في الفصل 27 من قانونه التأديبي، والذي يتيح لهيئاته القضائية تعليق تنفيذ عقوبة ما، كليا أو جزئيا. النص موجود فعلا، لكن وجود النص لا يفسر سبب تشغيله في هذه الحالة تحديدا، ولا لماذا تحولت العقوبة التلقائية الناتجة عن بطاقة حمراء مباشرة إلى عقوبة مع وقف التنفيذ، بينما نُفذت عقوبات مماثلة في حق لاعبين آخرين خلال البطولة نفسها.

بعد الاعترافات المتنوعة، لم تعد القضية رياضية. فالعدالة الرياضية لا تُقاس فقط بوجود مادة قانونية تسمح باتخاذ القرار، بل أيضا بعمومية المعيار، وتساوي الأطراف أمامه، وشفافية المسطرة التي أنتجته. حين يستفيد لاعب من مخرج قانوني نادر بعد تدخل رئيس دولته، نصبح أمام تنافس غير متكافئ لأن لاعبا يملك في طاقم منتخبه رئيسا قويا يتصل، بينما لا يملك لاعب آخر حتى وزير خارجية يتحرك، ليصبح القانون نفسه جزءا من اختلال القوة الذي جاءت الرياضة أصلات لتجاوزه.

يمكن للمرء أن يناقش البطاقة الحمراء نفسها. وقد تكون قاسية فعلا. وقد يكون الحكم قد بالغ في تقدير خطورة التدخل، أو وقع تحت تأثير الإعادة البطيئة التي تحول الاحتكاك العادي أحيانا إلى مشهد يبدو أكثر عنفا مما كان عليه في سرعته الأصلية. هذا نقاش مشروع، وكان يمكن أن يبقى داخل حدوده الرياضية والقانونية، لو أن الاتحاد الأمريكي طعن عبر القنوات المعتادة، أو أن اللجنة التأديبية فسرت اجتهادها علنا وطبقته على جميع الحالات المماثلة.

لكن القضية خرجت من هذا النطاق لحظة دخلها ترامب. ورئيس الاتحاد الدولي، إنفانتينو، قال إنه أبلغ ترامب بأن الهيئات القضائية داخل “فيفا” مستقلة، وإنه لا يطلع على قراراتها إلا بعد صدورها. وهذا كلام سليم من حيث البناء النظري، لكنه لا يكفي لإزالة الشبهة.

العلاقة بين ترامب وإنفانتينو هي أصلا علاقة سياسية واقتصادية تشكلت في سياق استضافة الولايات المتحدة للمونديال، وفي ظل حرص “فيفا” على التقرّب من قلب القوة السياسية والاقتصادية الأمريكية. لذلك لا يمكن أن يُطلب من الناس التعامل مع الاتصال كأنه مكالمة عابرة بين مشجعين. أحد الطرفين رئيس أقوى دولة في العالم، ورئيس الدولة المضيفة. والآخر يدير مؤسسة دولية تعتمد في نجاح أكبر بطولاتها على تعاون هذه الدولة وأجهزتها وأموالها وأسواقها.

هكذا تظهر كرة القدم في صورتها الجديدة، أو ربما في حقيقتها القديمة التي لم نكن نريد الاعتراف بها. اللعبة ليست مجرد تسعين دقيقة، ولا ال”فيفا” مجرد حكم إداري يقف فوق الدول، ولا كأس العالم احتفالا إنسانيا خالصا تتوقف عنده الحروب والمصالح. إنها صناعة عالمية، وسوق نفوذ، وأداة قوة ناعمة، ومجال تتقاطع داخله السياسة والاقتصاد والهوية والشرعية الدولية.

الدول لم تعد تتنافس على الفوز بالمباريات فقط، بل على استضافة البطولات، والتحكم في شبكات الرعاية والبث، وتلميع الصورة، وفرض الحضور الجيوسياسي. والملاعب صارت واجهات للدول، والمنتخبات امتدادا رمزيا لها، والبطولات الكبرى منصات لإعادة توزيع الهيبة. وما يحدث داخل المستطيل الأخضر لا يبقى دائما داخله، كما أن ما يحدث خارجه لا يتوقف عند خط التماس.

لقد ظل، لسنوات، كل حديث عن امتداد الصراع الدولي إلى كرة القدم يُتهم بالمبالغة أو “نظرية المؤامرة”. لكن لا مؤامرة هنا ولا اجتماعات سرية ولا وثائق مسربة. رئيس الولايات المتحدة قال بنفسه إنه اتصل برئيس “فيفا”. والقرار تغير بعد ذلك. والهيئة الدولية استدعت مادة مرنة لتبرير الاستثناء. والاتحاد الأوروبي والبلجيكي اعترضا علنا. كل شيء وقع في الضوء.

الأخطر من تدخل ترامب نفسه هو ما يفتحه القرار من أبواب. ماذا ستقول “فيفا” مستقبلا لاتحاد يطالب بتعليق عقوبة لاعب استنادا إلى المادة نفسها؟ وما المعيار الذي سيمنع رئيس دولة أخرى من الاتصال بإنفانتينو؟ وهل ستملك الدول الصغيرة الحق نفسه، أم أن المادة 27 لا تتحرك إلا حين يرن هاتف برقم قادم من البيت الأبيض؟

المساواة في الرياضة لا تعني فقط أن يبدأ الفريقان المباراة بأحد عشر لاعبا، بل أن يخضعا للقواعد نفسها قبلها وأثناءها وبعدها. وإذا صار الوصول إلى العدالة التأديبية مرتبطا بالقدرة على الوصول إلى رئيس الاتحاد الدولي، فإن الفرق الحقيقي لن يعود بين منتخب قوي وآخر ضعيف، بل بين دولة تملك الهاتف المناسب ودولة لا يرد أحد على اتصالاتها.

قد يقول قائل إن بالوغون لعب، ثم خسرت الولايات المتحدة أمام بلجيكا بأربعة أهداف مقابل هدف، وإن الكرة صححت في الملعب ما اختل خارجه. لكن النتيجة لا تمحو السابقة. بل تكشف مفارقتها. فقد تدخلت القوة السياسية لتحسين شروط المنافسة، ثم خسرتها.

لا يتعلق الأمر، إذن، بالدفاع عن بطاقة حكم برازيلي، ولا بالشماتة في منتخب أمريكي، ولا بتقديس أنطمة قد تكون ظالمة في بعض الحالات. يتعلق الأمر بحماية الحد الأدنى الذي يمنح اللعبة معناها.

الكرة، حين تفقد هذا الحد الأدنى، لا تعود لعبة جميلة، بل تصبح صورة مصغرة من النظام الدولي نفسه الذي مللنا بشاعته. وبطاقة بالوغون الحمراء لم تعد هي القضية.

بل المشكلة أن ترامب أشهر بطاقة حمراء في وجه استقلال الرياضة، وأن “فيفا”، بدل أن يطرده من مساحة القرار، بحثت له عن ترضية.