البرتغال ضد كرواتيا.. راموس ينقذ رونالدو ويُوقف رقصة مودريتش الأخيرة
انتصرت البرتغال على كرواتيا في مباراة ثمن نهاية كأس العالم أمريكا 2026، ولم تكن المباراة مجرّد محطة في البطولة، بين منتخبين أوروبيين كبيرين، بل كانت، قبل كل شيء، مباراة محمّلة بثقل الزمن.
على طرف منها كريستيانو رونالدو، الذي يواصل مطاردة اللقب العالمي في خريف مساره. وعلى الطرف الآخر لوكا مودريتش، الذي دخل اللقاء وهو يعرف أن كل دقيقة قد تكون الأخيرة له في كأس العالم.
انتهت المباراة بفوز البرتغال 2-1، بعد سيناريو درامي جعلها واحدة من أكثر مباريات هذا الدور توترا.
تقدمت كرواتيا بهدف إيفان بيريزيتش، ثم عادلت البرتغال عبر ركلة جزاء نفذها رونالدو، قبل أن يوقع غونسالو راموس هدف التأهل في الدقيقة 94.
في اللحظات الأخيرة، ظنت كرواتيا أنها عادت إلى المباراة، لكن هدف التعادل أُلغي بداعي التسلل، لتتأهل البرتغال إلى دور الـ16 لمواجهة إسبانيا، بينما انتهى مشوار كرواتيا ومودريتش عند واحدة من أكثر النهايات قسوة.
تأهل صعب للبرتغال
دخلت البرتغال المباراة وهي مرشحة نظريا، لكنها لم تقدم صورة المنتخب الذي يمر بسهولة. صحيح أنها امتلكت أسماء أكثر تنوعا في الهجوم والوسط، وصحيح أن تشكيلتها تضم جيلا قادرا على الجمع بين الخبرة والسرعة، لكنها اصطدمت بمنتخب كرواتي يعرف كيف يجعل المباريات صعبة، وكيف يدفع خصومه إلى اللعب تحت الضغط.
لم تبدأ البرتغال اللقاء بفرض السيطرة الكاملة. وكرواتيا، بتجربتها الطويلة في مباريات الإقصاء، عرفت كيف تبطئ الإيقاع وتمنع البرتغاليين من تحويل الاستحواذ إلى خطر دائم.
مع تقدمها في الزمن، بدا أن المباراة تدخل المنطقة التي تحبها كرواتيا، أي إدارة الهدوء، واستنزاف الخصم، والرهان على صلابة لاعبين خبروا مثل هذه اللحظات في نسخ سابقة من كأس العالم.
لكن الفارق أن البرتغال لم تكن مجرد منتخب ينتظر رونالدو. ورغم أن هدف التعادل جاء عبره، فإن الحسم النهائي جاء من لاعب بديل، هو غونسالو راموس، في إشارة واضحة إلى أن قوة البرتغال الحالية لا تكمن فقط في أسطورتها، بل في عمقها الهجومي وقدرتها على إيجاد حلول متأخرة من مقاعد البدلاء.
أعطى هدف إيفان بيريزيتش كرواتيا أفضل ما كانت تبحث عنه، وهو التقدم أولا. أمام منتخب مثل البرتغال، لا يكون الهدف الأول مجرد أفضلية رقمية، بل وسيلة لجر الخصم إلى التسرع.
كرواتيا تفهم جيدا هذا النوع من المباريات؛ والتي لا تحتاج إلى الاستحواذ الطويل، بل إلى لحظات دقيقة تضرب فيها، ثم إلى كتلة منظمة تمنع الخصم من الاستفادة من جودة لاعبيه.
جسّد بيريزيتش، أحد وجوه الجيل الكرواتي الخبير، هذه الفكرة. لم يكن الهدف مجرد لقطة هجومية، بل إعلانا عن أن كرواتيا ما زالت قادرة على صناعة الألم للخصوم الكبار، حتى وهي تعيش مرحلة انتقالية بين جيل بلغ نهائي 2018 ونصف نهائي 2022، وجيل جديد لم يكتمل بعد.
وبالنسبة إلى البرتغال، كان التأخر اختبارا نفسيا قبل أن يكون تكتيكيا. فالمنتخب الذي دخل البطولة وسط انتقادات حول مستوى الأداء، وحول استمرار الاعتماد على رونالدو في مركز المهاجم، وجد نفسه أمام لحظة قد تقلب كل شيء.
الخروج أمام كرواتيا كان سيعيد كل الأسئلة القديمة دفعة واحدة: هل لا تزال البرتغال أسيرة أسماء بعينها؟ وهل يملك روبرتو مارتينيز القدرة على إدارة مباريات الحسم؟
رمزية رونالدو ونجاعة راموس
عادلت البرتغال النتيجة عبر ركلة جزاء سجلها كريستيانو رونالدو بعد مراجعة تقنية الفيديو. هذه اللقطة ستبقى من أكثر لحظات المباراة إثارة للنقاش، ليس لأنها أعادت البرتغال إلى اللقاء فقط، بل لأنها قسمت قراءة المباراة بين من رأى فيها قرارا صحيحا أعاد الأمور إلى نصابها، ومن اعتبرها لحظة أثّرت على مسار مواجهة كانت كرواتيا تديرها بذكاء.
عبّر زلاتكو داليتش، مدرب كرواتيا، بعد المباراة عن غضبه مما وصفه بسوء التحكيم، لكنه حرص في الوقت نفسه على ألا يجعل ذلك عذرا كاملا للخروج.
بالنسبة إلى رونالدو، كان الهدف يحمل قيمة مضاعفة. فهو أول هدف له في مرحلة خروج المغلوب بكأس العالم، كما أنه أبقى حلمه العالمي مفتوحا في بطولة قد تكون الأخيرة له.
لكن المفارقة أن رونالدو أنقذ البرتغال من السقوط المؤقت، دون أن يكون هو من كتب الفصل الأخير. ذلك الفصل تركه راموس لنفسه.
وكان هدف غونسالو راموس في الدقيقة 94 لحظة الحسم الحقيقية في المباراة. ليس لأنه منح البرتغال بطاقة التأهل، بل لأنه أعاد طرح سؤال مهم داخل المنتخب البرتغالي: هل يجب أن تبقى كل الطرق الهجومية مؤدية إلى رونالدو؟
راموس ليس اسما جديدا على لحظات الحسم مع البرتغال، بل سبق له أن ظهر في مباريات كبرى بقدرة تهديفية واضحة، وكلما دخل في لحظات معقدة أعطى الفريق ما يحتاجه. مهاجم منطقة، مباشر، يتحرك بين القلوب الدفاعية، ولا يحتاج إلى كثير من اللمسات كي يهدد المرمى.
جاء هدفه أمام كرواتيا في لحظة كانت المباراة تتجه فيها إلى تمديد محتمل، وربما إلى سيناريو تحبه كرواتيا تاريخيا. لقد عاقب الخصم في الوقت الذي بدأت فيه الأعصاب تحل محل الخطط، ومنح البرتغال فوزا لم يكن مضمونا، لكنه كان ضروريا لتجنب استنزاف إضافي قبل مواجهة إسبانيا.
يضع هذا الهدف المدرّب روبرتو مارتينيز أمام معادلة دقيقة في الدور المقبل. فرونالدو يملك الرمزية والخبرة والحضور النفسي، لكن راموس يقدم نوعا مختلفا من الحيوية داخل منطقة الجزاء.
وبين الرمز والنجاعة، سيكون على المدرب البرتغالي أن يحدد كيف يستفيد من الاثنين دون أن يجعل أحدهما عبئا على الآخر.
مودريتش.. نهاية جيل
لا يمكن قراءة خروج كرواتيا من زاوية نتيجة 2-1. فهذا المنتخب لا يُقاس عادة بعدد النجوم أو بحجم الدوري المحلي أو بقدراته الاقتصادية، بل بقدرته النادرة على تحويل الخبرة والانضباط إلى نتائج كبرى.
منذ 2018، صنعت كرواتيا واحدة من أكثر القصص استثنائية في كرة القدم العالمية. بلد صغير، بمنتخب عنيد، وجيل لا يستسلم بسهولة.
لكن مباراة البرتغال قد تكون نهاية مرحلة. دخل لوكا مودريتش، وهو في الأربعين من عمره، اللقاء أمام رونالدو في ما وصفته رويترز بأنه قد يكون آخر صدام دولي بين أسطورتين تلاحقان حلم كأس العالم في نهاية مساريهما.
هناك في تورونتو، شاهد الجمهور مواجهة عاطفية بقدر ما كانت كروية، وسط حضور جماهيري كبير من الجاليتين البرتغالية والكرواتية في حرارة مرتفعة وصلت إلى 37 درجة مئوية.
لم يغادر مودريتش البطولة بهزيمة عادية. بل غادرها بعد هدف متأخر للبرتغال، ثم هدف كرواتي ملغى في اللحظة الأخيرة. قسوة تشبه كرة القدم حين ترفض أن تمنح النهايات العظيمة لأصحابها. لكن حتى في الخروج، بقيت كرواتيا وفية لصورتها، حيث خرجت وهي تقاوم، وتحتج، وتقترب من العودة، ثم تسقط وهي لا تزال داخل المباراة.
لماذا فازت البرتغال؟
في المقابل، فازت البرتغال لأنها امتلكت عمقا أكبر في لحظة الحسم. وحين احتاجت إلى تغيير مسار المباراة، وجدت لاعبا مثل راموس قادرا على التسجيل من مقاعد البدلاء. وعندما احتاجت إلى شخصية في لحظة الضغط، وجدتها في رونالدو الذي تحمل تنفيذ ركلة جزاء ثقيلة. وحين احتاجت إلى إدارة الدقائق الأخيرة، قاومت الارتباك حتى أنقذها قرار التسلل من عودة كرواتية قاتلة.
تكتيكيا، لم تكن البرتغال مثالية، لكنها كانت أكثر قدرة على توسيع الملعب. دخول رافاييل لياو أساسيا بدل جواو فيليكس منح الفريق سرعة أكبر على الجهة، بينما ظل برونو فيرنانديش وفيتينيا وجواو نيفيش مسؤولين عن خلق التوازن بين الاستحواذ والتمرير العمودي. أما نونو مينديش وجواو كانسيلو فمثّلا خيارين مهمين في الأطراف، رغم أن كرواتيا نجحت في فترات طويلة في الحد من خطورتهما.
اعتمدت كرواتيا في المقابل على تشكيلة مستقرة بقيادة مودريتش وكوفاسيتش وباتورينا وبيريزيتش وبوديمير. كانت الخطة واضحة: إغلاق العمق، وتقليل المساحات أمام البرتغال، والبحث عن لحظة هجومية مناسبة.
نجحت الخطة جزئيا، لكنها انهارت أمام عاملين: ركلة الجزاء التي أعادت البرتغال، والهدف المتأخر الذي فضح تعب الدفاع الكرواتي في لحظة شديدة الحساسية.
البرتغال ضد إسبانيا.. كلاسيكو إيبيري في دور الثمن
تأهل البرتغال وضعها أمام مواجهة كبيرة ضد إسبانيا في دور الـ16. لن تكون هذه مباراة عادية، بل كلاسيكو إيبيري يحمل تاريخا وتنافسا وجوارا وثقلا كرويا.
وإذا كانت كرواتيا قد اختبرت صبر البرتغال، فإن إسبانيا ستختبر قدرتها على مجاراة فريق أكثر استحواذا، وأسرع في تبادل المواقع، وأكثر قدرة على خنق الخصوم بالكرة.
ستحتاج البرتغال إلى نسخة أكثر توازنا. لا يمكنها أن تمنح إسبانيا السيطرة الطويلة، ولا أن تترك الوسط الإسباني يدير المباراة بإيقاعه. كما ستحتاج إلى قرار واضح في مركز المهاجم: هل يبدأ رونالدو باعتباره قائد الحلم، أم يمنح مارتينيز مساحة أكبر لغونسالو راموس بعد هدفه الحاسم؟