story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

زينب خروبي وتجريم التعبير الرقمي

ص ص

لا تختزل قضية الناشطة زينب خروبي في رقم ملف قضائي، ولا في منشورات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي. إنها شابة مغربية اختارت أن تكون حاضرة في النقاش العمومي، وأن تعبر عن آرائها وقناعاتها بشأن القضايا التي ترى أنها تهم مجتمعها وبلدها. وقد يكون هذا، في حد ذاته، أكثر ما يميز مسارها: أنها تنتمي إلى جيل لم يعد يكتفي بدور المتفرج، بل يسعى إلى أن يكون جزءا من النقاش العام، ومن صناعة الرأي، ومن مساءلة الواقع.
ومن هنا بالضبط تنبع أهمية قضيتها. فالأمر لا يتعلق فقط بشابة وجدت نفسها أمام القضاء بسبب ما نشرته على الفضاء الرقمي، بل يتعلق أيضا بجيل كامل وجد في وسائل التواصل الاجتماعي مجالا للتعبير والمشاركة والتأثير. جيل تشكل وعيه السياسي والاجتماعي خارج الأطر التقليدية، وجعل من الهاتف الذكي ومنصات التواصل امتدادا للمجال العمومي، وساحة يمارس فيها حقه في الكلام والنقد والاحتجاج.

لهذا السبب، يصعب النظر إلى قضية زينب خروبي باعتبارها مجرد ملف قضائي عادي. فبقدر ما ترتبط بوقائع محددة تخضع لتقدير القضاء، فإنها تثير في الوقت نفسه أسئلة أوسع تتعلق بموقع الحرية في العصر الرقمي، وبالحدود الفاصلة بين التعبير والتجريم، وبين الحق في المشاركة في النقاش العمومي وسلطة الدولة في حماية النظام العام.

لقد عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة في طبيعة المجال العمومي. فلم تعد الصحافة والأحزاب والنقابات وحدها تنتج النقاش العام أو تؤطره، بل برزت فضاءات جديدة مفتوحة وسريعة التأثير أتاحت لمئات الآلاف من الشباب التعبير عن آرائهم خارج الوسائط التقليدية. وأصبح الفضاء الرقمي، بالنسبة إلى فئات واسعة من المواطنات والمواطنين، المكان الذي تناقش فيه القضايا العامة، وتصاغ فيه المواقف، وتبنى من خلاله أشكال جديدة من المشاركة المواطنة.

غير أن هذا التحول لم يخل من التوترات. فكلما اتسعت مساحة التعبير، برزت أسئلة جديدة حول حدودها. وكلما توسع المجال الرقمي، ازدادت الحاجة إلى تحديد العلاقة بين الحرية والمسؤولية، وبين الحق في التعبير ومتطلبات النظام العام. وهي أسئلة مشروعة في أي مجتمع ديمقراطي. لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح القانون الجنائي الأداة الرئيسية للإجابة عنها.

فالقانون الجنائي ليس قانونا عاديا. إنه أخطر أدوات الدولة وأكثرها مساسا بالحريات الفردية. ولهذا السبب حرص الفكر القانوني الحديث على أن يظل تدخله محكوما بضوابط صارمة، وأن يبقى الملاذ الأخير لا الوسيلة الأولى. فالأصل في دولة الحق والقانون هو الحرية، أما التجريم فيبقى استثناء يفسر تفسيرا ضيقا، ولا يجوز التوسع فيه أو القياس عليه.

ومن هذا المنطلق تطرح قضية زينب خروبي نقاشا قانونيا وحقوقيا بالغ الأهمية حول الفصل 299-1 من القانون الجنائي المتعلق بالتحريض على ارتكاب الجرائم والجنح بواسطة الوسائط الإلكترونية.

لا خلاف حول حق الدولة في مواجهة الدعوات الصريحة إلى العنف أو ارتكاب الأفعال الإجرامية. فهذا واجب تفرضه حماية المجتمع والنظام العام. لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمشروعية تجريم التحريض، بل بكيفية تعريفه وحدوده القانونية الدقيقة.

فالتحريض، في معناه الجنائي، ليس مجرد خطاب غاضب، وليس مجرد انتقاد للسياسات العمومية، وليس مجرد دعوة إلى الاحتجاج أو التعبير عن الرفض أو الاستياء. التحريض يفترض وجود دعوة مباشرة وواضحة ومحددة إلى ارتكاب فعل مجرم، كما يفترض وجود علاقة حقيقية بين الخطاب المنشور وبين الخطر الذي يراد منعه. أما إذا اتسع مفهوم التحريض إلى الحد الذي يستوعب أشكالا واسعة من التعبير السياسي أو الاجتماعي، فإننا نكون أمام خطر يتجاوز القضية الفردية ليطال جوهر الأمن القانوني نفسه.

فالأمن القانوني لا يعني فقط وجود نصوص قانونية، بل يعني أيضا قدرة المواطن على معرفة ما هو مباح وما هو ممنوع بشكل واضح وقابل للتوقع. وعندما تصبح الحدود بين التعبير والتحريض ضبابية أو رهينة لتأويلات متباينة، فإن ممارسة الحرية نفسها تصبح محفوفة بالشك والخوف.

ولهذا السبب لا يمكن فصل النقاش الذي تثيره قضية زينب خروبي عن المرجعية الدستورية والحقوقية التي التزم بها المغرب. فالفصل 25 من الدستور يضمن حرية الفكر والرأي والتعبير بكل أشكالها، كما أن المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تكفل لكل إنسان الحق في التعبير عن آرائه ونقل أفكاره وتلقي المعلومات دون تدخل.

ولم تكتف المنظومة الدولية بإقرار هذا الحق، بل وضعت شروطا دقيقة لأي قيد يمكن أن يرد عليه. فقد أكدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، أن حرية التعبير تشمل أيضا الآراء التي قد تزعج أأو تصدم، وأن قيمتها الحقيقية تظهر تحديدا عندما يتعلق الأمر بالأفكار المخالفة أو غير المريحة، لا عندما يتعلق الأمر بالآراء التي تحظى بالإجماع.

كما شددت اللجنة على أن أي تقييد لحرية التعبير يجب أن يخضع لاختبار صارم يقوم على ثلاثة معايير أساسية: الشرعية، والضرورة، والتناسب. أي أن يكون التقييد منصوصا عليه بوضوح في القانون، وأن يكون ضروريا لتحقيق هدف مشروع، وأن يكون متناسبا مع ذلك الهدف، بحيث لا تتجاوز القيود ما تقتضيه الحاجة الفعلية لحماية المصلحة العامة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي تجعلنا قضية زينب خروبي نطرحه من جديد: ما هو الحد الذي ينبغي أن يتوقف عنده القانون الجنائي عندما يتعلق الأمر بالتعبير؟

إن التجارب الديمقراطية المعاصرة أظهرت أن استقرار المجتمعات لا يتحقق بتوسيع دائرة التجريم، وإنما بتوسيع دائرة الثقة. فالمجال العمومي الحي لا يبنى بالصمت، بل بالنقاش. ولا تصان الديمقراطية بإقصاء الأصوات المختلفة، بل بإتاحة المجال لها للتعبير في إطار القانون. أما اللجوء المفرط إلى العقاب الجنائي في قضايا التعبير، فإنه يحمل دائما خطرا يتمثل في خلق أثر ردعي يتجاوز الشخص المعني إلى مجموع المواطنين.ات، حيث يصبح الخوف من المتابعة عاملا مؤثرا في ممارسة الحق في التعبير.

ولذلك فإن القيمة الحقيقية لقضية زينب خروبي لا تكمن فقط في الوقائع المرتبطة بها، ولا في الحكم الصادر بشأنها، بل في الأسئلة التي تفرضها على المجتمع والدولة معا. إنها مناسبة للتفكير في مستقبل الحريات الرقمية بالمغرب، وفي طبيعة العلاقة التي نريد بناءها بين القانون والحرية، وبين سلطة الدولة وحق المواطنين.ات في اتعبير.

ففي النهاية، لا يتعلق الأمر بزينب خروبي وحدها. يتعلق بصورة المغرب الذي نريده لأنفسنا. مغرب يحصن نظامه العام بالقانون، لكنه يحصن حرياته أيضا بالقانون. مغرب يدرك أن حماية المجتمع لا تكون على حساب الحقوق، وأن قوة المؤسسات لا تقاس بقدرتها على معاقبة الكلمة، بل بقدرتها على استيعاب الاختلاف وإدارته في إطار دولة الحق والقانون.

وبين هذين الأفقين يتحدد، في العمق، معنى الحرية في العصر الرقمي. وتلك هي القضية الحقيقية التي تضعها زينب خروبي اليوم أمامنا جميعا.