الساعة القانونية بالمغرب.. لماذا يعتبرها خبراء الصحة قضية تتجاوز مجرد تقديم أو تأخير الساعة؟
بالزامن ممع اتخاذ الحكومة لقرار التخلي عن الساعة الإضافية شهر شتنبر المقبل، والعودة رسميا للساعة القانونية للمملكة، عاد الحديث حول هذا التغيير في التوقيت المعتمد للواجهة، حيث أنه لم يعد النقاش حول الساعة القانونية في المغرب يقتصر على مسألة تقديم أو تأخير عقارب الساعة، بل بات يطرح باعتباره ملفا يمس الصحة العامة وجودة الحياة، إلى جانب انعكاساته على المدرسة والاقتصاد والنقل والسلامة الطرقية.
وفي هذا السياق، يرى الطبيب والباحث في السياسات والأنظمة الصحية، الدكتور الطيب حمضي، أن اختيار نظام التوقيت ينبغي أن يستند إلى معايير علمية تأخذ بعين الاعتبار الإيقاع البيولوجي للإنسان، وليس فقط الاعتبارات الاقتصادية أو الإدارية.
التوقيت القانوني.. قرار يتجاوز عقارب الساعة
يوضح حمضي أن نظام التوقيت يؤثر بشكل مباشر في مختلف مناحي الحياة، بدءا من الصحة والتعليم وصولا إلى العمل الفلاحي والنقل والبيئة. ويشير إلى أن العالم يعتمد ثلاثة أنظمة رئيسية، تتمثل في التوقيت الشتوي الدائم، والتوقيت الصيفي الدائم، أو تغيير الساعة مرتين في السنة.
وبحسبه، فإن الدراسات العلمية في مجال البيولوجيا الزمنية تتفق على أن التوقيت الشتوي الدائم هو الأكثر انسجاما مع الساعة البيولوجية للإنسان، لأنه يضمن التعرض الطبيعي لضوء الصباح، في حين يفرض التوقيت الصيفي الدائم فارقا مستمرا مع التوقيت الشمسي، بينما يعد تغيير الساعة مرتين سنويا الأقل ملاءمة صحيا بسبب الاضطراب الذي يسببه للجسم.
الساعة البيولوجية.. مفتاح النوم والتركيز والصحة
ويشرح الباحث أن جسم الإنسان يعمل وفق ساعة بيولوجية داخلية تمتد لحوالي أربع وعشرين ساعة، ويتم تصحيحها يوميا عبر التعرض لضوء الصباح، وهو ما يسمح بتنظيم النوم واليقظة ودرجة حرارة الجسم والشهية والتركيز والمزاج والإفرازات الهرمونية.
ويؤكد أن هرمون “الميلاتونين”، المسؤول عن تنظيم النوم، يتأثر مباشرة بالضوء، إذ يرتفع مع حلول الظلام وينخفض مع بزوغ النهار، وهو ما يجعل توافق التوقيت الرسمي مع الدورة الطبيعية للشمس عنصرًا أساسيًا للحفاظ على التوازن البيولوجي.
الأطفال والعمال.. الأكثر تأثرا باختلال التوقيت
ويحذر حمضي من أن عدم الانسجام بين التوقيت الرسمي والتوقيت الشمسي قد يؤدي إلى صعوبة الاستيقاظ، وتأخر النوم، ونقص ساعات الراحة، والتعب الصباحي، وضعف التركيز، وتراجع اليقظة.
ويبرز أن الأطفال والمراهقين يعدون الفئة الأكثر تأثرا، بالنظر إلى طبيعة إيقاعهم البيولوجي، خاصة عندما يضطرون إلى الالتحاق بالمؤسسات التعليمية قبل شروق الشمس، الأمر الذي قد ينعكس على التحصيل الدراسي والانتباه والسلوك داخل الفصول الدراسية.
كما تمتد هذه التأثيرات إلى العمال والموظفين والسائقين والفلاحين ومستعملي وسائل النقل العمومي، حيث يرفع بدء الأنشطة اليومية في الظلام من مخاطر حوادث السير وحوادث الشغل.
التوقيت الصيفي.. هل لا زالا مبرراته قائمة؟
ورغم إقراره بأن التوقيت الصيفي يوفر ساعة إضافية من الإضاءة في نهاية اليوم، بما يدعم بعض الأنشطة التجارية والسياحية والترفيهية، يرى حمضي أن المبرر التاريخي المرتبط بتوفير الطاقة فقد جزءا كبيرا من وجاهته.
ويعزو ذلك إلى تغير أنماط استهلاك الطاقة، حيث أصبحت الإضاءة أقل استهلاكا بفضل التقنيات الحديثة، بينما باتت المكيفات والأجهزة الإلكترونية ووسائل النقل والتدفئة تمثل الحصة الأكبر من الاستهلاك، ما يجعل المكاسب الاقتصادية للتوقيت الصيفي تختلف من بلد إلى آخر.
التجربة الأوروبية.. قرار مؤجل رغم الاتفاق
ويستحضر الطبيب تجربة الاتحاد الأوروبي، الذي قرر منذ سنة 2019 إنهاء العمل بنظام تغيير الساعة مرتين في السنة، غير أن القرار لم يدخل حيز التنفيذ بسبب استمرار الخلاف بين الدول حول اعتماد التوقيت الصيفي أو الشتوي بشكل دائم، إضافة إلى هواجس التنسيق بين الدول المجاورة.
ويعتبر أن هذه التجربة تؤكد أن ملف الساعة القانونية لا تحكمه الاعتبارات الصحية وحدها، وإنما يتداخل فيه أيضًا البعد الاقتصادي والجغرافي والاجتماعي.
لماذا يعتبر التوقيت الشتوي الأنسب للمغرب؟
ويخلص حمضي إلى أن خصوصيات المغرب تجعل التوقيت الشتوي الخيار الأكثر انسجاما مع الواقع الوطني، بالنظر إلى وجود قاعدة مدرسية واسعة، واعتماد جزء مهم من النشاط الاقتصادي على الفلاحة والعمل الصباحي والتنقلات المبكرة.
كما يشدد على أن توفير الضوء الطبيعي خلال ساعات الصباح من شأنه تحسين جودة النوم ومستوى اليقظة، وتعزيز السلامة الطرقية، وتقليل الآثار السلبية للاستيقاظ في الظلام، مع إمكانية التخفيف من أي انعكاسات محتملة على المبادلات الاقتصادية الدولية من خلال إجراءات تنظيمية مناسبة.