11 دقيقة أجهضت الحلم.. كيف ضاع تأهل المغرب إلى ثمن نهائي مونديال 1998؟
في مساء 23 يونيو 1998، كان المنتخب المغربي على بعد دقائق قليلة من تحقيق ثاني تأهل له إلى الدور الثاني في تاريخ مشاركاته بكأس العالم -بعد التأهل الأول في مونديال مكسيكو 1986- فبعد تعادل إيجابي في المباراة الافتتاحية أمام النرويج بـ 2-2، وخسارة قاسية أمام البرازيل في المباراة الثانية بـ 0-3، دخل “أسود الأطلس” مباراتهم الثالثة أمام اسكتلندا وهم يدركون أن الفوز وحده لا يكفي، وإن كان بحصة عريضة، بل عليهم انتظار هزيمة النرويج أمام البرازيل في المباراة الأخرى عن نفس المجموعة.
ومع اقتراب منافسات الجولة الأخيرة من نهايتها، بدا أن كل الشروط المطلوبة قد تحققت، المغرب يتقدم بثلاثية نظيفة أمام اسكتلندا، والبرازيل تتفوق على النرويج بهدف دون رد، و في تلك اللحظة كان المنتخب المغربي متأهلا رسميا إلى الدور الثاني برصيد أربع نقاط خلف البرازيل المتصدرة.
لكن ما حدث في الدقائق الأخيرة في ملعب فيلودروم بمدينة مارسيليا غير كل شيء. هدف للتعادل سجلته النرويج، ثم ضربة جزاء متأخرة منحتها الفوز، ليخرج المغرب من البطولة رغم تحقيقه انتصارا عريضا بثلاثية نظيفة على اسكتلندا. ومنذ ذلك المساء، تحولت مباراة البرازيل والنرويج إلى واحدة من أكثر المباريات إثارة للجدل في الذاكرة الرياضية المغربية.
المغرب يكتب إنجازه
دخل المنتخب المغربي بقيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشيل مباراة اسكتلندا وهو يحتل المركز الثالث في المجموعة بنقطة واحدة، خلف النرويج صاحبة النقطتين والبرازيل المتصدرة بست نقاط. أما اسكتلندا فكانت تمتلك نقطة واحدة هي الأخرى، ما جعل فرص جميع المنتخبات، باستثناء البرازيل، مفتوحة على مختلف الاحتمالات.
وقد اعتمد هنري ميشيل على جيل اعتبره كثيرون من أفضل الأجيال التي حملت القميص الوطني، بقيادة العميد ونور الدين النيبت، ويوسف شيبو، ومصطفى حجي، وصلاح الدين بصير، وعبد الجليل هدا الملقب بـ”كماتشو”، وكان المنتخب المغربي مطالبا بالفوز وانتظار هدية برازيلية في المباراة الثانية.
في ملعب جوفري غيشار بمدينة سانت إيتيان، فرض المغاربة سيطرتهم منذ البداية وفي الدقيقة الثانية والعشرين افتتح صلاح الدين بصير التسجيل، مانحا المنتخب أفضلية مبكرة عكست تفوقه الفني والبدني على منافسه الاسكتلندي.
ومع انطلاق الشوط الثاني، عزز عبد الجليل هدا النتيجة بهدف ثان في الدقيقة 46، قبل أن يعود بصير ويوقع هدفه الثالث للمغرب في الدقيقة 85، وبذلك أنهى المنتخب المغربي المباراة فائزا بثلاثية نظيفة، في واحدة من أفضل عروضه في تاريخ كأس العالم.
ولم يكن الفوز بثلاثية نظيفة مجرد نتيجة عابرة، إذ رفع المغرب رصيده إلى أربع نقاط ووضعه مؤقتا في المركز الثاني للمجموعة، قبل أن تتغير الحسابات في الدقائق الأخيرة من مواجهة البرازيل والنرويج.
احتفالات قبل الأوان
في الوقت الذي كان فيه المنتخب المغربي ينجز مهمته أمام اسكتلندا، كانت الأنظار تتجه إلى ملعب فيلودروم بمارسيليا حيث واجهت البرازيل منتخب النرويج.
دخلت البرازيل المباراة وقد ضمنت التأهل سلفا بعد انتصارين على اسكتلندا والمغرب، غير أن تشكيلتها ضمت أسماء وازنة يتقدمها الظاهرة رونالدو نزاريو دي ليما، بيبيتو، ريفالدو، دونغا، وليوناردو، ما جعل أغلب المتابعين يستبعدون إمكانية سقوطها أمام منتخب لم يحقق أي فوز في أول مباراتين.
طوال أغلب فترات اللقاء، بدت الأمور تسير وفق المنطق الرياضي. النرويج عجزت عن فرض سيطرتها، فيما نجحت البرازيل في الوصول إلى مرمى منافستها. وفي الدقيقة 78 سجل بيبيتو هدف التقدم البرازيلي، وهو الهدف الذي غيّر ترتيب المجموعة بالكامل.
وفي تلك اللحظة تحديدا، أصبح ترتيب المجموعة يمنح البرازيل الصدارة بتسع نقاط، والمغرب المركز الثاني بأربع نقاط، بينما بقي رصيد النرويج في حدود نقطتين فقط، و كان المنتخب المغربي متأهلا إلى ثمن النهائي قبل 12 دقيقة فقط من نهاية المنافسات.
بدأت الجماهير المغربية تتابع الدقائق الأخيرة بترقب شديد وساد شعور واسع بأن التأهل بات قريبا، فبعد سنوات من الغياب عن الأدوار المتقدمة، بدا أن المنتخب الوطني نجح أخيرا في تجاوز الدور الأول للمرة الأولى منذ مشاركة المكسيك سنة 1986.
ست دقائق قلبت المجموعة
لم تستمر فرحة المغاربة طويلا. فبعد خمس دقائق فقط من هدف بيبيتو، نجح المهاجم النرويجي توري أندريه فلو في إدراك التعادل في الدقيقة 83، معيدا منتخب بلاده إلى سباق التأهل. ورغم وقع الهدف، لم تتغير وضعية المغرب في جدول الترتيب، إذ بقي متقدما على النرويج بنقطة واحدة، ما جعل كثيرا من الجماهير تعتقد أن بطاقة العبور لا تزال في المتناول.
ومع اقتراب المباراة من نهايتها، كانت الأنظار معلقة بالدقائق الأخيرة في ملعب فيلودروم، النرويج اندفعت إلى الهجوم بحثا عن هدف ثان، بينما بدا المنتخب البرازيلي أقل صلابة مما كان عليه طوال فترات المباراة. ومع اقتراب الدقائق الأخيرة من عمر المباراة، لم يكن ما يوحي بأن حسابات المجموعة ستنقلب رأسا على عقب.
غير أن الدقيقة 89 حملت اللحظة التي غيرت مصير المجموعة بأكملها، حيث احتسب الحكم الأمريكي إساغول ضربة جزاء لصالح النرويج إثر احتكاك بين المدافع البرازيلي جونيور بايانو والمهاجم توري أندريه فلو داخل منطقة الجزاء، في قرار أثار كثيرا من الجدل آنذاك.
وتقدم كيتيل ريكدال لتنفيذ الركلة، قبل أن يودع الكرة في الشباك معلنا تقدم النرويج بهدفين لواحد. وفي لحظة واحدة، انتقلت النرويج إلى المركز الثاني بخمس نقاط، بينما تراجع المغرب إلى المرتبة الثالثة رغم فوزه العريض على اسكتلندا.
هكذ، وبين هدف بيبيتو في الدقيقة 78 وركلة ريكدال في الدقيقة 89، انهار حلم التأهل الذي بدا قريبا من التحقق، أحد عشر دقيقة فقط كانت كافية لتحويل المغرب من منتخب يحتفل ببلوغ ثمن النهائي إلى منتخب يودع المنافسة، في واحدة من أكثر النهايات قسوة في تاريخ مشاركاته بكأس العالم.
لغز مارسيليا المستمر
منذ صافرة النهاية، لم تتوقف الأسئلة حول ما جرى في ملعب فيلودروم بمدينة مارسيليا. فبالنسبة إلى كثير من المغاربة، بدا من الصعب استيعاب كيف تمكن منتخب النرويج، الذي دخل الجولة الأخيرة دون أي انتصار في البطولة، من قلب تأخره أمام البرازيل إلى فوز منحه بطاقة التأهل في الدقائق الأخيرة.
وزادت ظروف المباراة من حجم الشكوك. فالبرازيل كانت قد ضمنت التأهل إلى الدور الثاني وصدارة المجموعة بعد انتصارين على اسكتلندا والمغرب، وهو ما دفع بعض المتابعين إلى الاعتقاد بأن المنتخب اللاتيني خاض المباراة بأقل قدر من الجدية.
غير أن تفاصيل اللقاء تكشف صورة أكثر تعقيدا. فالمدرب ماريو زاغالو لم يعتمد على فريق احتياطي، بل أشرك عددا من أبرز نجومه، من بينهم رونالدو وبيبيتو وريفالدو ودونغا وكافو وروبرتو كارلوس والحارس تافاريل، كما أن المنتخب البرازيلي أكمل المباراة دون إجراء أي تغيير طوال التسعين دقيقة.
ورغم ذلك، أثارت النهاية الدرامية للمواجهة كثيرا من التساؤلات. فبعدما منح بيبيتو التقدم للبرازيل في الدقيقة 78، وهو الهدف الذي وضع المغرب مؤقتا في ثمن النهائي، تلقت شباك “السيليساو” هدف التعادل في الدقيقة 83 عبر توري أندريه فلو، قبل أن يحتسب الحكم الأمريكي إساغول ضربة جزاء للنرويج في الدقيقة 89 سجل منها كيتيل ريكدال هدف التأهل.
ولم يقتصر الجدل على المغرب وحده، بل تناولت وسائل إعلام دولية آنذاك مفاجأة سقوط البرازيل أمام النرويج، خصوصا أن المنتخب البرازيلي كان أحد أبرز المرشحين للتتويج باللقب، كما أثارت ضربة الجزاء المتأخرة نقاشا واسعا بالنظر إلى توقيتها الحاسم وتأثيرها المباشر على هوية المنتخب المتأهل إلى الدور الثاني.
لكن، وعلى الرغم من استمرار هذه الرواية في الذاكرة الجماعية المغربية، فإن الوقائع الرسمية لم تقدم أي دليل يثبت وجود تواطؤ أو اتفاق مسبق بين المنتخبين، بحيث لم يفتح الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” أي تحقيق في المباراة، كما لم تصدر خلال السنوات اللاحقة اعترافات أو وثائق أو شهادات تؤكد صحة الاتهامات التي رافقت اللقاء.