مونديال 2026.. الجزائر تعود من بعيد وتُنهي حلم الأردن
قلب المنتخب الجزائري تأخره أمام الأردن إلى فوز ثمين بهدفين مقابل هدف، في مباراة عربية خالصة ضمن الجولة الثانية من منافسات المجموعة العاشرة لكأس العالم 2026، جرت على أرضية ملعب سان فرانسيسكو باي أرينا في سانتا كلارا.
فوز أعاد الجزائر إلى سباق التأهل، ومنحها ثلاث نقاط ضرورية بعد خسارتها المباراة الأولى أمام الأرجنتين، بينما أنهى عمليا حلم المنتخب الأردني في مواصلة مغامرته العالمية الأولى، قبل جولة من نهاية دور المجموعات.
لم تكن المباراة سهلة على أي من الطرفين. الأردن دخل المواجهة وهو يعرف أن خسارة ثانية ستعني نهاية شبه مؤكدة للمشوار، بعد سقوطه في الجولة الأولى أمام النمسا. والجزائر دخلت تحت ضغط لا يقل قسوة، بعدما خسرت بثلاثية أمام الأرجنتين، ووجدت نفسها مطالبة بالفوز لا فقط من أجل النقاط، بل من أجل استعادة صورتها وثقتها قبل مباراة حاسمة أمام النمسا.
انتهى الشوط الأول بتقدم أردني عبر نزار الرشدان، قبل أن يغير المنتخب الجزائري وجه المباراة في الشوط الثاني. دفع فلاديمير بيتكوفيتش بنذير بن بوعلي ونبيل بن طالب بين الشوطين، ورفع المنتخب الجزائري نسقه، ليستثمر كرتين ثابتتين ويقلب النتيجة: رأسية بن بوعلي من ركنية رياض محرز، ثم هدف أمين غويري من ارتباك داخل منطقة الجزاء بعد ركنية أخرى.
مباراة تحت ضغط الإقصاء
قبل صافرة البداية، كانت الحسابات واضحة إلى حد القسوة. لا الأردن ولا الجزائر يملكان ترف التعادل. المنتخب الأردني، في ظهوره الأول بكأس العالم، كان يبحث عن أول نقطة أو أول انتصار يحفظ به حظوظه ويمنح تجربته معنى تنافسيا أكبر. أما الجزائر، فكانت مطالبة بإظهار رد فعل حقيقي بعد خسارة أمام الأرجنتين، لأن هزيمة ثانية كانت ستضعها هي أيضا أمام سيناريو بالغ التعقيد.
لهذا، لم تكن المباراة مجرد مواجهة عربية في كأس العالم، بل كانت مباراة على البقاء. ومع هذا النوع من المباريات، غالبا ما يكون الجانب الذهني حاسما بقدر الجانب الفني. من ينجح في التحكم في القلق، وفي تحويل الضغط إلى تركيز، تكون له الأفضلية.
اختار الأردن أن يلعب بكتلة دفاعية منظمة، مع الاعتماد على التحولات السريعة، خصوصا عبر موسى التعمري وعلي علوان، وعلى قدرة نزار الرشدان على الاندفاع من الوسط.
أما الجزائر، فقد دخلت وهي تريد السيطرة أكثر على الكرة، مستفيدة من عودة رياض محرز إلى التشكيل الأساسي وحمله شارة القيادة، في محاولة لإعادة التوازن والخبرة إلى الخط الأمامي.
بدت خطة الأردن واضحة في الشوط الأول. إغلاق المساحات، وتضييق العمق، وعدم ترك ممرات سهلة أمام محرز وغويري وبقية عناصر الهجوم الجزائري.
لم يذهب المنتخب الأردني إلى ضغط عالٍ دائم، لكنه كان منظما في مناطقه، وحاول أن يجعل الجزائر تلعب بعرض الملعب أكثر من العمق.
في المقابل، امتلكت الجزائر الكرة نسبيا، لكنها لم تجد دائما الحلول أمام التكتل الأردني. حاول محرز الدخول في اللعب، وتحرك بين الطرف والعمق، كما استفاد من بعض التمريرات الطويلة خلف الدفاع.
لكن يزيد أبو ليلى، حارس الأردن، كان حاضرا في لحظات مهمة، خصوصا عندما تدخل أمام محاولة مبكرة لمحرز، ومنح دفاعه جرعة ثقة.
في الدقيقة 36، نجح الأردن في ترجمة فكرته. خطأ جزائري في الخروج بالكرة، ثم هجمة سريعة، وتسديدة من موسى التعمري تحولت في اتجاه نزار الرشدان، الذي سدد مباشرة في الزاوية، مانحا منتخب الأردن تقدما ثمينا. لم يكن الهدف مجرد لقطة حظ، بل نتيجة ضغط تكتيكي غير مباشر: حين تدافع جيدا وتجبر الخصم على التسرع، يمكنك أن تصنع لحظتك.
وضع هذا الهدف الجزائر أمام اختبار صعب. الفريق الذي دخل تحت ضغط خسارة أولى وجد نفسه متأخرا أمام منتخب يعرف كيف يدافع. في المقابل، منح الهدف الأردن سيناريو مثاليا: التقدم، ثم محاولة إدارة المباراة من كتلة دفاعية أعمق.
الجزائر بين الاستحواذ والعجز
رغم التأخر، لم تفقد الجزائر الكرة أو السيطرة الشكلية على المباراة، لكنها عانت قبل الاستراحة في تحويل الاستحواذ إلى فرص واضحة. كان هناك حضور فردي لمحرز، ومحاولات من بوعناني وبوداوي، لكن الإيقاع ظل في كثير من اللحظات بطيئا، ما منح الأردن فرصة لإعادة تنظيم صفوفه بعد كل هجمة.
كانت المشكلة الجزائرية في الشوط الأول في اللمسة الأخيرة، وفي طريقة دخول منطقة الجزاء. احتاج الفريق إلى لاعب يربط بين الوسط والهجوم، وإلى حضور أكبر داخل الصندوق، لأن الكرات العرضية أو التمريرات الطرفية لم تكن تجد دائما من ينهيها.
كما أن الهدف الأردني كشف هشاشة في لحظات فقدان الكرة. عندما تحاول الجزائر بناء اللعب من الخلف أو من الوسط، فإن أي تمريرة خاطئة أمام فريق سريع في التحول تصبح خطرا مباشرا. وهذا ما حدث في لقطة الهدف.
بين الشوطين، جاء التدخل الحاسم من الجهاز الفني الجزائري. دخول نبيل بن طالب منح الوسط قدرا أكبر من التوازن والخبرة، ودخول نذير بن بوعلي منح الهجوم حضورا بدنيا داخل منطقة الجزاء. لم تكن التغييرات شكلية، بل غيرت طبيعة ضغط الجزائر.
بدا المنتخب الجزائري بعد الاستراحة أكثر سرعة في تدوير الكرة، وأكثر إصرارا على الاقتراب من منطقة الجزاء الأردنية. لم يعد الفريق يكتفي بالاستحواذ الهادئ، بل بدأ يضغط عبر الأطراف، ويبحث عن الركلات الركنية والكرات الثابتة، وهي المساحة التي حسمت المباراة لاحقا.
الأردن من جهته بدأ يتراجع أكثر، وهذا كان مفهوما من حيث النتيجة، لكنه حمل خطرا واضحا. فالتراجع الطويل أمام فريق يملك محرز في تنفيذ الكرات الثابتة، وغويري وبن بوعلي داخل الصندوق، يعني فتح باب الضغط المتكرر. ومع كل ركنية، كان القلق الأردني يتزايد.
الكرات الثابتة تنقذ الجزائر
في الدقيقة 69، حصلت الجزائر على هدف التعادل عبر نذير بن بوعلي، بعد ركنية نفذها رياض محرز بدقة. ارتقى المهاجم البديل وسط مدافعي الأردن، وحول الكرة برأسية إلى الشباك، ليعيد المباراة إلى نقطة البداية.
كان هذا الهدف ثمرة مباشرة لقرار بيتكوفيتش. دخل بن بوعلي ليمنح الجزائر حضورا داخل المنطقة، وفعل ذلك تماما. كما أن تمريرة محرز من الركنية أكدت أن عودته إلى التشكيل الأساسي لم تكن تفصيلا. لم يسجل، لكنه كان مؤثرا في أكثر من لقطة، وخصوصا في الكرات الثابتة.
بالنسبة للأردن، كان التعادل ضربة نفسية واضحة. الفريق الذي صمد طويلا وجد نفسه أمام مباراة مفتوحة من جديد، بينما فقد جزءا من أفضلية الشوط الأول. ومع ذلك، لم ينهَر مباشرة، وحاول أن يحافظ على توازنه، لكنه أصبح تحت ضغط متزايد.
بعد التعادل، صار واضحا أن الجزائر وجدت مفتاح المباراة. وفي الدقيقة 82، جاءت الضربة الثانية. ركنية نفذها البديل أنيس حاج موسى، حدث ارتباك داخل المنطقة، وارتداد للكرة بعد لمسة من نزار الرشدان، قبل أن يتابعها أمين غويري داخل المرمى. هكذا تحولت الكرات الثابتة إلى السلاح الأهم للجزائر، وإلى نقطة الضعف الأكثر كلفة للأردن.
لم يكن هدف غويري جميلا بالمعنى الفني، لكنه كان هدفا بالغ الأهمية. في مثل هذه المباريات، لا تُقاس الأهداف بجمالها، بل بوزنها في الحسابات. وهذا الهدف أعاد الجزائر إلى الحياة، وترك الأردن أمام دقائق أخيرة صعبة، وهو يدرك أن حلمه المونديالي يبتعد بسرعة.
الأردن يدفع ثمن التفاصيل
قدم المنتخب الأردني مباراة محترمة من حيث التنظيم والانضباط، خصوصا في الشوط الأول. عرف كيف يغلق المساحات، وكيف يهاجم في اللحظة المناسبة، وكيف يستثمر خطأ جزائريا ليسجل هدفا منظم البناء وسريع التنفيذ. لكن كرة القدم في كأس العالم لا ترحم التفاصيل الصغيرة.
لم يخسر الأردن لأنه كان غائبا، بل لأنه لم يستطع حماية تقدمه، ولم يتعامل بما يكفي من الصلابة مع الكرات الثابتة. الهدفان الجزائريان جاءا من ركنيتين، وهذا يعني أن المباراة لم تحسم فقط في الاستحواذ أو الهجمات المفتوحة، بل في التمركز داخل منطقة الجزاء، وفي القدرة على ربح الصراعات الهوائية، وفي التعامل مع الكرة الثانية.
كما أن الأردن، بعد التقدم، وجد صعوبة في الخروج بالكرة. الاعتماد على المرتدات كان مفهوما، لكنه لم يكن كافيا لتخفيف الضغط. عندما تدافع طويلا دون أن تهدد مرمى الخصم بانتظام، تمنح المنافس فرصة لتجميع الهجمات، ثم الأخطاء، ثم الكرات الثابتة.
أما بالنسبة للجزائر، فقد كان الفوز ضروريا بعد خسارة الأرجنتين. لم يكن الأداء مثاليا في الشوط الأول، ولم تكن المباراة سهلة، لكن الفريق أظهر في الشوط الثاني قدرة على التعديل، والضغط، والعودة من التأخر. وهذا عنصر مهم في بطولة قصيرة مثل كأس العالم.
عودة محرز إلى التشكيلة منحت الجزائر خبرة وهدوءا في لحظات حساسة. صحيح أنه أهدر فرصا أو لم يحسم من اللعب المفتوح، لكنه كان حاضرا في قيادة الهجمات وتنفيذ الركنيات، وصنع الهدف الأول بطريقة مباشرة. كما أن البدلاء لعبوا دورا واضحا، خصوصا بن بوعلي وحاج موسى، ما يمنح بيتكوفيتش مؤشرات إيجابية قبل المواجهة الحاسمة أمام النمسا.
وبهذا الفوز، رفعت الجزائر رصيدها إلى ثلاث نقاط، لتتساوى مع النمسا، بينما ضمنت الأرجنتين موقعا قويا في الصدارة بعد فوزها على النمسا.
ستكون الجولة الأخيرة حاسمة للجزائر، التي ستواجه النمسا في مباراة مباشرة على العبور أو على الأقل تحسين موقعها ضمن حسابات أفضل أصحاب المركز الثالث.
لهذه المواجهة المقبلة بين الجزائر والنمسا بعد تاريخ رمزي لا يمكن تجاهله. ذاكرة مونديال 1982، وما عرف لاحقا بفضيحة خيخون، ستعود حتما إلى الواجهة. الجزائر ستدخل المباراة وهي تعرف أن الفوز يمكن أن يمنحها عبورا مستحقا، وأن الخسارة قد تعيدها إلى دوامة الحسابات الصعبة.