من شارع الكفاح إلى أكدال.. ليلة بيضاء في الرباط احتفاء بانتصار “الأسود”
قبل دقائق قليلة من نهاية مباراة حبست الأنفاس بين المنتخب المغربي ونظيره الاسكتلندي، كانت المقاهي الشعبية بشارع الكفاح في حي القامرة بالرباط ممتلئة عن آخرها.
عشرات الشباب والرجال تابعوا الدقائق الأخيرة بعيون مشدودة إلى الشاشات، فيما خيم صمت ثقيل كلما اقتربت الكرة من مرمى ياسين بونو، وكأن الشارع بأكمله يحبس أنفاسه في انتظار صافرة النهاية.
في الداخل، كانت الأنظار كلها معلقة بمباراة بدت أطول من تسعين دقيقة ، فالمغاربة الذين تابعوا اللقاء كانوا يدركون أن المنتخب الوطني لا يدافع فقط عن تقدم ثمين، و إنما عن خطوة كبيرة نحو الدور الموالي من كأس العالم 2026.
وجاءت البداية مثالية لـ”أسود الأطلس”، بعدما نجح إسماعيل الصيباري في هز الشباك بعد 71 ثانية فقط من انطلاق المباراة، مسجلا واحدا من أسرع الأهداف في تاريخ كأس العالم، ومهديا المنتخب المغربي أفضل سيناريو ممكن أمام منتخب اسكتلندي دخل المواجهة منتشيا بفوزه الأول على هايتي.
ورغم أن النتيجة بقيت متوقفة عند هدف وحيد، فإن المنتخب المغربي فرض نفسه على فترات طويلة من اللقاء، مستحوذا على الكرة ومتحكما في نسق المباراة، في أداء وصفته وسائل إعلام دولية بأنه من أكثر العروض اكتمالا للمنتخب المغربي منذ انطلاق البطولة.
لكن الدقائق الأخيرة كانت كافية لرفع منسوب التوتر إلى أقصى درجاته. فمع اندفاع المنتخب الاسكتلندي نحو الهجوم بحثا عن التعادل، تحول كل تدخل دفاعي مغربي إلى مناسبة للتصفيق، وكل كرة مقطوعة إلى لحظة ارتياح جماعي داخل المقاهي.
وفي اللحظة التي أطلق فيها الحكم صافرة النهاية، انفجرت المقاهي بالصراخ والتصفيق ، وقفز بعض المشجعين من أماكنهم، بينما تعانق آخرون وكأن المنتخب حسم بالفعل بطاقة العبور إلى الأدوار الإقصائية.
ولم تمض دقائق قليلة حتى بدأت مفرقعات خفيفة تتردد أصداؤها في شارع الكفاح، بينما تدفق المئات إلى الخارج حاملين الأعلام الوطنية فوق الأكتاف وفي نوافذ السيارات.
وسرعان ما تحولت الشوارع المحيطة إلى فضاء مفتوح للاحتفال. أبواق السيارات لم تتوقف، والدراجات النارية جابت الأزقة وهي ترفع الرايات الحمراء تتوسطها النجمة الخضراء، في مشهد أعاد إلى الأذهان ليالي مونديال قطر 2022.
وفي حي أكدال، حيث تجمعت أيضا أعداد كبيرة من المشجعين لمتابعة المباراة، استمرت مظاهر الاحتفال إلى ما بعد الواحدة صباحا، وسط أجواء غلب عليها الفرح والارتياح بعد انتصار ثمين جعل أسود الأطلس يضعون قدما أولى في الدور الموالي.
فؤاد الحسناوي، أحد المشجعين الذين تابعوا المباراة، قال إن اللقاء “حبس الأنفاس” وتسبب له في ضغط كبير خلال الدقائق الأخيرة، مضيفا أن فرحته بالفوز تضاعفت بسبب الروح القتالية التي أبان عنها اللاعبون حتى آخر لحظة من المباراة.
وأوضح المتحدث نفسه، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن المنتخب المغربي أظهر شخصية قوية أمام منافس عنيد، مؤكدا أن عددا من اللاعبين قدموا مستويات مميزة واستحقوا الإشادة بعد المجهود البدني والذهني الذي بذلوه طوال المواجهة مثل نائل العيناوي.
ولم يكن الفوز على اسكتلندا مجرد انتصار عادي بالنسبة للجماهير المغربية، حيث جاء بعد التعادل اللافت أمام البرازيل في الجولة الأولى، ما عزز شعور المشجعين بأن المنتخب يسير بخطى ثابتة نحو تأكيد مكانته بين المنتخبات القادرة على الذهاب بعيدا في البطولة.
ومع نهاية الجولة الثانية، اعتلى المنتخب المغربي صدارة المجموعة الثالثة بأربع نقاط، واضعا نفسه في موقع مريح قبل مواجهة هايتي في الجولة الأخيرة من دور المجموعات.
وبين مقاهي القامرة وشوارع أكدال، بدا أن انتصارا بهدف واحد كان كافيا ليمنح مدينة بأكملها سببا للسهر، وسببا إضافيا للحلم بمسار جديد يكتبه “أسود الأطلس” في ملاعب المونديال.
وعندما بدأت الشوارع تستعيد هدوءها تدريجيا، بقيت الأعلام المغربية ترفرف فوق بعض السيارات، وبقيت الابتسامات مرسومة على وجوه المشجعين العائدين إلى منازلهم، وكأن الرباط كلها كانت تردد بصوت واحد: الحلم ما زال مستمرا وسيتحقق بالتأكيد.