story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
برلمان |

المحكمة الدستورية تفتح الطريق أمام تفعيل الدفع بعدم الدستورية وتؤطر مسطرة إحالته

ص ص

قضت المحكمة الدستورية في قرارها رقم 264/26 م.د، بمطابقة القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون لأحكام الدستور، مع إبداء تفسيرين ملزمين يتعلقان بالبند الأول من المادة 9 والفقرة الأخيرة من المادة 29، فيما اعتبرت أن عددا من المقتضيات سبق أن بتت في دستوريتها ولا محل لإعادة فحصها من جديد.

وجاء القرار، الذي صدر أمس الاثنين 15 يونيو 2026، عقب إحالة القانون التنظيمي ذاته بمقتضى رسالة من طرف رئيس الحكومة على المحكمة الدستورية بتاريخ 19 ماي 2026، طبقا لمقتضيات الفصل 132 من الدستور، من أجل البت في مطابقته للدستور.

وفي الشق المتعلق بالاختصاص، أكدت المحكمة أنها مختصة بالنظر في القانون التنظيمي المحال إليها استنادا إلى الفقرة الثانية من الفصل 132 من الدستور التي توجب إحالة القوانين التنظيمية على المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها.

وعلى مستوى الشكل والإجراءات، سجلت المحكمة أن مشروع القانون التنظيمي جرى التداول بشأنه داخل المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 19 أكتوبر 2025 طبقا للفصل 49 من الدستور، وأودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب في 24 أكتوبر 2025، ولم يشرع في مناقشته إلا بعد انصرام الأجل الدستوري المحدد في عشرة أيام.

وسجلت أنه وافق عليه مجلس النواب بالأغلبية في جلسته العامة المنعقدة في 13 يناير 2026، قبل أن يصادق عليه مجلس المستشارين بالأغلبية في جلسته العامة المنعقدة بتاريخ 5 ماي 2026، معتبرة أن مسطرة إعداده والتداول فيه والتصويت عليه تمت وفقا لأحكام الفصلين 84 و85 من الدستور.

وأوضحت المحكمة أن القانون التنظيمي المعروض عليها يتكون من 31 مادة موزعة على ستة أبواب، تشمل الأحكام العامة وشروط وإجراءات إثارة الدفع بعدم الدستورية أمام المحاكم وأمام المحكمة الدستورية بمناسبة المنازعات الانتخابية، وكذا مسطرة البت في الدفع وآثار القرارات الصادرة بشأنه والأحكام الختامية.

وأكدت المحكمة أن رقابتها على النص ارتكزت على التحقق من احترام الإجراءات الدستورية المتعلقة بإقرار القوانين التنظيمية، ومن عدم تجاوز المشرع للنطاق الموضوعي المحدد دستوريا لهذا النوع من القوانين أو إغفاله التشريع في بعض المسائل الداخلة فيه، فضلا عن مراقبة مدى احترام حجية قراراتها السابقة المتعلقة بالمقتضيات التي سبق البت فيها.

وفي ما يتعلق بالمادة الأولى والفقرة الأولى من المادة 27، اعتبرت المحكمة أن هذين المقتضيين لا يكتسيان صبغة قانون تنظيمي، لأنهما لا يتضمنان شروطا أو إجراءات تتعلق بمسطرة الدفع بعدم الدستورية، وإنما يقتصران على إعادة التذكير بمقتضيات واردة أصلا في الفصلين 133 و134 من الدستور.

وبخصوص الفقرتين الثانية والثالثة من المادة الثالثة، اللتين تحددان شروط إثارة الدفع لأول مرة خلال مرحلة الاستئناف أو أمام محكمة النقض، رأت المحكمة أن المشرع ضمن تنظيم ممارسة هذا الحق بصورة لا تمس جوهره، وأن القيود الواردة فيهما تستند إلى أسباب موضوعية ومبررة ولا تشكل تقييدا غير متناسب للحق في الدفع بعدم الدستورية، ما يجعلها مطابقة للدستور.

كما أكدت المحكمة أن المواد 7 و14 و19 و21 و22 و26 والفقرتين الأولى والثانية من المادة 29 والفقرة الأولى من المادة 30، سبق أن صرحت بمطابقتها للدستور بموجب قرارها رقم 70/18 م.د الصادر سنة 2018، وبالتالي لا محل لإعادة فحصها احتراما لحجية قرارات المحكمة الدستورية المنصوص عليها في الفصل 134 من الدستور.

ومن بين أبرز ما جاء في القرار، تفسير المحكمة للبند الأول من المادة 9 المتعلق بدور محكمة النقض في فحص الدفع بعدم الدستورية. فقد اعتبرت أن الدستور لا يمنع المشرع من تخويل محكمة النقض صلاحية التحقق من استيفاء مذكرة الدفع لشرط وجود صلة بين المقتضى التشريعي محل الدفع وبين الحق أوالحرية موضوع الخرق أو الانتهاك.

غير أن المحكمة شددت على أن هذه الصلاحية يجب أن تظل محصورة في مجرد التثبت من وجود سند دستوري للحق أو الحرية موضوع الدفع، سواء في نص الدستور أو في قرارات القضاء الدستوري، دون أن تمتد إلى تقدير دستورية المقتضى التشريعي محل الدفع أو تحديد طبيعة الحق أو الحرية التي يدعي مثير الدفع انتهاكها، أوفي نطاقهما أو حدود تدخل المشرع بشأنهما، باعتبار أن هذه الصلاحيات لا ينعقد الاختصاص بشأنها إلا للمحكمة الدستورية.

وفي ما يتعلق بالفقرة الأخيرة من المادة 29، التي تنص على أنه يحدد نص تنظيمي كيفيات تطبيق إجراءات التبادل والإيداع والتبليغ الإلكتروني للوثائق والمذكرات المرتبطة بالدفع بعدم الدستورية، اعتبرت المحكمة أن هذا المقتضى لا يخالف الدستور شريطة أن يتم تطبيقه بما يضمن سلامة المعطيات وسريتها وموثوقيتها، وأن يوفر الضمانات القانونية الكافية للمتقاضين في إطار الولوج إلى العدالة الدستورية.

كما صادقت المحكمة على المادة 31 التي تنص على دخول القانون التنظيمي حيز التنفيذ بعد انصرام أربعة وعشرين شهرا من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، معتبرة أن المشرع يملك سلطة تقديرية في إرجاء نفاذ القوانين متى كان ذلك متناسبا مع متطلبات تفعيل آلية دستورية جديدة وإرساء الشروط القانونية والتقنية اللازمة لممارستها.

وخلصت المحكمة الدستورية في منطوق قرارها إلى التصريح بأن المواد التي سبق البت فيها لا محل لإعادة فحصها، وأن البند الأول من المادة 9 والفقرة الأخيرة من المادة 29 لا يخالفان الدستور مع مراعاة التفسير الوارد بشأنهما، كما أكدت أن باقي مواد وأحكام القانون التنظيمي رقم 35.24 ليس فيها ما يخالف الدستور.

ويُعد مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 نصا محوريا يهدف إلى تفعيل المقتضيات الدستورية للفصل 133 من دستور 2011. وتكمن أهميته في اعتباره ضمانة حقوقية وآلية مؤسساتية تسمح للمتقاضين بالدفع بعدم دستورية قانون يمس بحقوقهم أثناء النظر في نزاع معروض على المحاكم، والانتقال من الرقابة القبلية إلى البعدية.