story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

بين التزكيات والصناديق.. أين اختفت السياسة؟

ص ص

عمليا، ودون حاجة إلى انتظار قطار الحملة الرسمية، دخل المغرب منذ الآن الأجواء الفعلية للحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقبلة. غير أن هذا الدخول لا يمر عبر بوابات السجالات الفكرية الكبرى، ولا عبر تنافس واضح بين تصورات اقتصادية واجتماعية متمايزة، بل يُطبخ على نار هادئة داخل كواليس التنظيمات الحزبية؛ حيث تدور رحى سباق محموم لإعادة ترتيب التوازنات، واستقطاب النخب المحلية، وحسم معركة التزكيات قبل أن تبدأ معركة الصناديق.

في ظل هذا الوضع، لم تعد الأحزاب المغربية، في جزء كبير من ممارستها الراهنة، تتنافس حول الأفكار بقدر ما تتنافس حول الأشخاص. ولم يعد السؤال المركزي داخل عدد من التنظيمات هو: أي مشروع نريد أن نقدمه للمغاربة؟ بل: من يستطيع أن يربح المقعد؟ من يملك الحضور الترابي؟ من يتحكم في شبكة العلاقات والنفوذ؟ ومن يستطيع، باختصار شديد، ضمان الأصوات؟

وهنا يفرض السؤال الحارق نفسه: أين الإيديولوجيا، بمفهومها السياسي الواسع وليس الضيق، من كل هذا؟ أين الفرق بين اليمين واليسار؟ أين الحدود بين المشروع الليبرالي، والمشروع الاشتراكي، والمشروع المحافظ؟ وأين التنافس حول رؤية كل طرف سياسي لقضايا التعليم، والصحة، والعدالة الضريبية، والحماية الاجتماعية، ودور الدولة، وشكل السياسات العمومية؟

ليست الإيديولوجيا هنا ترفا نظريا أو حنينا إلى زمن الشعارات الكبرى. إنها، بتعبير عالم اللسانيات تيون فان دايك، ليست مجرد كلمات معلقة في الهواء، بل منظومة من التمثلات الاجتماعية المشتركة التي تمنح الجماعة السياسية هويتها، وتحدد قيمها وأهدافها ومصالحها وطريقة خطابها وموقعها من الآخرين. السياسة، بهذا المعنى، لا توجد خارج الخطاب، ولا خارج الصراع الرمزي حول المعنى. وحين يُفرغ الخطاب السياسي من مضمونه الإيديولوجي، لا نكون أمام حداثة سياسية، بل أمام فراغ سياسي مقنع بلغة تقنية.

ومع ذلك، فإن جزءا من التشابه الذي يطبع الخطاب الحزبي اليوم لا يرتبط فقط بضعف التمايز الإيديولوجي، بل أيضا بوجود مرجعيات وطنية مشتركة فرضها الدستور، وأولويات الدولة الاجتماعية، وتوجهات النموذج التنموي الجديد. غير أن وجود أرضية وطنية جامعة لا يلغي الحاجة إلى الاختلاف السياسي، بل يجعلها أكثر إلحاحا، لأن التنافس الديمقراطي لا يدور حول الأهداف العامة فقط، بل حول الطرق والاختيارات والوسائل الكفيلة بتحقيقها.

صدمة الأرقام: دلالات 16 مليون ناخب

الجواب عن هذا السؤال لم يعد مجرد استنتاج نظري، بل تكشفه لغة الأرقام. فالمعطيات المتداولة حول الكتلة الناخبة، التي تجاوزت 16 مليون مسجل عند نهاية شهر مارس الماضي، تبرز اختلالا دالا في البنية العمرية للمسجلين. فالفئة العمرية ما بين 25 و34 سنة لا تمثل سوى حوالي 15 في المائة، بينما لا تتجاوز الفئة الشابة ما بين 18 و24 سنة نسبة 3 في المائة فقط من مجموع المسجلين.

في المقابل، توجد حصة وازنة من الخريطة الانتخابية بيد الفئات الأكبر سنا، إذ يمثل المواطنون البالغون 60 سنة فما فوق حوالي 30 في المائة من الكتلة الناخبة المسجلة. وهذا يعني أن الشباب، الذين تُرفع باسمهم شعارات المستقبل وصناعة الغد وتجديد النخب، يظلون عمليا على هامش التأثير الانتخابي المباشر.

هذا الرقم الضعيف لا يمكن اختزاله في العزوف فقط. إنه يعكس أزمة ثقة بنيوية بين الجيل الرقمي الجديد والفضاءات الحزبية التقليدية. فجزء واسع من الشباب لا يجد نفسه في لغة الأحزاب، ولا في بنياتها، ولا في خطاباتها التي تبدو في كثير من الأحيان موجهة إلى ناخب تقليدي أكثر مما هي موجهة إلى مواطن جديد يسائل المعنى والنجاعة والكرامة والفرص.

من الحزب السياسي إلى “الوكالة الانتخابية

في ظل هذا السياق، وجدت الأحزاب نفسها مدفوعة نحو ما يمكن تسميته بـ”البراغماتية الانتخابية القصوى”. فعندما تدرك الماكينات الحزبية أن الكتلة الأكثر انتظاما في التصويت تنتمي إلى فئات عمرية واجتماعية محددة، فإنها تميل تلقائيا إلى مخاطبة شبكات المصالح والوساطات المحلية، بدل المجازفة بخطاب فكري قد لا يترجم فورا إلى مقاعد.

هنا تتحول السياسة من مجال لإنتاج المعنى إلى تقنية لتدبير الخريطة الانتخابية. ويتحول الحزب من مؤسسة للتأطير والتكوين والاختيار بين المشاريع إلى ما يشبه “وكالة انتخابية” تمنح التزكية لمن يملك القدرة على الفوز، بغض النظر عن مساره الفكري أو انسجامه السياسي أو علاقته بالبرنامج المعلن.

لهذا لم تعد ظاهرة الترحال السياسي صادمة كما كانت. فالمرشح قد يغير لونه الحزبي بسرعة، لكن شبكته المحلية و”رأسماله الانتخابي” يبقيان كما هما. كأن المطلوب ليس الدفاع عن تصور للمجتمع، بل فقط نقل القدرة الانتخابية من رمز حزبي إلى آخر. وفي هذه اللحظة بالضبط، تخسر السياسة معناها العميق، لأن المقعد يصبح هو المشروع، والتزكية تصبح هي الفكرة، والحملة تصبح مجرد إدارة للنفوذ.

حين يختفي الفرق بين الأحزاب

تتنافس الأحزاب اليوم بماكيناتها الترابية، في ظل تشابه لافت في الخطابات والبرامج. وقد ساهم الإطار العام للنموذج التنموي الجديد في إنتاج نوع من الإجماع حول العناوين الكبرى: الدولة الاجتماعية، الاستثمار، التشغيل، الحماية، التعليم، الصحة، الحكامة، والتنمية المجالية. وهي كلها عناوين ضرورية ومطلوبة، لكنها تصبح محدودة الأثر سياسيا عندما تقدمها الأحزاب بالطريقة نفسها، وباللغة نفسها، ومن دون فرز واضح في المرجعيات والاختيارات.

فالسؤال لم يعد: هل نريد إصلاح التعليم؟ الجميع يقول نعم. بل: أي تعليم نريد؟ وبأي فلسفة؟ وبأي دور للدولة؟ وبأي علاقة مع السوق؟ وبأي مكانة للمدرسة العمومية؟

والسؤال ليس: هل نريد الحماية الاجتماعية؟ بل: كيف نمولها؟ ومن يتحمل كلفتها؟ ووفق أي رؤية نبنيها؟

والسؤال ليس: هل نريد الاستثمار؟ بل: أي استثمار؟ ولمن؟ وبأي أثر على التشغيل والعدالة المجالية والطبقة الوسطى؟

هنا تظهر الحاجة إلى الإيديولوجيا، لا باعتبارها تعصبا أو انغلاقا، بل باعتبارها قدرة على ترتيب الأولويات وتقديم أجوبة مختلفة. فالديمقراطية لا تنتعش حين يقول الجميع الشيء نفسه، بل حين يستطيع المواطن أن يميز بين بدائل حقيقية.

المشكلة ليست في البحث عن الفوز

ينبغي الاعتراف بأن بحث الأحزاب عن مرشحين قادرين على الفوز ليس خطيئة سياسية في حد ذاته. فالانتخابات في النهاية معركة حول التمثيل، ولا وجود لحزب سياسي لا يريد المقاعد. غير أن المشكلة تبدأ عندما يصبح الفوز هو الفكرة الوحيدة المتبقية؛ عندما تصبح القدرة الانتخابية أهم من الانسجام السياسي، ويصبح النفوذ المحلي أهم من التكوين الحزبي، وتصبح التزكية أهم من البرنامج.

في هذه الحالة، يتحول المواطن من شريك في مشروع مجتمعي إلى مجرد رقم داخل صندوق الاقتراع. ويتحول الحزب من وسيط بين المجتمع والدولة إلى وسيط بين المرشح والمقعد. وهذه أخطر لحظة يمكن أن تبلغها الديمقراطية: أن تستمر آلياتها الشكلية، بينما يتراجع معناها السياسي.

الإيديولوجيا ليست عودة إلى الماضي

قد يعتبر البعض أن الحديث عن الإيديولوجيا نوع من النوستالجيا السياسية. لكن العكس هو الصحيح. فالإيديولوجيا في معناها الحديث ليست سجنا عقائديا، بل بوصلة فكرية. إنها ما يسمح للحزب بأن يقول للمواطنين: نحن نرى المجتمع بهذه الطريقة، ونقترح هذه الأولويات، ونختلف عن غيرنا في هذه النقاط.

الشباب، تحديدا، لا يحتاج فقط إلى دعوات للتسجيل في اللوائح الانتخابية، رغم أهمية ذلك. يحتاج قبل ذلك إلى سبب سياسي وأخلاقي يجعله يشعر بأن صوته يصنع فرقا. يحتاج إلى رؤية مسافة فكرية واضحة بين الفرقاء. يحتاج إلى أن يختار بين مشروع اجتماعي تقدمي، ومشروع ليبرالي، ومشروع محافظ، ومشروع يساري، لا بين وجوه محلية تتنقل بين الرموز وفق ميزان الربح والخسارة.

إن استعادة الثقة لا تمر فقط عبر تحسين التواصل أو تجويد الحملات الرقمية، بل عبر إعادة الاعتبار للسياسة كصراع منظم حول الاختيارات. فالشباب لا يعزف فقط لأنه لا يعرف الأحزاب، بل لأنه في كثير من الأحيان لا يرى لماذا تختلف هذه الأحزاب أصلا.

اختبار للمقاعد أم اختبار للمعنى؟

لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه انتخابات 2026 ليس فقط: من سيفوز؟ ومن سيقود الحكومة المقبلة؟ ومن سيحصل على المرتبة الأولى؟ بل السؤال الأعمق هو: هل ستنجح الأحزاب في إعادة إنتاج السياسة، أم ستكتفي بإعادة توزيع المقاعد؟

هل تملك النخب الحزبية الشجاعة الفكرية لإنتاج الاختلاف؟ هل تستطيع الخروج من زمن “التكنوقراطية الحزبية الحذرة” إلى زمن الوضوح السياسي؟ هل تقبل بأن تخسر بعض المرشحين الأقوياء لتربح احترام المعنى؟ وهل تدرك أن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى صناديق، بل إلى سرديات كبرى ومشاريع متنافسة وخطابات تقنع المواطن بأن الاختيار ممكن؟

إذا استمر الوضع كما هو عليه، فقد نربح انتخابات من حيث الأرقام، لكننا سنخسر السياسة من حيث المعنى. سنربح مقاعد، ونخسر الثقة. سنربح خرائط انتخابية، ونخسر الانتماء. أما إذا استوعبت الأحزاب الدرس، فإن العودة إلى الإيديولوجيا، والوضوح الفكري، وفرز المشاريع، قد تكون الطوق الوحيد القادر على مصالحة المغاربة مع الشأن العام.

فالديمقراطية الحقيقية لا تقوم على التنافس بين “الماكينات الانتخابات”، بل على التنافس بين المشاريع. ولا تقاس فقط بعدد المقاعد التي يربحها هذا الحزب أو ذاك، بل بقدرة السياسة على أن تمنح للمواطن سببا كي يؤمن من جديد بأن صوته ليس رقما، بل موقفا من مستقبل البلاد.

ولا يتمثل الرهان الحقيقي لانتخابات شتنبر 2026 في معرفة من سيحتل المرتبة الأولى أو من سيقود الحكومة المقبلة، بل في مدى قدرة هذا المشهد، بقياداته الجديدة، على استعادة ثقة جيل يرى في العملية برمتها مجرد إعادة تدوير للنخب والمصالح.

فإذا لم تعد الأفكار والوضوح الإيديولوجي إلى الواجهة، وإذا ظل الخطاب السياسي ناعماً وتكنوقراطياً لا يلامس الانشغالات اليومية للمواطنين ولا يحاكي تطلعات “جيل زد”، سنكون أمام ديمقراطية شكلية جافة: صناديق تمتلئ بالوجوه والآلات الانتخابية المحكمة، بينما تتراجع السياسة الحقيقية في وجدان المغاربة.