story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

“سلّم على للي مصيفطك!”

ص ص

توجّهت الأنظار بعد واقعة الجلسة البرلمانية الأخيرة التي فترض أنها مخصصة ل”مساءلة” رئيس الحكومة، والتي انزلق فيها هذا الأخير نحو أسلوب “المعيور” بالقاسم الانتخابي؛ إلى الجهة التي قصدها أخنوش بقوله إن الجميع يعرف من “يتكلّم في أذن” النائب البرلماني عبد الله بوانو؛ بينما تنطوي هذه الواقعة على معنى أعمق، كان فيها رئيس الحكومة في لحظة غضب أو ارتباك أو استعلاء، وفتح نافذة صغيرة على طريقة كاملة في النظر إلى الإنسان الذي يعترض عليه.

الواقعة ليست مجرّد زلة لسان يمكن دفنها في ضجيج البرلمان، فهي جاءت منسجمة تماما مع قاموس سابق، ومع سلوك متكرر، ومع طريقة في الفهم السياسي تقول، باختصار موجع، إن الذي يخالف أخنوش لا يفعل ذلك لأنه يفكر، أو يتألم، أو يمثل ناخبين، أو يحمل موقفا سياسيا؛ بل لأن أحدا آخر يحرّكه، أو يهمس في أذنه.

جرى ذلك قبل سنوات في أكادير، عندما اعترضه معطلون ورفعوا في وجهه شعارات من بينها “ارحل”. كان يمكن لرئيس حكومة، ورئيس الجماعة، وزعيم حزب كبير، ورجل أعمال راكم كل هذه السلطة والثروة، حتى إن لم يقتنع بما سمع، أن يرى في ذلك الشاب أثرا لفشل السياسات العمومية، أو نتيجة مباشرة لبطالة تنهش جيلا كاملا، أو على الأقل مواطنا غاضبا من حقه أن يصرخ في وجه من يدبّر شؤونه. لكن أخنوش اختصر كل ذلك في عبارة واحدة: “سلّم على هذاك اللي صيفطك!”.

هذه بنية تفكير. المواطن عند أخنوش لا يظهر كذات مستقلة، بل كمجرد رسالة من شخص آخر. المغربي بالنسبة إليه لا يملك غضبه، ولا يملك اعتراضه، ولا يملك حتى كرامة أن يكون متألما من تلقاء نفسه.

ثم جاءت واقعة مجلس جماعة أكادير، مع المستشارة الاتحادية رجاء ميسو. لم تكن هذه الأخيرة معطلة في الشارع، ولا ناشطة غاضبة أمام باب قاعة، بل منتخبة داخل مؤسسة تمثيلية، تتحدث من موقعها، وتناقش الميزانية، ونفقات الاستقبال والإطعام والإيواء… أي أنها كانت تمارس السياسة في مكان يفترض أنه أحد بيوتها.

لكن أخنوش، مرة أخرى، لم يتعامل مع الاعتراض باعتباره ممارسة طبيعية داخل مجلس منتخب، فقال ما معناه إن السياسة لا تمارس هناك داخل مجلس الجماعة، بل تمارس مع “الكبار”، يا سلام!

ثم وصلنا اليوم إلى البرلمان، تلك المؤسسة التي يفترض أنها أعلى فضاء للمراقبة السياسية. هناك، أمام كاميرات الأمة، عاد أخنوش إلى قاموسه نفسه. لم يقل لبوانو “حجتك ضعيفة”، أو “معطياتك خاطئة”، بل قال له بعد “معيورة” القاسم الانتخابي: من الذي يتحدث في أذنك؟

بالنسبة بأخنوش، المعطل لا يتكلم لأنه لا يجد مصدر دخل، بل لأن هناك من أرسله. والمستشارة لا تنتقد، بل تتطاول على سياسة الكبار في غير مكانها. والبرلماني لا يعارض، بل هناك من يهمس له في أذنه.
في الحالات الثلاث، لا يوجد شخص كامل الأهلية أمام أخنوش. لا يوجد مواطن. لا توجد منتخبة. لا يوجد برلماني. هناك أدوات فقط. كراكيز صغيرة يحركها آخرون “كبار”.

هذه، في تقديري، ليست مشكلة أخنوش وحده، لكنها تظهر عنده بأقصى درجاتها صفاء. الرجل القادم من عالم المال والأعمال إلى السياسة لا يبدو أنه تصالح يوما مع فكرة أن السياسة مجال أصوات مستقلة ومصالح متعارضة واحتجاجات مشروعة. بل يبدو أحيانا كما لو أنه دخل السياسة وفي ذهنه أن العالم مقسم إلى مدبرين ومزعجين، إلى “كبار” يحقّ لهم أن يحكموا وينهبوا، وصغار عليهم أن يدفعوا ويصمتوا.

السياسة، بطبيعتها، صراع وحساب وموقع ومصلحة. لكن خطورة قاموس أخنوش أنه لا يميز بين نقد وآخر، ولا بين احتجاج وآخر، ولا بين مؤسسة وأخرى. يضع الجميع في الخانة نفسها: هناك دائما من يحرّك.

رئيس الحكومة، بحكم موقعه، ليس مطالبا بأن يحب المعارضين، ولا بأن يصفق للمعطلين، ولا بأن يفرح بأسئلة المستشارين الجماعيين؛ لكنه مطالب بأن يعترف، أولا، بأنهم موجودون بصفتهم مواطنين وممثلين ومنتخبين.

هناك، في عمق هذا السلوك، خوف من الصوت المستقل. كأن أخنوش لا يستطيع أن يتخيل أن شخصا عاديا يمكن أن يراه مسؤولا عن شيء. لا يتصور أن مواطنا قد يغضب من تلقاء نفسه. لا يتصور أن منتخبة من أغلبيته يمكن أن تنتقده لأنها رأت خللا. لا يتصور أن برلمانيا معارضا يمكن أن يبني موقفا، ولو كان قاسيا أو مبالغا فيه، من داخل موقعه السياسي. دائما هناك آخر.

هذا “الآخر” مفيد جدا في السياسة التي يمارسها أخنوش، لأنه يريحه من عناء سماع الناس. وربما لهذا السبب لم يستطع أخنوش، طوال ولايته، أن يبني علاقة طبيعية مع المغاربة. جاء إلى رئاسة الحكومة وقد قيل إنه رجل كفاءة، ورجل تدبير، ورجل أرقام، ورجل أعمال يعرف كيف ينجز. لكنه لم ينجح في امتلاك اللغة التي تجعل الناس يشعرون بأنه يسمعهم. ظل يتحدث إليهم كما يتحدث مدير شركة إلى زبناء غير راضين.

يبدو أخنوش، في هذه العبارات الثلاث، كما لو أنه لم يغادر تماما عالم الشركة. في هذه الأخيرة، من يعترض قد يكون موظفا غير منضبط، أو منافسا، أو صوتا مزعجا، أو شخصا مدفوعا من جهة أخرى. أما في السياسة، فالذي يعترض قد يكون الشعب نفسه، أو جزءا منه، أو ممثلا له، أو مرآة مشروخة تعكس ما لا تريد السلطة رؤيته.

ما لم يفهمه أخنوش، أو لا يريد أن يفهمه، هو أن المغاربة ليسوا جميعا في حاجة إلى من يهمس في آذانهم كي يعرفوا ما يعيشونه.

المعطل لا يحتاج إلى حزب كي يعرف أنه بلا عمل. والمواطن لا يحتاج إلى معارضة كي يعرف أن الأسعار التهمت جيبه. والمريضة لا تحتاج إلى نقابي كي تعرف أن موعد المستشفى بعيد. والأستاذ لا يحتاج إلى مؤامرة كي يعرف أن المدرسة موجوعة. والبرلماني، حتى لو كان يزايد، لا يحتاج إلى شيطان صغير في أذنه كي يقول لرئيس الحكومة إن البلاد ليست بخير.

في كل مرة يخرج فيها أخنوش عن برودة الأرقام التي يحبها، يسقط منه شيء من حقيقة رجل لا يرى المخالف إلا تابعا، ولا يرى الغاضب إلا أداة في يد غيره.

لذلك ليست عباراته تلك زلات منفصلة، بل شظايا من مرآة واحدة.