بين “جيل Z” والتحول الرقمي.. حلمي يتحدث عن رهانات “تحالف اليسار” ـ حوار
في سياق النقاش الدائر حول مستقبل العمل السياسي بالمغرب، ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، تبرز أسئلة جوهرية بشأن قدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطنين، وخاصة فئة الشباب، ومواكبة التحولات التي فرضها العصر الرقمي وأشكال التعبئة الجديدة.
وفي خضم النقاش الذي يرافق مشروع “تحالف اليسار” بين فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، يفتح القيادي في فيدرالية اليسار الديمقراطي، عز العرب حلمي، نقاشا حول رهانات تجديد العمل الحزبي، وحدود التنظيمات التقليدية، وأهمية تطوير الخطاب السياسي وآليات التواصل مع الأجيال الجديدة.
في هذا الحوار، يتطرق حلمي إلى قضايا متعددة، من أزمة الثقة في الأحزاب، والعلاقة بين السياسة و”جيل Z”، إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، فضلا عن رؤيته لمستقبل اليسار المغربي وإمكانات بناء بديل ديمقراطي قادر على الاستجابة لتطلعات المواطنين ومواجهة التحديات السياسية والاجتماعية الراهنة.
في ما يلي نص الحوار:
س: الأحزاب عموما، بما فيها اليسار، أصبحت تتحدث كثيراً عن التحالفات والتنسيق الداخلي أكثر مما تتحدث عن الحياة اليومية للمواطنين. هل فقد الخطاب السياسي اليوم قدرته على خلق الأمل والإقناع؟
ج: لا أوافق على هذا التعميم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأحزاب اليسار المناضل، فأحزاب مثل فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد ما تزال تجعل من قضايا المواطنين اليومية محوراً أساسياً لعملها السياسي والنضالي. نحن نتحدث يومياً عن التعليم والصحة والغلاء والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والكرامة.
ويكفي أن نتابع عمل برلمانيتي الحزبين داخل قبة البرلمان، أو نضالات مناضلات ومناضلي الحزبين في مختلف مناطق المغرب، لنرى أن الأولوية ما تزال هي الدفاع عن مصالح المواطنين وعن قضايا الديمقراطية والمساواة والحريات.
أما مسألة التحالفات، فهي ليست عيباً في حد ذاتها. الفرق هو بين تحالفات مبنية على مشروع مجتمعي واضح، وتحالفات مبنية فقط على توزيع المواقع والتزكيات والحقائب.
بالنسبة لنا، النقاش الجاري بين فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد ليس نقاشاً حول المقاعد، بل حول بناء بديل سياسي ديمقراطي وتقدمي قادر على تقديم أفق جديد للمغاربة.
بل أعتقد أن هذا النقاش يجب أن يستمر ويتوسع ليشمل مختلف مكونات اليسار والقوى الديمقراطية، لأن المغرب في حاجة إلى بديل تاريخي حقيقي لما هو قائم اليوم.
س: الأحزاب اليسارية مازالت تشتغل بمنطق التنظيم والتحالفات التقليدية، بينما تغيرت طرق التأثير والتعبئة بشكل جذري مع وسائل التواصل الاجتماعي. لماذا أنتم متأخرون عن فهم التحولات الجديدة؟
ج: يجب أن نمتلك الجرأة للاعتراف بأن جزءاً من الآليات التنظيمية الحزبية التقليدية أصبح متجاوزاً. فالعالم تغير بشكل كبير، وأصبحت المعلومة تنتقل بشكل أفقي وسريع، بينما ما زالت أغلب الأحزاب تشتغل وفق هياكل كلاسيكية: مجلس وطني، مكتب سياسي، مكتب جهوي، مكتب إقليمي، مكتب فرع…
هذه الهياكل كانت مناسبة في سياقات تاريخية معينة، لكنها لم تعد كافية لوحدها لفهم ديناميات الأجيال الجديدة. اليوم نتحدث عن التشبيك، وعن المجتمعات الرقمية، وعن التنظيم المرن، وعن أشكال جديدة من التعبئة.
يمكن أن نستفيد من تجارب دولية عديدة استطاعت تطوير أشكال تنظيمية أكثر مرونة، وأكثر قدرة على استقطاب الشباب والكفاءات. وإذا لم نواكب تحولات العصر وأفكار هذا الجيل، فإن الأحزاب ستفقد تدريجياً قدرتها على التأثير، وستعوضها الحركات الافتراضية أو الشبكات الرقمية.
وقد رأينا شيئاً مشابهاً في المجال النقابي، حيث لجأت فئات واسعة إلى التنسيقيات المطلبية خارج الأطر النقابية التقليدية. كما رأينا شباب “جيل Z” يختارون فضاءات مثل منصة “ديسكورد” (Discord) ومنصات أخرى للتعبئة والتنظيم والتأثير.
لكن في المقابل، لا أعتقد أن الحل هو التخلي عن التنظيم الحزبي، بل تحديثه وتطويره ليصبح أكثر مرونة وانفتاحاً على الأجيال الجديدة. فاليسار مطالب اليوم بتجديد أدواته دون التخلي عن قيمه ومبادئه.
س: اليوم، مقطع فيديو قصير على منصات التواصل الاجتماعي قد يصل إلى ملايين الشباب أكثر من مهرجان خطابي أو لقاء حزبي، وهذا يدل على أن جزء مهم من النقاش السياسي انتقل إلى الفضاء الرقمي.
ج: بالفعل، جزء مهم من النقاش السياسي انتقل إلى الفضاء الرقمي. اليوم تتشكل الآراء وتتداول الأفكار وتُبنى السرديات السياسية على تيك توك وإنستغرام ويوتيوب وغيرها من المنصات.
لذلك يجب على الأحزاب السياسية أن تمتلك هذه الآليات الجديدة وأن تكون حاضرة بقوة في مختلف المنصات الرقمية، وأن تجدد طرق تواصلها ولغتها وأدواتها.
لكن في الوقت نفسه، لا أؤمن بأن هذه المنصات يمكن أن تعوض الأحزاب السياسية. فالأحزاب تظل الفاعل الرئيسي في بناء الديمقراطية وتأطير المواطنين وصياغة المشاريع المجتمعية.
إذا استبدلنا الأحزاب بالمنصات الرقمية فقط، فإننا سنعرض الديمقراطية نفسها للخطر، لأن المنصات قد تنتج تأثيراً سريعاً، لكنها لا تستطيع أن تعوض التنظيم السياسي ولا التراكم الفكري ولا العمل المؤسساتي.
التحدي الحقيقي اليوم ليس الاختيار بين الحزب والرقمنة، بل القدرة على الجمع بينهما، أي بناء أحزاب حديثة قادرة على الحضور الميداني والرقمي في آن واحد.
س: اليوم، أصبحت الصورة والسرديات تلعب دورا مركزيا في العملية السياسة، أحياناً أكثر من البرامج والتفاصيل التقنية، غير أن الملاحظ بأحزاب اليسار المغربي لاتشتغل كثيرا على هذا الجانب؟
ج: أعتقد أن اليسار المغربي يحتاج فعلاً إلى تطوير قدرته على التواصل وبناء السرديات السياسية الجديدة. في كثير من الأحيان نمتلك تحليلات وبرامج قوية، لكننا نفشل في تحويلها إلى قصص ورسائل قريبة من الناس وقادرة على التأثير في وجدانهم.
اليوم الناس لا تتفاعل فقط مع الأرقام والمعطيات، بل مع القصص الإنسانية والتجارب الحية والسرديات القادرة على إعطاء معنى للمستقبل. لكنني أعتقد أيضاً أن جزءاً من الحل يوجد داخل أحزاب اليسار نفسها. يجب إعطاء مساحة أكبر للشباب، لأنهم يمتلكون القدرة على اقتراح أفكار جديدة وأشكال تواصل وتنظيم أكثر إبداعاً وفعالية.
كما يجب على اليسار أن ينفتح أكثر على محيطه، سواء على تجارب اليسار الديمقراطي عبر العالم أو على تجارب المجتمع المدني المغربي، الذي راكم خبرات مهمة في مجالات التواصل والتعبئة والذكاء الجماعي والتنظيم المرن. التجديد لا يعني التخلي عن المبادئ، بل تطوير الأدوات القادرة على إيصال هذه المبادئ إلى أجيال جديدة.
س: يبدو أن انتخابات 2026 ستجري في سياق يطغى عليه العزوف، وفقدان الثقة، في مقابل صعود أشكال احتجاجية جديدة من قبيل احتجاجات “جيل Z”، فكيف سيتعامل “تحالف اليسار” مع هذه التحديات؟ وهل أنتم قادرون فعلاً على مخاطبة هذا الجيل؟
ج: في رأيي، أعتبر أن “جيل Z” لن يعود للاهتمام بالسياسة لأننا طلبنا منه ذلك، لا بالعكس، بل لأن هذا الجيل استشعر بأن السياسة أصبحت قادرة على التأثير في حياته، خاصة وان الشباب يحتاج إلى أفق، وإلى فرص حقيقية، وإلى عدالة اجتماعية، وإلى مؤسسات تستمع إليه وتحترمه.
ولذلك أرى أنه إذا استطعنا أن نجعل الانتخابات مرتبطة فعلاً بتحسين حياة الناس، وبحل مشاكل الشغل والتعليم والصحة والسكن، فإن المشاركة ستعود بشكل طبيعي.
أما بالنسبة لتحالف اليسار، فأعتقد أنه يمتلك مقومات مهمة لمخاطبة هذا الجيل، لأنه يدافع عن قضايا تشغل الشباب اليوم: العدالة الاجتماعية، المدرسة العمومية، الصحة العمومية، المساواة، الحريات، ومحاربة الفساد. لكن هذا يقتضي من اليسار أن يتجدد، وأن يفتح أبوابه أكثر للشباب، وأن ينتقل من الحديث عن الشباب إلى العمل معهم، ومن تمثيلهم إلى إشراكهم فعلياً في صناعة القرار.
وفي تقديري، الرهان الحقيقي ليس كيف نجعل الشباب قريبين من السياسة، بل كيف نجعل السياسة قريبة من الشباب، وكيف نجعلهم يشعرون بأنهم ليسوا موضوعاً للسياسات العمومية فقط، بل شركاء في بنائها وصنع مستقبلها.
س: هناك مفارقة، هو أن جزءاً كبيراً من الشباب المغربي يتفاعل بقوة مع قضايا الغلاء، والقدرة الشرائية، والصحة، والهجرة، لكنه لا يترجم ذلك بالضرورة إلى مشاركة سياسية أو انتخابية. كيف تفسرون هذا التناقض؟
ج: في الحقيقة لا أراه تناقضاً. الشباب اليوم مهتم بالسياسة بمعناها الواسع، لكنه لا يثق دائماً في السياسة الحزبية أو الانتخابية. عندما يناقش الشباب الغلاء أو التعليم أو الصحة أو الهجرة، فهو يناقش قضايا سياسية بامتياز. لكن عندما لا يشارك انتخابياً، فذلك يعكس شعوره بأن صوته قد لا يغير الكثير، وأن المؤسسات لا تستجيب دائماً لانتظاراته. وهنا نعود إلى جوهر المشكلة: أزمة الثقة.
في اعتقادي، لا يمكن الحديث عن استعادة ثقة الشباب فقط عبر حملات التواصل أو التحسيس. المصداقية وجدوى الانتخابات تمر أساساً عبر إصلاح سياسي شامل يحقق ديمقراطية حقيقية.
في فيدرالية اليسار الديمقراطي نعتبر أن المدخل الأساسي هو بناء ملكية برلمانية ديمقراطية، وانتخابات حرة ونزيهة وشفافة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب خلق انفراج سياسي حقيقي وإطلاق سراح معتقلي الرأي والمعتقلين على خلفية الحراكات الاجتماعية. الشباب يحتاج إلى إشارات سياسية قوية تعيد له الأمل بأن صوته يمكن أن يحدث فرقاً وأن المشاركة السياسية ليست مجرد طقس انتخابي بل وسيلة حقيقية للتغيير.
س: مع اقتراب انتخابات 2026، هناك حديث متزايد عن وجود فجوة وأزمة ثقة بين الأحزاب السياسية والمواطنين خاصة فئة “جيل Z”، هل تعتقدون أن المشكلة اليوم في الشباب الذين فقدوا الثقة في السياسة، أم في السياسة نفسها التي لم تعد تتحدث بلغتهم؟
ج: أعتقد أن تحميل المسؤولية للشباب وحدهم هو نوع من التبسيط. في تقديري، تتحمل الأحزاب السياسية جزءا كبيرا من المسؤولية عن هذه الفجوة، خصوصا عندما تكرس بعض الممارسات السلبية التي أبعدت أجيالاً كاملة عن العمل الحزبي.
حين يرى الشباب أن القرار الحزبي محتكر أحياناً من طرف أقلية تاريخية، وأن تجديد النخب يتم ببطء شديد، وأن بعض الأحزاب لا تفي بوعودها الانتخابية أو تتبنى مواقف متناقضة ومتغيرة حسب الظرفية السياسية، فمن الطبيعي أن تتراجع الثقة. وحين يلاحظ أيضاً ضعف استقلالية القرار الحزبي أو تغليب الحسابات الانتخابية الضيقة على المبادئ، يصبح النفور من الأحزاب مفهوماً.
لكن يجب التمييز بين النفور من الأحزاب والنفور من السياسة؛ الشباب المغربي لم يغادر السياسة، بل غادر جزء كبير منه الآليات التقليدية للممارسة السياسية مثل الانخراط الحزبي أو المشاركة الانتخابية. وفي المقابل، نجده حاضراً بقوة في النقاش العمومي، وفي الفضاء الرقمي، وفي المبادرات المدنية، وفي التعبير عن مواقفه تجاه قضايا التعليم والصحة والغلاء والعدالة الاجتماعية.
لذلك أعتقد أن الأزمة ليست أزمة شباب غير مهتم، بل أزمة مؤسسات وأحزاب لم تستطع بعد أن تجدد نفسها وتستعيد ثقة هذا الجيل.