story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

شوكي.. رجل المرحلة

ص ص

لا أعرف لماذا سخر الكثيرون من محمد شوكي بعد مروره الأخير في برنامج “ساعة الصراحة”. في تقديري، الرجل نجح في الامتحان وبتفوّق، ليدخل نادي الكبار من أوسع أبوابه.

خرج كثيرون من الحلقة بانطباع أن رئيس التجمع الوطني للأحرار لم يكن موفقا، وأنه بدا بعيدا عن الناس، وأنه استعمل لغة لا تشرح، ولا تقنع. بينما هذه بالضبط قائمة المواصفات المطلوبة في رجل المرحلة.

علينا أن ننصف الرجل. فهو لم يكذب على أحد. قال فقط الحقيقة كما يراها من موقعه. قال إنه لا يعرف، في “l’entourage ديالو”، مغربيا كان قادرا ولم يعيّد. ومن حقه أن يصدق عينيه. المشكلة ليست في شوكي، بل في هؤلاء المغاربة الذين يريدون من رئيس رئيس الحكومة أن يخرج من محيطه كي يفهم محيطهم.

لماذا كل هذا الطمع؟ لماذا يريد الناس من السياسي أن يرى من لا يراهم في الواقع؟ الرجل يتحدث عن مغربه، ومغربه عيّد، و”شنشط”، وناقش الأسعار بوصفها ظاهرة تضخّمية عالمية، وشرب المشروبات إياها، و”تكرّع” واستغفر الله، ثم عاد إلى بيته مطمئنا إلى أن السوق قامت بوظيفتها.

شوكي قال، من حيث لا يدري أو يدري، إن السياسة لم تأت لخدمة كل الناس، بل لخدمة من يراهم السياسي في محيطه. ومن يراهم شوكي هم الذين يملكون القدرة، والحضور، والولوج، والشبكات، والمصالح. أما أولئك الذين لم يذبحوا، أو ذبحوا كرامتهم قبل الكبش، أو خرجوا من العيد بديون صغيرة ومرارة كبيرة، فهؤلاء لا يدخلون في “l’entourage”، ولا في الدراسة الاكتوارية.

لهذا يبدو لي شوكي مناسبا جدا للمرحلة. فهو لا يجامل، ولا يقول للمغاربة ما يريدون سماعه. ولا يربك نفسه بخطاب اجتماعي دافئ. ولا يدعي أنه ابن السوق والدوار والحي الشعبي. بل يقدم لهم، بكل ما يلزم من صراحة، خلاصة ما عاشوه طيلة خمس سنوات.

وعلى ذكر السنوات الخمس، لا يمكن فهم شوكي دون أخنوش. فشوكي ليس طارئا على المشهد كما قد يتوهم البعض. إنه واحد من أبناء المختبر السياسي الذي بناه عزيز أخنوش بصبر كبير، وبإمكانات أكبر، وبمنطق حزبي لم يعرفه المغرب بهذا الحجم من قبل.

جاء الرجل إلى التجمع من مسار آخر، ضمن ذلك “الميركاتو” السياسي الواسع الذي حوّل الحزب من تنظيم إداري انتخابي تقليدي، إلى شبكة مصالح. ثم جرى الاعتناء به، وترقيته، إلى أن وصل إلى رئاسة الفريق النيابي، ثم إلى رئاسة الحزب بعد خروج أخنوش من الواجهة.

كان انتخابه رئيسا للحزب، مرشحا وحيدا تقريبا، لحظة دالة. كان تمريرا منظما للمقود من اليد الأصلية إلى اليد المضمونة. أخنوش غادر الرئاسة، لكنه لم يغادر المعادلة. وهذا أمر طبيعي. فالذين بنوا شبكات بهذا الحجم لا يخرجون منها ببلاغ، ولا يغادرونها بصورة وداع، ولا يتركون مفاتيحها لمن لا يعرف أين توجد الخزائن.

لذلك، حين يقول البعض إن أخنوش خرج، يمكن أن نرد عليهم بأنه خرج من الكرسي، نعم. أما من الحزب، ومن الحسابات، ومن المصالح، ومن الذاكرة الانتخابية، ومن الإمكانات التي صنعت التجربة، فذلك أمر آخر.

لقد صنع أخنوش شيئا لم يسبقه إليه أحد بهذا الحجم. لم يبن حزبا فقط، بل بنى آلة انتخابية تتجاوز الحزب نفسه أحيانا، وتتحرك في تقاطع المال والمصالح والأعيان والجمعيات.

كانت للأحزاب “الإدارية” المغربية دائما شبكات انتخابية، من زمن الاستقلال إلى زمن الأعيان الجدد، لكن التجمع في نسخته الأخنوشية نقل الأمر إلى مستوى آخر، مستوى شبكة تمويل، ونفوذ، ومصالح قادرة على منافسة القواعد التقليدية.

شوكي هو رجل المرحلة، لأنها لا تبحث عن خطيب مفوه يثير العواطف، ولا عن زعيم كاريزمي يخيف من صنعوه. المرحلة تحتاج إلى رجل لا يزعج الآلة التي صنعته، ولا يستقل عنها، ولا يتخيل نفسه أكبر من الشبكة التي حملته.

لعل التلعثم في “الاكتوارية” كان أجمل ما في الحلقة. ليس لأنه خطأ لغوي، فالناس تتلعثم، وهذا عادي. بل لأنه كان مشهدا رمزيا بديعا لسياسي يستدعي كلمة تقنية في غير محلها، ثم تتعثر الكلمة في فمه كما تتعثر السياسة كلها حين تحاول أن تشرح الغلاء بلغة الخبراء بدل لغة الناس.

كان شوكي يريد أن يضفي على الجواب طابعا علميا، فإذا بالمصطلح يتحول إلى مرآة لطبقة سياسية تستعير الكلمات الكبيرة كي تخفي حقيقتها الصغيرة. لكن هذا ليس عيبا في شروط المرحلة. بالعكس، المطلوب اليوم ليس من يعتذر، بل من يقول للناس أن “يصبّوا الماء على بطونهم”.

لقد كرّس الدستور، منذ 2011، عرفا سياسيا واضحا. الملك يعين رئيس الحكومة من رأس الحزب المتصدر للانتخابات. وقد احترم الملك محمد السادس هذا العرف حتى حين كانت الدولة العميقة، أو جزء منها، لا ترتاح كثيرا لمن حملته الصناديق. وإذا تصدّر الأحرار الانتخابات المقبلة، فإن رئيس الحزب سيكون، دستوريا وسياسيا، في قلب المعادلة.

لماذا لا يكون شوكي رئيسا للحكومة إذن؟ هل تنقصه الجرأة؟ لقد قال للمغاربة إن محيطه كله عيّد. وهل تنقصه الصنطيحة؟ لقد دافع عن الاختيارات نفسها التي أغضبت الناس، دون أن يظهر عليه أثر كبير للحرج. وهل تنقصه الشبكة؟ خلفه حزب صُنع بعناية، ووراء الحزب ذاكرة تنظيمية وانتخابية ومالية لم تختف باستقالة أخنوش من الرئاسة.

بمنطق المرحلة، شوكي ليس ضعيفا. المشكلة أنه قوي في تمثيل سياسة بعيدة عن الناس، قريبة من محيطها، مطمئنة إلى شبكاتها، واثقة من قدرتها على تحويل الغضب إلى مادة عابرة للسخرية. وقوي في التعبير عن حكومة أخنوش بعد أخنوش.

يخطئ من يظنّون أن “ساعة الصراحة” أضعفت شوكي. أنا أظن أنها قوّته، لأنها خلعت عنه اللباس الاصطناعي الذي يحاول عادة السياسيون ارتداءه أمام الكاميرا. لقد ظهر كما هو، ابن مرحلة لا ترى في السياسة وساطة بين الدولة والمجتمع، بل إدارة تقنية لغضب اجتماعي ينبغي كتمه لا فهمه. وظهر بوصفه وريثا أمينا لمدرسة لا تعتبر الحس الشعبي شرطا للقيادة، بل ربما تعتبره عبئا عليها.

لذلك، لا تسخروا كثيرا من شوكي. الرجل لم يخطئ العنوان. نحن الذين لم نفهم الرسالة. إنه لا يخاطب الذين لم يجدوا الكبش، ولا الذين وجدوه ب”الكريدي”، ولا الذين شعروا بأن العيد صار امتحانا طبقيا قاسيا. إنه يخاطب “l’entourage ديالو”، ومن لديهم الإمكانيات، ومن يعتقدون أن كل شيء بخير ما دامت الطاولة عامرة في الجهة التي يجلسون فيها.

هؤلاء، في المغرب الحالي، ليسوا هامشا. إنهم الكتلة الحرجة التي تصنع الحكومات، وتموّل الحملات، وتفهم الأرقام داخل جداول “إكسيل”، وتملك “السوفل” لانتظار لحظة “الريمونتادا”.

أما المغاربة الآخرون، فسيكون عليهم أن ينتظروا “ساعة صراحة” أخرى، وربما عيدا آخر.. ليفهموا أنهم خارج العينة الاكتوارية.