story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أمن وعدالة |

“أحكام وهمية وعقوبات حقيقية”.. القضاء الأمريكي يشدد الرقابة على استخدام الذكاء الاصطناعي

ص ص

اتجهت عدة محاكم أمريكية إلى تشديد ضوابط استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل العمل القانوني، بعدما كشفت عدة قضايا عن تقديم مذكرات ووثائق رسمية تضمنت أحكاما قضائية واستشهادات قانونية غير موجودة في الواقع، أنشأتها برامج الذكاء الاصطناعي بشكل تلقائي فيما يعرف بظاهرة “الهلوسة”.

وفي أحدث هذه الخطوات، وقّع القاضي الأمريكي ستيفنسون خلال شهر ماي 2026 قرارا تنظيميا بمحكمة دوغيرتي بولاية جورجيا يحدد قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي في الوثائق المقدمة للمحكمة.

ونص القرار على أن المسؤولية الكاملة عن صحة المذكرات والوثائق القانونية تظل على عاتق المحامي أو الطرف الذي وقّع عليها، حتى في حال الاستعانة ببرامج الذكاء الاصطناعي أثناء إعدادها.

وأكد القرار أن “الذكاء الاصطناعي لا يعطي وعودا للمحكمة، بينما الإنسان يفعل ذلك بتوقيعه”، مشددا على ضرورة التصريح باستخدام هذه الأدوات داخل المذكرات القانونية، وإخضاع جميع الاستشهادات القضائية والنصوص القانونية الواردة فيها لمراجعة وتحقق بشري قبل إيداعها لدى المحكمة.

كما أوضحت المحكمة أن الجهل بمخاطر “هلوسة الذكاء الاصطناعي” لن يقبل كدفاع قانوني، ملوحة بفرض إجراءات تأديبية قد تصل إلى رفض الدعوى أو إحالة المحامي إلى الهيئات المهنية المختصة.

وجاء هذا التشديد بعد سلسلة من الوقائع التي أحرجت فاعلين في المنظومة القضائية الأمريكية، إثر اكتشاف اعتماد محامين ومدعين عامين على مراجع وأحكام قانونية مختلقة تبدو صحيحة شكلا لكنها غير موجودة فعليا.

ومن أبرز هذه القضايا، معاقبة المحكمة العليا في ولاية جورجيا للمدعية العامة ديبورا ليزلي بعدما قدمت وثائق قانونية تضمنت استشهادات وهمية أنشأها الذكاء الاصطناعي في ملف جنائي يتعلق بجريمة قتل.

وقررت المحكمة منعها من الترافع أمامها لمدة ستة أشهر، مع إلزامها بالخضوع لتكوين إضافي في أخلاقيات المهنة وأساليب استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني.

ولم تتوقف تداعيات القضية عند ذلك، إذ اضطرت المحكمة العليا نفسها إلى إلغاء قرار قضائي سابق بعدما تبين أن الحكم استند جزئيا إلى مراجع قانونية غير حقيقية وردت ضمن الوثائق المقدمة من النيابة العامة.

كما فرضت محاكم أمريكية أخرى عقوبات على عدد من المحامين بعد اكتشاف مذكرات قانونية تضمنت اقتباسات وأرقام قضايا وأحكاما غير قابلة للتحقق.

وبالتوازي مع هذه الإجراءات، بدأت مؤسسات قضائية أمريكية إنشاء قواعد بيانات خاصة بالأوامر والقرارات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي، في مؤشر على تحول الملف من حالات فردية معزولة إلى قضية تنظيمية متكاملة داخل النظام القضائي.

ورغم هذه التطورات، لا تتجه المحاكم الأمريكية إلى حظر الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، و إنما إلى تقنين استخدامه وتحديد المجالات التي يمكن الاستفادة منه فيها، مثل تلخيص الوثائق الطويلة، وتنظيم الملفات، ورصد الأخطاء اللغوية، وإعداد الجداول الزمنية الخاصة بالقضايا.

ويرى متابعون أن الجدل الدائر اليوم يعكس تحولا أعمق يشهده القطاع القانوني عالميا مع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مجالات كانت حتى وقت قريب حكرا على الخبرة البشرية، وفي مقدمتها البحث القانوني وصياغة المرافعات.

كما يفتح هذا النقاش الباب أمام تساؤلات تتجاوز الولايات المتحدة، خاصة مع توسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاعات العدالة والمحاماة بعدد من الدول العربية، بشأن مدى جاهزية الأنظمة القضائية للتعامل مع أخطاء الأنظمة الذكية وتحديد حدود المسؤولية القانونية المترتبة عليها.