في تأبين ليلى شهيد.. شهادات مؤثرة عن مقاوِمة حملت فلسطين إلى العالم
امتلأ مدرج الشريف الإدريسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية أكدال بالرباط، مساء اليوم السبت 16 ماي 2026، عن آخره خلال لقاء نظمته مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، خصص لاستحضار مسار المناضلة والدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد، في لحظة امتزج فيها الوفاء الشخصي بالتأمل السياسي في ما تعيشه القضية الفلسطينية اليوم.
وتعد ليلى شهيد واحدة من أبرز الوجوه الدبلوماسية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة، إذ شغلت منصب ممثلة فلسطين في عدد من العواصم الأوروبية، وارتبط اسمها بالدفاع عن القضية الفلسطينية داخل الفضاءات السياسية والثقافية والإعلامية، كما نسجت علاقات واسعة مع مثقفين ومناضلين عرب وأوروبيين.
وحضر اللقاء عدد من أصدقاء الراحلة ومثقفين وسياسيين وفاعلين حقوقيين ودبلوماسيين، إلى جانب شخصيات فلسطينية ومغربية، من بينهم الكاتب و المؤرخ الفلسطيني إلياس صنبر والمخرجة الفرنسية المغربية سيمون بيتون، الذين تقاسموا شهادات شخصية وسياسية عن الراحلة ومسارها الطويل في الدفاع عن فلسطين.
وفي مداخلة مطولة اتسمت بكثير من التأثر، استحضر إلياس صنبر بدايات علاقته بليلى شهيد، قبل أن يربط بين ذكراها وما وصفه بـ”اللحظة الكارثية” التي يعيشها الفلسطينيون اليوم في غزة والضفة الغربية.
ولفت المتحدث إلى أن علاقته بليلى شهيد امتدت لأكثر من خمسة عقود، منذ لقائهما الأول في بيروت سنة 1969، قائلا إنهما تقاسما معا مختلف أشكال النضال السياسي والثقافي والإعلامي، داخل ”جيل المقاومة” الذي تشكل بعد هزيمة 1967.
واعتبر صنبر أن ليلى شهيد كانت “مقاومة قبل كل شيء”، مضيفا أنها كانت تنتمي إلى فئة “تأتي إلى السياسة بأيد ممتلئة لكي تعطي، لا لكي تأخذ”.
كما توقف عند الطريقة التي كانت تمارس بها ليلى شهيد السياسة، معتبرا أنها لم تكن تسعى إلى أن تكون “أفضل من الرجال”، حيث كانت تقدم “شكلا مختلفا من النضال والسياسة”، قائلا إن تجربتها أسست لمسار آخر يقوم على الثقافة والتفاني والعلاقة الإنسانية في العمل السياسي.
وأشار المتحدث إلى أن الفلسطينيين يواجهون اليوم “عدوانا همجيا ومحاولة إبادة شعب كامل”، منتقدا الصمت الدولي الواسع تجاه ما يجري في غزة، قبل أن يتساءل عن سبب امتناع دول أوروبية عن استعمال توصيف “الإبادة الجماعية” رغم مرور أكثر من سنتين على الحرب.
وأضاف أن قوة الفلسطينيين اليوم لا تنبع فقط من قدرتهم على المقاومة، و إنما من علاقتهم بالأرض، قائلا إن “الفلسطينيين لا يحملون أرضهم، بل الأرض هي التي تحملهم”، مستحضرا في هذا السياق تجربة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات خلال حصار شمال لبنان.
كما شدد صنبر على أن أحد أهم الدروس التي تعلمها من عرفات هو أن “الشعب هو الذي يحمل قائده”، معتبرا أن الشرعية الحقيقية تكمن في استعداد القائد لمشاركة شعبه المصير نفسه في اللحظات الصعبة.
وخلص الكاتب الفلسطيني إلى أن ما يجري اليوم في غزة تجاوز حدود القدرة على الوصف، متحدثا عن “إبادة عشرات الآلاف من الأطفال”، ومؤكدا أن الفلسطينيين أنفسهم باتوا مندهشين من قدرة سكان غزة على الصمود رغم حجم الدمار والرعب.
من جهتها، استحضرت سيمون بيتون أول لقاء جمعها بليلى شهيد في الرباط خلال نهاية ثمانينيات القرن الماضي، مؤكدة أن العلاقة التي جمعتهما استمرت لأكثر من أربعين سنة دون انقطاع.
وأضافت بيتون، وهي المولودة في الرباط داخل عائلة يهودية مغربية، أنها اكتشفت وعيها السياسي بعد انتقالها إلى إسرائيل في طفولتها، قبل أن تنخرط لاحقا في أوساط مناهضة للصهيونية وتقترب من دوائر مجلة الدراسات الفلسطينية في باريس.
كما لفتت إلى أن ليلى شهيد كانت تعتبر اليهود المناهضين للصهيونية حلفاء أساسيين للنضال الفلسطيني، وكانت تؤمن بأن مصير الفلسطينيين والإسرائيليين “إما أن يكون مشتركا أو لا يكون”، مشيرة إلى أنها كانت حريصة على الدفاع عن هذا الموقف في مختلف المحافل.
وأشارت المخرجة الفرنسية المغربية إلى أن الراحلة كانت تمتلك حضورا استثنائيا، ووصفتها بأنها “عاصفة حقيقية” تجمع بين الذكاء والحيوية والفضول والقدرة على الإصغاء، مضيفة أن الحديث بينهما حول فلسطين واليهود المغاربة وإسرائيل لم ينقطع طيلة عقود.
وشددت بيتون على أن ليلى شهيد كانت تؤمن بإمكانية بناء مستقبل قائم على المساواة والعيش المشترك، معتبرة أن “تحرير الأرض من البحر إلى النهر” لا يمكن أن يتحقق إلا عبر العدالة والمساواة بين جميع من يعيشون عليها.