story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

معرض الفلاحة في مكناس.. “احتفاء” بشبح العطش والغلاء وذكرى الحرمان من الأضاحي

ص ص

في وقت يواجه فيه المغاربة التبعات السلبية للسياسات الفلاحية المعتمدة منذ سنوات، من خلال اضطرارهم إلى الامتناع عن أداء شعيرة ذبح الأضاحي في عيد الأضحى الأخير، ومواجهتهم خطر العظش، وارتفاع أسعار الخضر الأساسية في مائدة الفئات المتوسطة والشعبية، إلى ما فوق عشرة دراهم للكيلوغرام الواحد؛ ينعقد المعرض الدولي للفلاحة بمكناس (SIAM) هذه الأيام في دورته الثامنة عشرة، تحت شعار “استدامة الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية”، وبصيغة موسعة تراهن، كما تقول الجهة المنظمة، على تكثيف الحضور الدولي والمهني وتعزيز صورة المغرب كمنصة فلاحية إقليمية.

في الواجهة، يبدو كل شيء منضبطا ومبهرا، من أروقة، ووفود، ومؤتمرات، وتوقيعات، وخطاب رسمي يحتفي بالابتكار والسيادة والاستدامة… لكن خلف هذه الصورة المصقولة، يظل السؤال أكثر خشونة من الزينة التي يغطي بها المعرض نفسه كل سنة: ماذا يضيف هذا الموعد، فعلا، إلى فلاحة مغربية أنهكها العطش، وأثقلتها الاختلالات البنيوية، وازدادت فيها الهوة بين كبار الفاعلين وصغار المنتجين؟

واجهة احتفالية في واقع صعب

أول ما يلاحق المعرض من انتقادات، وربما أخطرها، هو أنه صار، في نظر كثيرين، واجهة احتفالية لنموذج فلاحي يعيش أزمة عميقة، لا منصة حقيقية لمراجعته. فحين يرفع المعرض شعار السيادة الغذائية والاستدامة، بينما تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الفلاحة المغربية تستهلك نحو 90 في المائة من الموارد المائية في البلاد، وأن تسعيرة الماء المنخفضة تساهم في الاستعمال المفرط وغير الكفء لهذا المورد النادر؛ فإن السؤال لا يعود عن جودة التنظيم، بل عن صدقية الخطاب نفسه.

هذا التناقض لم يعد مجرد تحذير نظري. فالبنك الدولي أشار إلى أن الفلاحة المسقية، رغم أنها لا تمثل سوى 16 في المائة من المساحة المزروعة، تنتج 75 في المائة من الصادرات الفلاحية و15 في المائة من مجموع صادرات البلاد.

هذه الأرقام لا تقول فقط إن الري مهم؛ بل تكشف أيضا طبيعة النموذج القائم، لفلاحة أكثر ارتباطا بالتصدير والقيمة السوقية، وأقل اتساقا مع حدود الندرة المائية ومع حاجات التوازن المجالي.

لذلك، فواحد من أبرز الانتقادات الموجهة إلى المعرض أنه يحتفي سنويا بهذا النموذج بدل أن يضعه في قفص المساءلة. فالمشكل لم يعد في إنتاج الثروة وحده، بل في الكلفة المائية والاجتماعية التي تُدفع من أجلها.

الفلاح الصغير يؤثث المعرض

يعكس المعرض في دورته الحالية، كما هو الحال في كثير من الدورات، ميزان القوى نفسه الذي يحكم الفلاحة المغربية. كبار المصدرين، ومجموعات الصناعات الغذائية، وشركات المدخلات، ومزودو التكنولوجيا، يحضرون بقوة ورمزية، بينما يظل الفلاح الصغير، الذي يواجه فعليا ضغط الماء وكلفة السكن القروي والتمويل والتسويق والديون وتقلبات المناخ، أقرب إلى دور الخلفية الاجتماعية منه إلى موقع الفاعل المركزي.

لهذا يبدو ( SIAM)، بالنسبة إلى قطاع واسع من المتابعين، أقرب إلى “صالون” مخصص للنموذج الفلاحي المهيمن، منه إلى فضاء لقول ما لا يريد هذا النموذج سماعه عن نفسه. فالمعرض لا يلغي واقع أن الصادرات والواجهات المربحة ما زالت تحظى بالأولوية، بينما تُدفع الفلاحة الهشة إلى هامش السردية الرسمية.

والواقع أن هذا الخلل لا يتوقف عند الماء فقط، بل يمتد إلى الحصيلة نفسها التي يُفترض أن يروّج لها المعرض. فالمجلس الأعلى للحسابات، في تقييمه لسلسلة الزيتون، سجل أن صادرات زيت الزيتون المغربية بقيت بعيدة عن الأهداف المسطرة، وأن ما صُدّر في موسم 2016-2017 لم يكن سوى نحو 10,344 طنا، أي أقل بكثير من الطموحات المعلنة، مع استمرار أعطاب تتعلق بالتثمين والجودة والتسويق. معنى ذلك أن المعرض قد يكون ناجحا في الترويج الرمزي، لكنه لا يستطيع وحده أن يخفي تواضع الأثر البنيوي في سلاسل إنتاج حيوية طالما جرى تقديمها كقصص نجاح في المخططات الفلاحية المتعاقبة.

غياب الشفافية

المعرض الدولي للفلاحة، كما تقدمه صفحاته الرسمية، يركز على الأرقام الكبرى، من التواريخ، إلى الشعار، فعدد العارضين، والبلدان المشاركة، والمساحة الإجمالية، وعدد التعاونيات والمؤتمرات والمربين والوفود الأجنبية… لكن هذه الواجهة الغنية بالمعطيات الترويجية لا تُرفق، في المواد الرسمية المتاحة للعموم، بميزانية مفصلة منشورة، ولا بحسابات مدققة سهلة الولوج، ولا بتقييم اقتصادي عمومي يشرح بدقة كم يكلف هذا الموعد، ومن يموله، وما العائد الصافي منه على الفلاحة المغربية وعلى المال العام.

صحيح أن غياب الميزانية المفصلة في المواد الترويجية لا يعني، في حد ذاته، وجود اختلال مالي مثبت. لكن الإشكال يبدأ حين يطلب من الرأي العام أن يكتفي بالفرجة على الأروقة والوفود والشعارات، دون أن يحصل على الحد الأدنى من المعلومات التي تسمح له بفهم حكامة الحدث نفسه.

وتٌظهر تقارير المجلس الأعلى للحسابات، منذ سنوات، أن الإنفاق العمومي حول المشاركة في المعرض لم يكن محصنا دائما من الملاحظات. ففي تقرير حول جهة فاس-بولمان، سجل المجلس أن الجهة كانت تساهم سنويا لفائدة جمعية المعرض الدولي للفلاحة بمبلغ 800 ألف درهم، وأن مصاريف مشاركتها في معرض مكناس بلغت، خلال الفترة 2009-2012، أكثر من 2.8 مليون درهم، إضافة إلى مساهمتها السنوية، مع تسجيل ملاحظات على طريقة تدبير بعض النفقات المرتبطة بالأروقة والطلبيات.

لا يشتغل المعرض كموعد مهني فقط، بل كآلة رمزية لإعادة إنتاج الشرعية السياسية للنموذج الفلاحي القائم. كل دورة تُعرض على أنها برهان على الحيوية والانفتاح والتقدم، بينما الأسئلة الأكثر إزعاجا تُؤجل سنة أخرى: ماذا عن عدالة توزيع الماء؟ ماذا عن الفلاحين الصغار في المناطق البعلية؟ ماذا عن الكلفة البيئية لزراعات موجهة للتصدير في بلد يعاني ندرة مائية حادة؟ ماذا عن الأمن الغذائي الداخلي حين يتراجع منسوب الموارد وتتسع الفجوة بين من يربحون من السلاسل المربحة ومن يكافحون فقط من أجل البقاء فيها؟