القضاء المالي بالمغرب بين الرقابة الزجرية وتحفيز المبادرة.. قراءات في مؤلف إبراهيم بن به
احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – السويسي بالرباط، ندوة علمية لمناقشة وقراءة كتاب “نظام مسؤولية المدبرين العموميين أمام القاضي المالي بين التأصيل والاستشراف”، لمؤلفه إبراهيم بن به، الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات.
وركزت المداخلات الأكاديمية والقانونية في الندوة، مساء يوم الجمعة 17 أبريل 2026، على تطور نظام مسؤولية المدبرين العموميين بالمغرب، في ظل التحولات الدستورية والتشريعية، خاصة منذ دستور 1996 الذي منح المجلس الأعلى للحسابات صفة مؤسسة دستورية، ودستور 2011 الذي نص على مبادئ من قبيل ربط المسؤولية بالمحاسبة والحكامة الجيدة، إلى جانب التنصيص على استقلالية المؤسسة.
واعتبر المتدخلون أن هذه المقتضيات تطرح إشكاليات عملية مرتبطة بمدى قدرة أجهزة الرقابة على تفعيلها، مؤكدين على الدور الذي يضطلع به القضاء المالي، سواء من خلال المراقبة أو من خلال الجزاءات المرتبطة بالمخالفات في تدبير المال العام.
كما تم التطرق إلى الإشكال المرتبط بالتوازن بين تشديد الرقابة وضمان حقوق المدبرين العموميين، حيث أثيرت مسألة تفادي خلق مناخ من الحذر المفرط قد يؤثر على المبادرة في التدبير، مقابل ضرورة فرض المساءلة عند تسجيل اختلالات.
مقاربة متكاملة
في هذا الصدد، أبرز أحمد بوز، رئيس شعبة القانون العام، الأهمية العلمية لهذا العمل الذي أنجزه إبراهيم بن به، الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات، معتبراً أنه يشكل إضافة نوعية في مجال الحكامة العمومية.
وأكد بوز على أن قيمة هذا المؤلف لا تكمن فقط في مضامينه العلمية الرصينة، بل أيضاً في المكانة المهنية لمؤلفه، الذي استطاع الجمع بين الممارسة القضائية والبحث الأكاديمي، بما “يعكس تفاعلاً مثمراً بين التجربة العملية والتأصيل النظري، ويسهم في استشراف سبل تطوير نظام مسؤولية المدبرين العموميين”.
وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن موضوع التدبير العمومي “لم يعد مجرد مسألة تقنية أو إدارية، بل أضحى في صلب النقاش العمومي والسياسي”، نظراً لارتباطه بمدى قدرة الدولة على تحقيق النجاعة في تدبير الموارد، وترسيخ مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة وضمان الشفافية.
وفي هذا الإطار، شدد على الدور المحوري الذي يضطلع به القضاء المالي، باعتباره آلية دستورية ومؤسساتية تجمع بين الوظيفة الرقابية والزجرية، وتسهم في تخليق الحياة العامة وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.
وأوضح بوز أن الكتاب يقدم مقاربة متكاملة “تجمع بين التأصيل النظري والتحليل القانوني والاستشراف المستقبلي”، إذ لا يقتصر على عرض الإطار القانوني المنظم لمسؤولية المدبرين العموميين، بل يتجاوزه إلى مساءلة مدى فعالية هذا النظام وحدوده، واستكشاف إمكانيات تطويره.
كما توقف عند الإشكالية المركزية التي يطرحها المؤلف، والمتمثلة في تحقيق التوازن بين تشجيع المبادرة في التدبير العمومي من جهة، وتفادي خلق مناخ من الخوف من المسؤولية من جهة أخرى، مؤكداً أن الرهان اليوم يتمثل في إرساء بيئة قانونية واضحة وعادلة تحفز على الابتكار، مع ضمان المساءلة عن الأخطاء والتجاوزات.
وفي سياق متصل، اعتبر المتدخل أن استشراف مستقبل القضاء المالي، كما يطرحه هذا العمل، “يفتح نقاشاً أوسع حول ضرورة تحديث أدوات الرقابة وتطوير آليات الافتحاص، بما يواكب تحولات الإدارة العمومية ويعزز حكامتها”.
ميلاد جديد لكتاب
من جانبه، أكد محمد أشركي، عضو أكاديمية المملكة والرئيس السابق للمجلس الدستوري، أن تطور منظومة القضاء المالي بالمغرب “يرتبط بشكل وثيق بالدينامية الدستورية والتشريعية التي شهدتها البلاد منذ دستور 1996، الذي ارتقى بالمجلس الأعلى للحسابات إلى مصاف المؤسسات الدستورية”.
وأوضح أن هذه المرحلة أعقبتها حركية تشريعية وتنظيمية مهمة، توجها دستور 2011، الذي “كرس لأول مرة بشكل صريح مجموعة من المبادئ المؤطرة للتدبير العمومي”، من قبيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، والحكامة الجيدة، والشفافية، والوقاية من الانحراف في استعمال المال العام، إلى جانب التنصيص على الجزاءات المرتبطة بمخالفة القواعد القانونية، فضلاً عن إقرار استقلالية المجلس الأعلى للحسابات.
وشدد أشركي على أن هذه الترسانة الدستورية والتشريعية “تظل بدون أثر فعلي إذا لم تسندها مؤسسات قادرة على تفعيلها”، مبرزاً في هذا الإطار الدور المحوري الذي يضطلع به المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية، باعتبارها ركائز أساسية في منظومة الرقابة.
كما أبرز أهمية العنصر البشري في إنجاح هذه المنظومة، مشيراً إلى أن المجلس عمل على استقطاب كفاءات جامعية متميزة، وتأهيلها ميدانياً للاضطلاع بمهام القضاء المالي، وهو ما أفرز جيلاً من القضاة الماليين “الذين يشتغلون بصمت ويسهمون في تفعيل المقتضيات الدستورية على أرض الواقع”.
وتوقف المتدخل عند المسار المهني لمؤلف الكتاب، إبراهيم بنبيه، الذي راكم تجربة تجمع بين العمل القضائي والممارسة داخل مؤسسات الرقابة المالية، بدءاً من اشتغاله بالنيابة العامة، مروراً بتعيينه وكيلاً للملك لدى المجلس الجهوي للحسابات بالرباط، وصولاً إلى منصبه الحالي كوكيل عام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات.
واعتبر أشركي أن هذا المؤلف ي”جسد ثمرة تكوين أكاديمي وممارسة مهنية، حيث استطاع المؤلف أن ينظر إلى الفقه المالي بعين القاضي، وإلى القضاء بنظرة الفقيه، مما أضفى على العمل عمقاً علمياً ومنهجياً متميزاً”.
وفي حديثه عن الطبعة الثانية من الكتاب، أكد أنها لا تمثل مجرد إعادة طبع، بل تشكل “ميلاداً جديداً”، سواء من حيث الحجم، إذ انتقل من حوالي 650 صفحة في الطبعة الأولى إلى ما يقارب 1400 صفحة، أو من حيث غنى المراجع، التي ارتفعت من نحو 300 إلى 450 مرجعاً، وهو ما يعكس مواكبة المؤلف للتطورات الأكاديمية والممارسات الدولية في مجال الرقابة المالية.
وأشار إلى أن هذا العمل مرشح لأن “يشكل مرجعاً علمياً مهماً للباحثين في المالية العمومية، ودليلاً عملياً للمدبرين العموميين”، خاصة في ظل تسجيل حالات من المخالفات التي “ترتكب أحياناً بحسن نية نتيجة ضعف الإلمام بالمقتضيات القانونية والضوابط المؤطرة”.
وخلص المتدخل إلى أن من شأن هذا الكتاب أن يساهم في ترسيخ ثقافة المساءلة والشفافية، وتعزيز الوعي القانوني لدى الفاعلين في مجال التدبير العمومي.
درس أكاديمي
من جهته، دعا حسن طارق، وسيط المملكة، إلى النظر إلى هذا العمل باعتباره أكثر من مجرد مؤلف قانوني، بل بمثابة “درس جامعي إنساني وأكاديمي” موجه للطلبة والباحثين، في سياق زمني يتسم بالسرعة والاختزال وهيمنة الوسائط الرقمية.
وأكد طارق على أن هذا الكتاب يعيد الاعتبار لقيم البحث العلمي الرصين القائم على التعمق والجهد والتأصيل، معتبراً أنه يمثل “الدرس الأول والأخير في الجامعة”، من حيث دعوته إلى العودة إلى الأساسيات والانخراط في المعرفة العميقة بدل الاكتفاء بالمقاربات السطحية.
وأوضح أن المؤلف ينصب على تقييم نظام مسؤولية المدبرين العموميين أمام القضاء المالي المغربي، في ضوء التحولات التي عرفتها سياسات الإصلاح القانوني لمنظومة التدبير العمومي، سواء على مستوى المبادئ العامة أو قواعد المحاسبة العمومية. وأضاف أن البعد الاستشرافي للعمل يتجلى في طرح إشكاليات دقيقة حول مستقبل هذا النظام، خاصة ما يتعلق بطابعه الثنائي، في ضوء تقييم علمي محكم يقدمه المؤلف، مما يفتح آفاقاً للتفكير في تطويره.
واعتبر المتدخل أن هذا العمل لا يحتاج إلى وقت طويل ليُصنف ضمن “كلاسيكيات القضاء المالي المغربي”، بالنظر إلى طابعه الموسوعي وقدرته على الإسهام لسنوات في تأطير القضاة الممارسين ومواكبة المدبرين العموميين.
كما أبرز أن الكتاب يقدم دراسة شاملة تفضي إلى ما يمكن اعتباره “نظرية عامة” لمسؤولية المدبر العمومي أمام القاضي المالي، بوصفها مسؤولية شخصية وقانونية مستقلة، تختلف عن المسؤولية السياسية، وتتمايز كذلك عن المسؤوليتين التأديبية والجنائية.
وأشار إلى أن هذا المصنف لا يقتصر على التحليل النظري، بل يشكل دليلاً منهجياً للقاضي المالي في مسار اشتغاله، بالنظر إلى غناه بالمراجع وإحاطته الشاملة بمختلف جوانب الموضوع. وأبرز أن هذا العمل يمثل رحلة فكرية ممتدة “من سلطة النص إلى رحابة التأويل، ومن ممارسة العدالة إلى التفكير فيها”.
دعوة لإعادة التفكير
أما عمر العسري، أستاذ القانون الإداري والمالية العمومية بجامعة محمد الخامس، فأبرز أن المؤلف يتميز باستناده القوي إلى الفقه الفرنسي، من خلال توظيف الاجتهادات الفقهية المقارنة بمختلف أشكالها، قبل الانتقال إلى تحليل الفقه المغربي، مشيراً إلى أن بصمة المؤلف تبدو واضحة أيضاً في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، بالنظر إلى حضوره البارز داخل هذه المؤسسة، وهو ما “يتيح قراءة متقاطعة بين مضامين الكتاب والممارسة العملية في مجال الرقابة المالية”.
وأوضح العسري أن التأصيل القانوني لنظام مسؤولية المدبر العمومي يستند إلى ترسانة قانونية مهمة، في مقدمتها مدونة المحاكم المالية، مبرزاً في الوقت ذاته “الإسهام القضائي في بلورة هذا النظام، خاصة من خلال الاجتهادات التي أرست معالمه وحددت نطاقه”.
كما توقف عند مسألة ضمانات العدالة القضائية الممنوحة للمدبرين العموميين أمام المحاكم المالية، معتبراً أن الإشكال الجوهري يتمثل في تحقيق التوازن بين فعالية المراقبة وحماية حقوق الإنسان، وهي من القضايا المركزية في تطوير القضاء المالي.
وأكد أن القيمة المضافة لهذا العمل تتجلى في تقديمه قراءة متكاملة تجمع بين النص القانوني والتطبيق القضائي، مستفيدة من المسار المهني للمؤلف داخل المجالس الجهوية للحسابات والمجلس الأعلى للحسابات، مما يجعله موجهاً بالأساس لفئة المدبرين العموميين.
وخلص إلى أن هذا الكتاب لا يقتصر على كونه دراسة قانونية، بل يشكل دعوة لإعادة التفكير في فلسفة المسؤولية في مجال التدبير العمومي، بما يحقق التوازن بين الرقابة الصارمة وتشجيع المبادرة، تفادياً لتحول القضاء المالي إلى عامل مثبط للمسؤولين.
كما يندرج هذا العمل، بحسب المتدخل، ضمن الجهود الرامية إلى ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، وتعزيز الثقافة المالية، وتمكين المدبرين العموميين من المعرفة القانونية التي تساعدهم على تجنب الأخطاء والمخالفات في نطاق اختصاصات القضاء المالي.