story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

حزب الداخلية

ص ص

قدّم وزير الداخلية، عبد الوافي الفتيت، خلال هذا المجلس الوزاري الذي انعقد يوم الخميس 9 أبريل 2026، عرضا في شكل برنامج مفصل يمتد لثماني سنوات، بكلفة تناهز 210 مليارات درهم، وبآليات حكامة وتنفيذ وتتبّع عابرة للولايات الحكومية نفسها.

استمع الملك لهذا العرض، وصادق المجلس الوزاري على الإطار الذي سيعيد تشكيل الجهة والتمويل والتنفيذ. والنتيجة أن عبد الوافي لفتيت بدا وكأنه ينصّب زعيما للحزب “الحقيقي” في المغرب.

هذا المسار لم ينطلق يوم أمس، بل بدأ، عمليا، منذ الخطاب الملكي الأخير بمناسبة عيد العرش، حين وُجّه الولاة والعمال إلى إعداد تصورات الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. وكان ذلك، في جوهره، إسنادا سياسيا وإداريا مباشرا لوزارة الداخلية كي تشتغل على ما كان يُفترض، في الأنظمة العادية، أن يكون صميم البرنامج الحكومي والأحزاب والتمثيل الانتخابي.

لكن ما وقع بعد ذلك جعل الصورة أوضح، حيث أنهى وزير الداخلية ترتيبات الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، ثم سبق الأحزاب جميعا إلى تقديم “برنامجه” هو، لا برنامج الحكومة، ولا برنامج الأغلبية، ولا برنامج التحالفات المقبلة، بل برنامج وزارة الداخلية نفسها، بغلاف مالي ضخم، وبأفق زمني يتجاوز عمر حكومة واحدة، ويُلزم ما بعدها بوصفه تعاقدا فوق انتخابي.

الدستور المغربي واضح في نصه على الأقل، والحكومة تمارس السلطة التنفيذية تحت سلطة رئيسها، والإدارة موضوعة تحت تصرفها، ورئيس الحكومة يمارس السلطة التنظيمية، ويمكنه تفويض بعض سلطه إلى الوزراء. كما أن مجلس الحكومة يتداول، من حيث الأصل، في السياسة العامة للدولة، والسياسات العمومية والقطاعية، وفي القضايا الراهنة المرتبطة بحقوق الإنسان وبالنظام العام، وفي النصوص التنظيمية، وفي تعيين عدد من المسؤولين.

لكن البلاغ الصادر أمس يجعل المستوى المحلي منطلقا للإعداد والتتبع، تحت رئاسة العامل، والمستوى الجهوي تحت رئاسة الوالي، فيما يتكفل المستوى الوطني بالتنسيق العام وتعبئة التمويلات، مع لجنة وطنية يرأسها رئيس الحكومة. أي أن رئيس الحكومة حاضر، هذا صحيح، لكن بوصفه حلقة تنسيق ومصادقة داخل هندسة صيغت أصلا من داخل وزارة الداخلية، وتشتغل ميدانيا عبر رجالها الذين حصلوا على زيادات قياسية في الأجور، وتُنفَّذ بأدوات تم تصميمها على مقاس منطقها.

أهم ما في هذا البلاغ أنه يعلن تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة يترأس مجلس إدارتها رئيس الجهة، بما يستدعي تعديل القانون التنظيمي للجهات نفسه. أي أننا أمام إعادة توزيع كبرى للاختصاصات والوسائل، تمت من بوابة المجلس الوزاري.

ويعيد هذا التعديل صياغة آليات التنفيذ والاختصاص والموارد في اتجاه يجعل الجهة نفسها جزءا من هندسة أوسع تشرف عليها وزارة الداخلية، ليس بالعصا الغليظة هذه المرة، بل بالشركات والمخططات والمنصات الرقمية والتدقيق المشترك بين المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية…

يمكن، طبعا، الدفاع عن هذه الخطوة من زاوية النجاعة، وربّما أيضا بمعطى التحضير لتنزيل الحكم الذاتي في الصحراء. وبلاغ الديوان الملكي نفسه يربطها بتحسين شروط عيش المواطنين وصون كرامتهم، وبالرفع من جاذبية المجالات الترابية، وتحفيز النمو وخلق الشغل… وهذا كلّه مهمّ.

كما أن هذه النقلة تبدو، ضمنيا، محاولة لتدارك خلل تدبيري راكمته حكومات متعاقبة، بما فيها حكومة أخنوش، في معالجة التفاوتات المجالية والفجوات التنموية، خصوصا بعد أن خرج المواطنون في القرى والجبال نحو العمالات والأقاليم يطالبون بنصيبهم من ثمار النمو.

لكن الاعتراف بهذا البعد لا يُلغي سؤال “لماذا صارت وزارة الداخلية هي التي تتقدم حيث تراجعت الأحزاب والحكومات؟” و”لماذا صار تدارك فشل السياسة يتم بأدوات الدولة الإدارية لا بأدوات الديمقراطية؟”.

هنا تستعيد عبارة تُنسب عادة للراحل محمد بنسعيد آيت إيدر معناها كاملا. الرجل الذي قال إن وزارة الداخلية هي أكبر حزب سياسي في المغرب، كان يتحدث عن قدرتها على التأثير في الانتخابات وصنع الخريطة الحزبية. أما اليوم، فيبدو أن الداخلية تجاوزت هذا الدور نفسه. ولم تعد “أم الوزارات” تُحسن هندسة المجال الانتخابي فقط، بل بات لها برنامجها الممتد، وميزانيتها الضخمة، وأجهزتها الترابية، وآليات تنفيذها، وقدرتها على النفاذ إلى اختصاصات باقي القطاعات.

وإذا كان هذا الوصف يبدو قاسيا، فإن ما جرى منذ الصيف الماضي يدفع في الاتجاه نفسه. فالقانون رقم 14.25 المغير والمتمم لقانون جبايات الجماعات الترابية، المنشور في الجريدة الرسمية في يونيو 2025، أعاد ترتيب جزء مهم من هندسة الجبايات المحلية، وفتح الباب أمام إعادة تنظيم أدوار التحصيل والتدبير.

ثم جاءت في 9 أبريل 2026 دوريتان مشتركتان بين وزارتي الداخلية والمالية لتنزيل هذه المستجدات وإنهاء الجدل الذي رافقها، مع شروع عملي في نقل اختصاصات استخلاص بعض الرسوم المحلية إلى القباض الجماعيين مباشرة. وهذه ليست تفاصيل مالية بسيطة، بل قبض لمورد أساسي من موارد السلطة المحلية، ومن أحد مفاصل القدرة على الفعل الميداني. وفي هذا السياق، جاءت إزاحة نور الدين بنسودة من الخزينة العامة للمملكة.

صحيح أن الروايات اختلفت في تفسير الأسباب، بين من ربطها بسن التقاعد ومن ربطها بخلافات مؤسساتية، لكن عدّة مصادر ربطت الإعفاء بالتوتر القائم حول ملف جبايات الجماعات الترابية، وبصراع الصلاحيات بين الداخلية والمالية والخزينة.

حين نضع هذه التطورات في مرآة الأنظمة الديمقراطية، سنجد أن رئيس الحكومة يذهب إلى الانتخابات على أساس حصيلة يدافع عنها وبرنامج جديد يعرضه على المواطنين. والناخبون، لا الإدارة، هم من يمنحون الشرعية ويجددونها أو يسحبونها. أما عندنا، فقد خرج، أو جرى إخراج، الشخصية التي يفترض أن تعطي الانتخابات التشريعية معناها السياسي: رئيس الحكومة عزيز أخنوش.

لهذا لا يبدو الأمر مجرد إصلاح ترابي أو هندسة جديدة للتنمية. إنه، في الجوهر، إعلان سياسي كبير. الدولة، حين تُضعف الأحزاب والحكومات، تتكفل بنفسها بصياغة السياسة العمومية، عبر الوزارة الأكثر قدرة على الانتشار والتنفيذ والضبط.

من هنا لا يعود السؤال “من سيفوز في انتخابات شتنبر؟”، بل ما الذي بقي أصلا للأحزاب كي تتنافس عليه؟ وما هو البرنامج الذي ستعرضه، إذا كان أكبر برنامج في البلاد قد صاغته وزارة الداخلية، وصادق عليه المجلس الوزاري، وجرى توزيع مفاتيحه الترابية والمالية والتنفيذية قبل أن تُفتح مكاتب التصويت؟

في الحقيقة، عبد الوافي لفتيت لم يقدّم عرضا تقنيا أمام المجلس الوزاري، بل أعلن، من حيث يدري أو لا يدري، أن أكبر حزب سياسي حقيقي في المغرب لم يعد استعارة قديمة في كلام آيت إيدر، بل بات واقعا مؤسساتيا كامل الأركان.