عندما ينحني القادة أمام الرئيس المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال
الأطفال، والمزيد من الأطفال، بلا نهاية… أمس في العراق، ثم غزة، واليوم إيران. في جنوب إيران تقع مدينة صغيرة تُدعى ميناب، مدينة هادئة يعرف أهلها بكرم الضيافة ودفء الاستقبال. سكان هذه المنطقة، ببشرتهم الداكنة التي تميّز الكثير من أبناء الجنوب الإيراني، اشتهروا عبر الزمن بطيبة قلوبهم وسخاء تعاملهم مع الآخرين.
ميناب مدينة صغيرة إلى حدٍّ أن مشارحها جميعًا لا تستطيع أن تضمّ 165 جثمانًا في وقت واحد. هذا هو عدد الضحايا الذين سقطوا في قصف مدرسة “الشجرة الطيبة “للبنات، ومعظمهم فتيات تتراوح أعمارهن بين السادسة والثانية عشرة. حقائب مدرسية ممزقة، أوراق رسم متناثرة، وأجساد صغيرة مزقتها القنابل. ولم ينجُ المعلمون أيضًا؛ فقد قُتل 14 من أفراد الهيئة التدريسية. أمَّا الجثامين، فقد وُضعت في شاحنات تبريد بانتظار أن توارى الثرى.
هذه المرة يُقال إنَّ الوقت قد حان لـ “إنقاذ” أطفال إيران. غير أنَّ مشروع إنقاذ الأطفال غير البيض ليس مشروعًا جديدًا. تقول منظمة “أنقذوا الأطفال” إنَّ أكثر من 20 ألف طفل لقوا حتفهم خلال 23 شهرًا من الإبادة الجماعية في غزة.
أثناء العدوان الاقتصادي والعسكري على العراق تم “إنقاذ” أكثر من 500 ألف طفل، أي أنهم قُتلوا. في هذا السياق، طرحت الصحفية ليزلي شتال سؤالًا على مادلين أولبرايت، سفيرة الأمم المتحدة بين 1993 و1997 ثم وزيرة الخارجية الأمريكية بين 1997 و2001: “لقد سمعنا أن نصف مليون طفل ماتوا، وهذا عدد أكبر من ضحايا هيروشيما. هل كان الثمن يستحق ذلك؟”. أجابت أولبرايت قائلة: “أعتقد أنَّ ذلك خيار صعب جدًا، لكننا نعتقد أن الثمن يستحق ذلك”.
إنَّ قصف مدرسة “الشجرة الطيبة” ليس سوى البداية. في جميع أنحاء البلاد، تُقصف العديد من المدارس الأخرى والمستشفيات والمراكز الرياضية. ولم يسلم من القصف مَعْلَم أثري عمره 400 عام، وهو مُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
وماذا عن ردّ فعل قادة الدول الغربية؟ إنهم ينحنون أمام متهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال، من بينهم تيد ليو، عضو مجلس النواب الأمريكي. أمَّا الجنود الأمريكيون فأغلبهم يعتقد بأنَّ الحرب ضد إيران ليست سوى جزء من خطة إلهية ينفذها الشخص ذاته المتهمّ!
في قلب هذا السديم حالك الظلمة، يحمل بريد إلكتروني متعاطف توصلتُ به من طالب رسالة ذات مغزى خاص. ينتهي هذا البريد بقصيدة شهيرة للشاعر الإيراني سعدي من القرن الثالث عشر:
“إنَّ أبناء آدم أعضاء في جسد واحد
إنَّ الخلق مصنوع من جوهرة واحدة.
عندما تؤذي الحياة والوقت أحد الأطراف،
الأطراف الأخرى لن تكون مرتاحة.
أنت الذي لا تحزن على معاناة الآخرين،
لا تستحق أن تسمّى إنسانًا”.
ومن المفارقة أن سعدي وُلد في القرن ذاته الذي شهد الغزوات المغولية. اليوم، بينما يقف القادة الغربيون غير مبالين بمعاناة الآخرين، بل ويصبحون سببًا فيها، وينحنون بطريقة أو بأخرى أمام المشروع الإبادي الإسرائيلي الأمريكي، فإنَّ هذه الأصوات الفردية ترسم أفقًا آخر.
كاوه باوري (Kaveh Boveiri)، أستاذ العلوم السياسية بجامعة كيبيك في مونتريال.
نشر هذا المقال بالفرنسية على موقع “Presse-toi à gauche”.