الصمدي: العالم يعيش انهيارا قيميا وموسوعة القيم في القرآن محاولة للإسهام في النقاش العالمي
أكد الأكاديمي وكاتب الدولة السابق المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي، خالد الصمدي، أن كثيرا من مظاهر التفتت التي عرفها العالم الإسلامي، سواء في منتصف القرن الماضي أو حتى قبل مرحلة الاستعمار، تعود في جوهرها إلى أزمة عميقة في المفاهيم المرجعية، مشيرا إلى أن الخلل في المفاهيم يؤدي بالضرورة إلى خلل في الممارسات والسلوكيات الفردية والجماعية.
وأوضح الصمدي، خلال تقديمه مشروع موسوعة منظومة القيم الكونية في القرآن الكريم اليوم السبت 14 مارس 2026 ، أن عددا من المفكرين الذين اشتغلوا على تشخيص ما يسمى بأزمة “العقل المسلم” رصدوا اختلالات متعددة، غير أن اختلاف المرجعيات المعرفية التي ينطلقون منها في التشخيص جعلهم يصلون إلى اتجاهات متباينة في محاولة إعادة تشكيل هذا العقل.
وأضاف أن الإشكال الأساسي يكمن في غياب خريطة معرفية مرجعية واضحة للمفاهيم المركزية، مثل مفهوم العقل أو الحق أو القيم، موضحا أنه في غياب نموذج معياري لهذه المفاهيم يصبح من الصعب تشخيص الخلل بدقة أو تحديد مواضعه داخل البنية الفكرية للمجتمع.
وفي هذا السياق، أشار الصمدي إلى أن مشروع موسوعة “منظومة القيم الكونية في القرآن الكريم” جاء استجابة لهذا التحدي، عبر محاولة بناء مرجعية علمية أكاديمية لاستخراج منظومة قيم كونية من القرآن الكريم وفق معايير دقيقة، لافتا إلى أن المشروع مر بعدة مراحل علمية قبل الوصول إلى صيغته النهائية.
وبحسب المتحدث، بدأت أولى الخطوات بعرض ورقة علمية أولية حول المشروع في ندوة علمية بجامعة أكسفورد في بريطانيا، ضمن لقاء جمع باحثين مهتمين بسؤال الأخلاق في المنظومات الثقافية، قبل أن تُعرض صيغة ثانية أكثر تطويرا خلال ندوة نظمتها الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب.
وأوضح أن المشروع دخل بعد ذلك مرحلة العمل المؤسسي عبر تشكيل فريق بحث متخصص تولى الاشتغال على تحديد المعايير المنهجية لاستخراج القيم الكونية من النص القرآني، وهي المرحلة التي استغرقت سنوات من النقاش والبحث، من سنة 2016 إلى غاية إصدار الوثيقة المؤطرة للموسوعة سنة 2023.
كما تم تقديم المشروع للنقاش داخل الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا في كوالالمبور، حيث عرض على مجموعة من الباحثين والخبراء من خلفيات دينية وفكرية متعددة، من بينهم باحثون غير مسلمين، في إطار نقاش أكاديمي حول إمكان استنباط قيم كونية من القرآن الكريم تخاطب الإنسانية جمعاء.
وأشار الصمدي إلى أن النقاشات التي رافقت هذا العرض شهدت طرح أسئلة متعددة من باحثين مهتمين بالبحث عن المشترك الإنساني داخل النص القرآني، مؤكدا أن تلك النقاشات ساهمت في تطوير المشروع وتعزيز مقاربته المنهجية.
وأضاف أن الوثيقة النهائية للموسوعة خضعت كذلك لمسار تحكيم أكاديمي دولي، إذ أُرسلت إلى جامعات وباحثين في عدة مناطق، من بينها بريطانيا والولايات المتحدة ودول الخليج والمشرق، إضافة إلى باحثين مغاربة، في إطار تحكيم علمي أعمى يضمن الحياد والاستقلالية.
وتابع المتحدث أن التقارير العلمية التي وردت من المحكمين تضمنت ملاحظات وأسئلة واقتراحات ساهمت في تطوير المشروع قبل اعتماده في صيغته النهائية، ليتم بعد ذلك إطلاق البرنامج العلمي المرتبط بالموسوعة.
ويرى خالد الصمدي أن المشروع يسعى إلى الإسهام في النقاش العالمي حول أزمة القيم، معتبرا أن العالم المعاصر يعيش ما وصفه بـ“انهيار قيمي” يتجلى في الحروب والصراعات والنزاعات العرقية والعنصرية، وهو ما يفتح المجال أمام تقديم مقاربات جديدة تستلهم من القرآن الكريم قيما كونية يمكن أن تسهم في معالجة هذه الإشكالات.
وأشار في هذا السياق إلى أن المشروع لا يقتصر على عمل الأساتذة والباحثين فقط، بل يفتح المجال أيضا أمام الطلبة، إذ يشارك فيه عدد من طلبة الدكتوراه من جامعات ومناطق مختلفة في المغرب.
كما كشف الباحث الأكاديمي عن إطلاق منصة تكوينية رقمية مرتبطة بالمشروع تحمل اسم “قيمنا”، توفر مساقات تعليمية حول منظومة القيم في القرآن الكريم، وتمكن المهتمين من متابعة الدروس عن بعد واجتياز اختبارات للحصول على شهادات في هذا المجال.
وخلص خالد الصمدي إلى أن فريق المشروع يشتغل حاليا على إصدار وثائق بحثية مرافقة للموسوعة، من بينها دراسة حول منهج القرآن في التغيير الاجتماعي، وأخرى تبحث العلاقة بين منظومة القيم في القرآن الكريم ومنظومة السنن الإلهية، في محاولة لفهم أثر القيم في انتظام المجتمعات واستقرارها.