مركز دراسات يقدم مشروع موسوعة علمية حول القيم الكونية في القرآن الكريم
نظم المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية، بتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي، لقاء تعريفيا بمشروع “موسوعة منظومة القيم الكونية في القرآن الكريم: أسسها المعرفية والمنهجية وتطبيقاتها”.
ويهدف المشروع الذي تم تقديمه يوم السبت 14 مارس 2026 بالرباط، إلى بناء رؤية علمية متكاملة لمنظومة القيم في القرآن الكريم، من خلال تأصيلها معرفيا ومنهجيا، ورصد امتداداتها في مجالات الفكر والتربية والحياة الإنسانية.
وأكد عدد من المتدخلين خلال اللقاء أن القرآن الكريم يمثل مرجعا أساسيا لبناء منظومة قيم كونية، تُسهم في توجيه السلوك الفردي والجماعي، وتعزيز الروابط الاجتماعية والثقافية في المجتمع، مشيرين إلى أن المشروع العلمي الجديد يشكل خطوة مهمة لإعادة بناء الوعي بالقيم في زمن التحولات العميقة والأزمات المركبة.
في هذا السياق قال عبد الرحيم بطيوي، مدير المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية، إن الحديث عن القيم في الزمن المعاصر لم يعد ترفا فكريا أو نقاشا نظريا معزولا عن الواقع، بل أصبح من القضايا المركزية التي تشغل الفكر الإنساني في ظل التحولات العميقة والأزمات المركبة التي يشهدها العالم.
وأضاف بطيوي، أن هذا المشروع يأتي ثمرة تعاون علمي وتربوي بين المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، بهدف الإسهام في تجديد النظر في موضوع القيم وتأصيلها معرفيا واستثمارها تربويا.
وأوضح أن المجتمعات المعاصرة تواجه تحولات تمس هوية الإنسان وسلوكه ونظام علاقاته، ما يجعل مسألة القيم في صلب النقاش الفكري والإنساني، معتبرا أن الأزمات التي تعيشها الأمم ليست اقتصادية أو سياسية فقط، بل هي في كثير من الأحيان أزمات قيم ومعايير.
واستحضر بطيوي في هذا السياق مضامين عدد من الخطب الملكية التي نبهت إلى التحولات التي تمس منظومة القيم، مشيراً إلى أن الملك محمد السادس أكد في خطاب العرش لسنة 2023 الحاجة إلى التشبث بالجدية بمعناها المغربي الأصيل في ظل اهتزاز منظومة القيم والمرجعيات عالمياً.
كما أشار إلى أن الملك شدد في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2023 على ضرورة مواصلة ترسيخ منظومة القيم، داعياً في رسالة وجهها إلى الأكاديمية الملكية المغربية إلى التمسك بالقيم الدينية والوطنية وصيانة الروابط الاجتماعية والعائلية وتعزيز التضامن المجتمعي باعتبارها ركائز أساسية لاستقرار المجتمع.
واعتبر المتحدث أن اضطراب منظومة القيم يؤدي إلى اختلال السلوك الفردي والجماعي وإضعاف الثقة داخل المجتمع وتآكل الروابط الاجتماعية، ما يبرز أهمية العودة إلى المصادر الأصيلة للقيم الإنسانية، وفي مقدمتها القرآن الكريم.
وأوضح بطيوي أن القرآن الكريم يمثل في الرؤية الإسلامية مرجعا أساسيا لمنظومة قيم كونية تخاطب الإنسان من حيث هو إنسان، وتؤسس لقيم العدل والرحمة والحق والكرامة، إلى جانب مبادئ الحرية والمسؤولية والتعارف بين الشعوب.
وفي هذا الإطار، قال المصدر ذاته إن مشروع موسوعة منظومة القيم الكونية في القرآن الكريم يمثل محاولة علمية لبناء تصور معرفي متكامل لمنظومة قيم كونية مشتركة، مع إبراز بعدها الإنساني وإمكانيات توظيفها في مجالات التربية والثقافة وبناء الإنسان.
وأكد أن المشروع لا يهدف فقط إلى جمع النصوص أو تصنيفها، بل يسعى إلى إعادة بناء الوعي بالقيم في سياق التحولات المعاصرة، وتقديم إسهام علمي يمكن أن يستفيد منه الباحثون والفاعلون في مجالات التربية والاقتصاد والثقافة والفكر.
وأشار مدير المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية إلى أن المركز راكم خلال السنوات الماضية جهودا علمية في مجال البحث التربوي وتأصيل القيم في منظومة التربية والتعليم، فيما يُعد المعهد العالمي للفكر الإسلامي من المؤسسات العلمية الدولية التي اشتغلت لعقود على قضايا الفكر الإسلامي المعاصر وتجديد مناهج البحث وربط المعرفة بالقيم.
واعتبر أن الاشتغال على موضوع القيم يظل مجالا معقدا ومركبا، لتقاطعه مع مجالات متعددة، ما يجعل إنجاز موسوعة علمية حول منظومة القيم في القرآن الكريم رهانا معرفيا وتربويا في آن واحد.
وخلص بطيوي إلى التأكيد على أن نجاح مثل هذه المشاريع لا يقاس فقط بإنجازها العلمي، بل بقدرتها على التأثير في الوعي المجتمعي وترسيخ القيم في مختلف مجالات الحياة، موجهاً الشكر للباحثين والخبراء والمؤسسات التي ساهمت في إنجاز هذا المشروع العلمي.
من جهتها أكدت نعيمة الداودي، عضو مركز الدراسات الفلسفية ببروكسيل، أن مسألة القيم المشتركة الكونية أصبحت اليوم من أبرز الأسئلة التي تواجه المجتمعات وصناع القرار، كما تطرح بإلحاح داخل الأوساط الأكاديمية والتنموية والمؤسسات القانونية والتشريعية والهيئات المعنية بالإشكالات المجتمعية.
وأوضحت الداودي، في مداخلة لها عن بعد خلال اللقاء أن الاتجاه العام الذي رافق الحداثة، خاصة في السياقات الليبرالية، اتجه إلى ترسيخ ما يعرف بنظرية الحياد القيمي للدولة وللمؤسسات العمومية، إلى جانب الفصل بين المعارف الفلسفية والدينية والأخلاقية.
وأضافت أن هذا التوجه انعكس في عدد من الممارسات والسياسات داخل المجتمعات الليبرالية والمجتمعات المتأثرة بها، سواء في ما يتعلق بالخيارات التنموية أو قضايا التعايش أو المواقف المرتبطة بمعايير الكرامة الإنسانية.
وأشارت إلى أن هذه التحولات برزت بشكل خاص مع ظهور مفاهيم وقواعد قانونية مبنية على مبدأ الحياد القيمي للمؤسسات، مثل قضايا الإجهاض والقتل الرحيم والتدخل في الجينوم البشري وتأجير الأرحام والتلقيح الاصطناعي والاستنساخ.
وسجلت الداودي أن هذه التحولات رافقتها أيضاً نقاشات مجتمعية متصاعدة حول قضايا حساسة مثل استغلال الجسد والانتحار، وهي قضايا أصبحت موضوع دراسات وتأويلات تُدمج أحياناً ضمن مضامين البرامج التربوية في بعض البلدان.
وأضافت أن مفهوم كرامة الإنسان، الذي ظل معيارا مركزيا في الأخلاقيات الطبية وفي المنظومات الحقوقية، بل وحتى في وضع ضوابط البحث العلمي في المجالات الحساسة كالبحث العسكري أو الأمني، أصبح بدوره موضوع نقاش وجدال داخل بعض الأوساط الفكرية.
وترى المتحدثة أن هذه التحولات دفعت بقوة إلى إعادة طرح موضوع القيم في العقود الأخيرة، ليصبح محوراً أساسياً في النقاشات العمومية المرتبطة بالسياسات التنموية والثقافية والاجتماعية والقانونية.
وفي هذا السياق، أوضحت أن المعهد العالمي للفكر الإسلامي أولى اهتماما مبكرا بقضية القيم، وجعلها محورا تأسيسيا في عدد من برامجه البحثية، باعتبار أن القيم الكونية تشكل المجال الذي تتقاطع فيه مختلف الحقول المعرفية.
وخلصت الداودي إلى أن هذا الاهتمام تُرجم في إطلاق عدد من ورشات البحث العلمي في مجال القيم، من أبرزها مشروع القيم الكونية والقرآنية الذي تم إطلاقه منذ سنوات بشراكة مع المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية.