في زمن الحرب.. ماذا يعني تنصيب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران؟
في لحظة فارقة من تاريخ إيران المعاصر، خرج مجتبى خامنئي من كواليس “بيت المرشد” ليصبح الرجل الأول في البلاد خلفاً لوالده الراحل علي خامنئي إثر اغتياله في هجوم عسكري مشترك شنته أمريكا والاحتلال الإسرائيلي. صعد خامنئي ليكون المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية، في لحظة يواجه فيها النظام اختبار الوجود الأكبر منذ ثورة 1979، بقرار يحمل دلالات تتجاوز مجرد سد فراغ في السلطة.
ويرى مراقبون أن هذا التعيين يمثل ذروة “السيادة الإيرانية” في مواجهة الضغوط الخارجية، إذ لا يمكن فصله عن سياق الحرب، كما يعكس توازنات القوة داخل النظام وسعيه الحثيث للحفاظ على تماسك “البيت الداخلي” في أدق مراحل تاريخه.
رسائل تحدي وطمأنة
في هذا الصدد، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إسماعيل حمودي، أن انتخاب مجتبى خامنئي يحمل عدة رسائل سياسية واضحة. فبحسب تحليله، فإن هذا الاختيار “ينطوي على رسالة تحدٍ لأمريكا وإسرائيل، مفادها أن إيران مستعدة للحرب وللتصعيد ولن تتراجع أو تستسلم”.
وفي المقابل، يشير الأستاذ الجامعي إلى أن الخطوة نفسها تمثل رسالة طمأنة للشعب الإيراني بأن النظام “لا يزال متماسكاً وقادراً على الاستمرار والعمل رغم الضغوط”.
ويضيف حمودي أن وصول مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد يعني عملياً “استمرار النهج السياسي نفسه الذي ميز مرحلة والده”، موضحاً أن هذا النهج يقوم على معاداة الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنه في الوقت نفسه يحمل بعداً براغماتياً “لا يمنع طهران من التفاوض مع واشنطن عند الضرورة”.
كما يلفت إلى أن إجراء عملية اختيار المرشد في ظل الحرب يبعث برسالة ضمنية مفادها أن “النظام الإيراني قادر على العمل حتى في ظروف الصراع العسكري”، وأن الحرب “لم تمنع مؤسسات الدولة من أداء وظائفها الأساسية”.
تأكيد لاستقلال القرار
من جانبه، يؤكد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، سعيد الصديقي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن هذا التعيين يحمل دلالات متعددة، خاصة أنه جاء “في خضم حرب كبرى تشنها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، وبعد اغتيال عدد من قيادات الصف الأول في النظام الإيراني”.
ويشير الصديقي إلى أن أولى هذه الدلالات تتمثل في أن القرار “لم يتأثر بالضغوط الأمريكية”، موضحاً أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد حذر إيران من تعيين مجتبى خامنئي بالاسم في منصب المرشد الأعلى، ومع ذلك “جاء القرار في الاتجاه المعاكس لهذه التحذيرات”، ما يؤكد – بحسب رأيه – “استقلال القرار الإيراني في ظل الحرب”.
أما الدلالة الثانية، فتتعلق بالدور المتنامي للحرس الثوري الإيراني في بنية السلطة ومصير الحرب أيضاً، إذ يرجح الصديقي أن هذه المؤسسة العسكرية “كانت تفضل وصول مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد الأعلى”.
كما يشير إلى أن اختيار مجتبى خامنئي يختلف عن النمط التقليدي للمرشد الأعلى الذي مثله كل من روح الله الخميني ووالده علي خامنئي. فالأولان كانا شخصيتين دينيتين بارزتين في الحوزة، بينما “لا يمكن وصف مجتبى خامنئي – رغم تكوينه الديني – برجل الدين بالمعنى الكامل”، إذ لم يحصل على أعلى المراتب العلمية في الدراسات الدينية.
في المقابل، يمتلك تجربة عسكرية وكان “يمارس الحكم بشكل غير مباشر عبر مساعدته لوالده”، ما يجعله – وفق الصديقي – “شخصية مركبة تجمع بين المعرفة الدينية وفهم مفاصل الدولة”، وهو ما قد يمهد لمرحلة جديدة قد تشهد “ولادة جمهورية ثانية في إيران”.
ومع ذلك، يرى سعيد الصديقي أن التعيين لا يسمح حالياً بالتنبؤ بشكل النظام مستقبلاً أو بموقفه من الجوار والقوى الدولية، إذ قد تحتاج شخصية مجتبى خامنئي – التي بقيت إلى حد كبير في الظل – إلى وقت حتى تتكشف ملامح توجهاتها.
وبناء على ذلك، يبقى احتمالان مطروحان، يقول الأستاذ الجامعي، إما أن يقود إيران نحو “علاقات أكثر انفتاحاً مع الجوار والغرب”، أو أن ينتج “نسخة أكثر تشدداً من النظام الحالي”.
تنازلات داخلية وتصعيد خارجي
بدوره، يعتبر رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية آسيا الشرق، مصطفى كرين، أن اختيار مجتبى خامنئي “كان متوقعاً لعدة اعتبارات”. ويوضح في حديثه مع صحيفة “صوت المغرب” أن دائرة الاختيار “كانت تقتصر أساساً بينه وبين حسن الخميني”، باعتبارهما الشخصيتين القادرتين على ضمان استمرار انسجام الطبقة الحاكمة في مرحلة “يطغى عليها خطر الانقسام السياسي”.
ويضيف كرين أن هذا الاختيار يهدف أيضاً إلى “تكريس الانطباع لدى الإيرانيين بأن أجهزة الدولة لا تزال تمسك بزمام الأمور”، كما يعكس “تحدياً للولايات المتحدة من خلال الإبقاء على اسم وصورة خامنئي في قلب المشهد السياسي الإيراني”.
وإلى جانب الدلالات السياسية، يشير إلى أن مجتبى خامنئي يحظى “بثقة واسعة داخل أركان النظام”، نظراً لقربه من الحرس الثوري، إضافة إلى تمتعه بثقة مؤسسات أساسية مثل مجلس خبراء القيادة ومجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام.
ويرى المتحدث أن هذه المعطيات تشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد “تصعيداً في المواجهة بين طهران من جهة وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى”، كما توحي بأن “الحرس الثوري سيكون الممسك بزمام المرحلة المقبلة”.
ومع ذلك، لا يستبعد رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية آسيا الشرق، إمكانية لجوء النظام إلى “بعض التنازلات السياسية المحدودة تجاه المعارضة بهدف تهدئة الشارع وإدارة الوضع الداخلي”، غير أن هذه التنازلات – بحسب تقدير كرين – “ستكون شكلية ولن تمس جوهر النظام السياسي”.