مذكرة تدعو لتحويل قطاع النظافة بالبيضاء من “عبء مالي” إلى مورد اقتصادي
انتقد الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة دفتر التحملات الخاص بالنظافة في مدينة الدار البيضاء، معتبرا أن التوجهات الحالية لا تزال حبيسة “منطق تقليدي” يعتمد على الجمع والكنس والطمر، داعيا إلى تحويل قطاع النظافة بالبيضاء من عبء مالي إلى مورد اقتصادي.
وأكد الائتلاف في مذكرة ترافعية أن “النموذج الحالي بلغ حدوده القصوى، حيث يتسم بارتفاع الكلفة العمومية وضعف خلق مناصب الشغل المستدامة، مما يجعل المدينة تتحمل عبء نظام يعامل النفايات كمشكل يجب إخفاؤه لا كمورد يجب تثمينه”.
وانتقدت المذكرة ما أسمته “النظافة المفروضة” التي تكرس اتكالية المواطن وتلغي دوره الفاعل، حيث إن تكثيف عمليات الكنس من 3 إلى 5 مرات يوميا يبعث رسالة سلبية تشجع على اللامبالاة بدل غرس ثقافة الفرز من المصدر.
وشدد الائتلاف على أن تغيير السلوك ليس مجرد مسألة تقنية أو معدات إضافية، بل هو صيرورة تربوية واجتماعية تتطلب إشراك المدارس والجامعات وجمعيات المجتمع المدني في استراتيجية تواصلية دائمية.
وفي سياق متصل، حذر الائتلاف من الانحراف في الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث “يتم اختزال التدبير الحضري في علاقة تعاقدية بين المنتخبين والشركات المفوض لها، مع تغييب تام للعلماء والمربين والمجتمع المدني”.
هذا الإقصاء يحول المدينة إلى “منظومة مغلقة” يغيب فيها البعد الديمقراطي التشاركي، ويحول المواطن من شريك في التغيير البيئي إلى مجرد “مستعمل” وممول للخدمة عبر الضرائب.
كما سجلت المذكرة “غياباً تاما” لركائز الاقتصاد الدائري في المشروع المقترح، مثل التصميم الإيكولوجي وإعادة الاستعمال والفرز والتثمين العضوي.
وأشار الائتلاف إلى أن الاستمرار في هذا المسار يجعل المدينة أسيرة لنموذج اقتصادي غير فعال يعيق الابتكار الصناعي ويحرم الشباب من فرص شغل “خضراء” يمكن أن تولدها سلاسل القيمة المرتبطة بتدوير النفايات وتحويلها إلى مواد أولية.
وفي هجوم صريح على خيار “الحرق”، اعتبر الائتلاف أن إدخال المحارق يمثل “خطأ استراتيجيا وتدميرا للقيمة الاقتصادية”، كونها تلتهم مواد قابلة للتدوير وتنتج مخلفات سامة.
وأوضحت المذكرة أن المحارق تفرض عقودا طويلة الأمد “وترهن المدينة لنفاياتها”، في وقت تتجه فيه دول العالم للتخلي عنها لصالح حلول أكثر استدامة وأقل كلفة مثل التسميد والتدوير المادي.
أما على مستوى المسؤولية المادية، فقد انتقدت المذكرة غياب نظام “المسؤولية الممتدة للمنتج”، حيث تتحمل الجماعات ودافعو الضرائب الكلفة كاملة، بينما يظل منتجو النفايات بعيدين عن المساهمة في تمويل إعادة التدوير.
وفي غضون ذلك، دعا الائتلاف إلى ضرورة تفعيل مبدأ “الملوث يدفع” واعتماد جباية بيئية تحفيزية عند المصدر لتقليص حجم النفايات المنتج وتشجيع الشركات على الابتكار البيئي.
وبناء على هذا التشخيص، قدم الائتلاف حزمة من التوصيات الاستراتيجية، على رأسها تحويل “دفتر النظافة” إلى “دفتر تدبير موارد”، وإدماج الاقتصاد الدائري في التخطيط الحضري.
كما شدد على ضرورة بناء سلاسل تدوير محلية تدعم الاقتصاد الترابي، مع المطالبة بالإسراع في إصدار قانون وطني للاقتصاد الدائري يواكب التحولات البيئية التي يطمح إليها المغرب.
واختتم الائتلاف مذكرته بالتأكيد على أن مدينة الدار البيضاء تملك فرصة تاريخية لتتحول إلى “مختبر وطني للاقتصاد الدائري” وقطب للوظائف الخضراء.
غير أن هذا الطموح يظل رهينا بتوفر إرادة سياسية حقيقية تتجاوز “الحلول السهلة” وتعتمد حكامة تشاركية تضع حماية المناخ والتنمية المستدامة في قلب السياسات التدبيرية للعاصمة الاقتصادية.