story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
افتتاحية رياضية |

5% وثقافة التشجيع

ص ص

النقاش الذي ساد في أوساط البطولة الوطنية لكرة القدم خلال الأيام الأخيرة، حول تخصيص نسبة 5% فقط من التذاكر لجماهير الفرق الزائرة ، هو نقاش مغلوط من الأساس، ويطبعه الكثير من العاطفة واللامنطق.

لماذا وكيف؟

أولا، هذه النسبة ليس ابتكارا مغربيا إبتدعته أجهزتنا الكروية ، بل هو قانون أصدره الإتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” الذي ننضوي تحت لوائه، ونخضع لقوانينه التنظيمية للمباريات الإحترافية، التي تفرض على الأندية والمنتخبات تخصيص نسبة من المقاعد لجمهور الفريق الزائر لا تنزل عن 5% من السعة الكاملة للملعب المحتضن للمباراة ، مع توصية بوضع منطقة المشجعين الزوار في أعلى المدرجات وحمايتها بالحواجز الضرورية التي تحول دون اشتباك مع الجمهور المحلي .

صحيح أن النسبة المذكورة هي في حدها الأدنى، والفيفا تركت للإتحادات والجامعات الكروية سلطة تقديرية للتعامل مع خصوصيات كل بلد، وصحيح أن المغرب قد أصبح يتوفر على ملاعب عالمية جديدة بعد “الكان” وهذه الملاعب في حاجة اليوم إلى دفئ الجماهير لكي تؤدي دورها الذي صرفت الدولة الملايير من أجله، ولكن هذا لايعني بأي شكل من الأشكال أن نمسح هذا المقرر التنظيمي العالمي، ودوره في تحقيق بعض العدالة بين الأندية المتنافسة، خصوصا التي لا تتوفر على قاعدة جماهيرية مساندة.

ثم هناك المعطى الأهم في هذه القضية، وهو أن إستخدام “فيتو” الخمسة بالمائة لجمهور الفريق الزائر ، وراءه دوافع أمنية وتنظيمية تريد إنهاء ظاهرة تنقل الجماهير بأعداد كبيرة إلى المدن التي تحتضن مباريات القسم الوطني الأول للبطولة الوطنية، وقد شاهدنا السلطات المغربية خلال السنوات الأخيرة تصدر قرارات منع شفوية (نظرا لغياب نص قانوني) لتنقل جماهير الأندية الكبيرة، لما لذلك من عبئ تستنفر معه الأجهزة الأمنية كافة رصيدها البشري واللوجيستيكي، خصوصا في حالة المباريات التي تحدث فيها أعمال شغب تروع المدن وتخلق فيها حالة من الفوضى والهلع.

المغرب ربما هو البلد الوحيد في العالم الذي تتنقل فيه جماهير أندية كرة القدم إلى ملاعب الخصوم بهذه الكثافة لتشاهد مباريات فريقها، سواء كان ذلك في نهاية الأسبوع أو وسطه، بالليل أو بالنهار، وسواء كان الجو صحوا أو ماطرا، والمؤسف في الأمر أن تجد من بينهم عددا كبيرا من القاصرين الفارين من مقاعد الدراسة وسط الأسبوع، وأيضا “المتفرغون” من أي شغل أو عمل سوى تتبع فريقهم المفضل أينما حل وارتحل.

في أوربا التي تراكم فيها الأندية تاريخا عريقا، وتمتلك ملاعبها الخاصة، ولها قاعدة جماهيرية وشعبية تعد بالملايين داخل البلد الواحد، قد يلعب واحد من هذه الفرق داخل مدينته مع فريق آخر أقل مستوى وقيمة كروية منه، وداخل ملعب صغير يكفي فقط لمناصريه، لكن جمهور الفريق الكبير الزائر لا تجد منه سوى بضعة عشرات في المنطقة الصغيرة المخصصة لهم، فيما الباقي يفضلون مشاهدة المباراة على التلفاز رغم أن فريقهم يلعب داخل المدينة بالقرب منهم وبإمكانهم أن “يتزاحموا” مع الجمهور المنافس على تذاكره.. لكنهم لا يفعلون.

هي ظاهرة بقدر ما تنظبط فيها جماهير الأندية الأوربية لقوانين الفيفا والإتحادات الكروية، بقدر ما هي انعكاس أيضا للكثير من العوامل الإجتماعية والإقتصادية والثقافية، التي جعلت جماهير أندية كرة القدم يقتصر حضورها فقط على ملعبها ،ومن المستحيل أن يثار عندها مثل هذا الجدل السائد في المغرب حول النسبة المخصصة للجمهور المحلي والزائر.