المهدي بنسعيد “وصفةٌ مجرّبة”
يُحْسَد الوزير محمد المهدي بنسعيد على فائض الأفكار العبثية التي تمرّ على رأسه بشأن قطاع الصحافة. ها قدّ فكّر، ضمن باكورة تخريجاته، في إنشاء لجنة إدارية مؤقتة، لولا لُطف الله.
محاربةُ الحقائق الواضحة حماقةٌ. هذا بالضبط ما ينطبق على وزير الشباب والثقافة والتواصل مع التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة. تشعرُ الآن أن بنسعيد وحكومته تسبّبوا بما يقتربُ من “وأْد” التجربة، ثم تورّطوا في حمل الجثّة، فلا هم قادرون على إنعاشها، ولا دفنها.
يجوز الآن القول، بعد كل هذا التجريب المفضي إلى التخريب “مع نيّة إحداثه”: محمد المهدي بنسعيد “وصفةٌ مجرّبة”.. للإضرار بالصحافة.
في نهاية نوفمبر 2025 كتبتُ، في هذا الحيّز، عن الموضوع ذاته مقالا بعنوان (محاولةُ دفن جثّة تحت سجادة). يبدو الآن واضحاً أن الجثّة تعفّنت، وأنها صارت عبئاً ثقيلا على من يحملها على كتفيه ويطوف بها في المؤسسات وبين سراديب القوانين.
يومها خاطبتُ الوزير بنسعيد بأن الوقت لم يتأخر لإعادة تصويب النقاش والتدارك، لكن سنتأخر كثيرا إذا جرى تمرير مشروع القانون الخاص بإعادة تنظيم المجلس الوطني في جو مفتقد للتوافق وشديد الانقسام. وشددت على أنه لن يخسر أحدٌ بالحوار والتعقّل، لكن ستخسر المهنة بسبب التغوّل وشهوة “كسر باب” القانون عُنوَةً لفرض التشريع لصالح الفئة.
ويجوز الآن القول، أيضا، إن ما كان يصحّ يومها صار متجاوزاً، وقد “اتّسع الخرقُ على الراقع”.
ما يجب أن يدركه المهدي بنسعيد أنه تسلّم مسؤولياته الوزارية (يوم 7 أكتوبر 2021 تاريخ أداء اليمين الدستورية) وكان هناك مجلسٌ وطني للصحافة قائم (تأسّس عام 2018)، فقرّر دوس القانون بالتمديد له بدل تجديده، ثم أنشأ لجنة مؤقتة مطعوناً في شرعيتها، ليكون كل حصاده، قبل أشهر من الانتخابات التشريعية المقبلة، فراغٌ تنظيمي وانقسامٌ كبير بشأن قانون إعادة تنظيم المجلس، فضلا عن أضرار فادحة في بنية قطاع الصحافة، فيما يرتبط بالصحافيين والناشرين على السواء.
وعموماً، النتائج ابنةُ المقدمات على الأغلب. ولا مفاجأة في هذا الموضوع الذي بلغت العبثية فيه مداها خلال هذه التجربة الحكومية التي أضرّت بالتجربة التأسيسية للمجلس الوطني للصحافة.
كان قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة لحظة تكثيف لإبراز كل الخلافات، مثلما كان يجب أن يكون فرصةً للتحاور والاتفاق على “كلمة سواء”، تأخذ بعين الاعتبار الرأي الاستشاري لمؤسسات دستورية رأت مشاكل لا تخفى في مشروع القانون، وأيضا ملاحظات خبراء، ووزراء سابقين، وصحافيين وناشرين بحّت أصواتهم خلال التنبيه إلى الاختلالات.
وكعادة هذه الحكومة “اللي كتحسب بوحدها احتا كيشيط ليها”، ركِبت رأسها، وفرضت رأيها، قبل أن تردّ المحكمة الدستورية القانون لعدم دستورية عدد من مواده. قرار المحكمة يتجاوز الحكم في موادٍ إلى الطعن في شرعية مسار وروح كُتب بها القانون، الأمر الذي كان يستوجب توقّف الحكومة لاسترجاع عقلها.
مرة أخرى، لم تستخلص الحكومة الدرس، وها هي تعود لتمرير القانون بعد تعديلات تقنية. ولئن أجابت المحكمة الدستورية في نطاق مسؤولياتها، فإن العقل السياسي يجب أن يتجاوز إلى فهم الرسالة كاملةً، وأن يُدرك أن المدخل القانوني معْبَرٌ ممكنٌ للتقويم السياسي.
عيوبُ النص تتجاوز عدم المطابقة الدستورية، كما قضت المحكمة الدستورية ضمن حدود المطلوب منها، إلى خطايا سياسية، مالت معها الكفّة لصالح فئة متغلّبة، بما أحدث شرخاً في قطاع الصحافة. وإنّ الاستعجال بتمرير القانون، دون معالجة كل الوضعية، هو اجتزاءٌ آخر للحل، سيجرّ معه تكاليف لم يعد من مجال لتجريبها وتضييع أشهر أو سنوات في معالجة أضرارها.
ولأنّ “الفرانات تقطعو” في الانحدار بهذا الموضوع، فكّر وزير الشباب والثقافة والتواصل في أن يزيد “الخلّ على الخميرة” باقتراح إحداث لجنة إدارية مؤقتة، واقتنعت الحكومة (من تلقاء نفسها؟!!!) أنها بصدد وصفةٍ أخرى لا تقلّ عبثية عمّا سبقها، فسحبتها في آخر لحظة، وبرّرت قرارها بأن “شروط الاستعجال والضرورة الاستثنائية التي تبرر اللجوء إلى المرسوم غير متوفرة في هذه المرحلة”، وأن “جزءاً من المهام التي كان سيُسندها إلى اللجنة المزمع إحداثها يمكن الاستغناء عنها، عبر إصدار قرار إداري يقضي بتمديد العمل ببطاقات الصحافة، كما أن مشكلة تأخر صرف أجور العاملين في المجلس الوطني للصحافة حُلّت”.
وهنا، أقترح على الوزير بنسعيد أن يؤلف كتاباً بعنوان: “من التنظيم الذاتي إلى التدبير بقرار إداري.. رحلتي مع الصحافة”. فإن لم يُفِد في الحفاظ على المكاسب وتعزيزها، على الأقل يمكن أن يفيد بتوثيق أخطائه، لعدم التكرار.
تشعر مرّات أن كل الجاري يتجاوز أخطاءً فرديةً متراكمة، وسوء تدبير، وقلّة تجربة في التعامل مع مسار، إلى مساقٍ مُفكّر فيه ومدروس، لمزيد من إضعاف هذا القطاع.
يصعب استيعاب حجم هذا الاستخفاف، وقرارات عبثية بعضُها فوق بعضٍ، خارج “سوء الظن”، خاصة أن الناظم بينها مزيدٌ من إغراق قطاع الصحافة في الفوضى والتشرذم والانقسام.
إنْ كان الأمر سوءَ تدبير، فهذا يستوجب مساءلةً سياسية للوزير ومن جاراه في هذا “اللعب”. أما إنْ كان مدبّراً وواعياً، فقطعا يستدعي مقاومةً لا لُبس في انحيازها للصحافة، تنهض على فكرة أن تغييب الصحافة وإخراس صوتها وإضعافها رديفٌ لنوايا تسييد الرأي الواحد والفكرة الوحيدة، بما يقوّض تعددية هذا المجتمع وتنوّع الأصوات داخله.
قصارى القول
وزير التواصل يجرّب الآن، فيما تلْفِظُ هذه الولاية الحكومية أنفاسها الأخيرة، تمرير قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة وفق أجندة جديدة لم تغادر مساحة الانقسام الأولى. “بَشَّر” في ندوته الصحافية بالحسم في النص القانوني المتعلّق بإعادة تنظيم المجلس على مستوى مجلس النواب خلال شهر أبريل المقبل، على أن تتم إحالته على مجلس المستشارين، متوقّعاً أن “يكون لدينا مجلس جديد في شهر ماي المقبل”.
في هذا الكلام استمرار لعقلية إنكار الواقع. يتصوّر أن المشكل قانونيٌ تدبيري فقط. الأمر أعمق من كل هذا. القصة توجد الآن في ضرر كبير طال جسم الصحافة، ولا سبيل لإصلاحه إلا بتدوير النقاش بشأن هذه المهنة المسحوقة والممحوقة بين طاحونات رأس المال، وسطوة العقل الأمني، وانفلاتات من أخلاقيات ما عادت تعني أحداً، ونموذج اقتصادي يُرسِّم للتفاوتات، التي تقوم على الولاءات و”إنبات الرّيش” بالمال العام، ولا تتأسّس على معايير التنافسية والجودة والمجهود ونوعيّة المنجز المهني.
أهمية القانون لا تخفى، وإعادة وضع التنظيم الذاتي على سكّته لا خلاف على حيويتها، لكن كثيراً من الأشواك والحصى وُضعت في حذاء هذا القطاع، يصعب نزعها دون حوارٍ صريح ومسؤول وجاد، بين أصحاب العلاقة والمصلحة، ومن يعنيهم الأمر، للاستواء على حدود من الاتفاق، يمكن أن تؤسِّس لانطلاقة جديدة، تُبعد تجربة التنظيم الذاتي عن “قطّاع الطرق” و”فُتوّات المهنة” الذين أخذوا كلّ حظهم في التجريب والعبث، بالشراكة مع الوزير الذي لم يترك فكرة خاطئة إلا جرّبها.
المأمول الآن، أن يرفعوا أيديهم لإفساح المجال لإصلاح ما أفسدوا. بكل بساطة.