الجامعي: الإعلام في مرحلة دقيقة والمال أصبح أداة للضغط على الصحافة
أكد النقيب عبد الرحيم الجامعي، أن الإعلام في المغرب يمر بـ”مرحلة دقيقة” تتقاطع فيها التحولات السياسية والمؤسساتية مع أسئلة الاستقلال والحرية، معتبرا أن ما تعيشه الصحافة اليوم ليس مواجهة مع الذات، بل مع المفاهيم والمؤسسات التي تصنع القوانين وتتحكم في المجالات الحساسة داخل المجتمع، وعلى رأسها العدالة والإعلام.
وأوضح الجامعي خلال ندوة نظمتها منظمة “حريات الإعلام والتعبير” اليوم الثلاثاء 17 فبراير 2026 حول موضوع “الإعلام والمحاماة وفصل السلط” أن التضييق على الصحافة لم يكن دائما مباشرا عبر المتابعات والمحاكمات، وإنما اتخذ أحيانا أشكالا غير مباشرة، من خلال الضغط المالي أو توظيف الاستثمار والإشهار للتأثير على الخط التحريري.
كما أبرز أن “المال لعب دورا خطيرا جدا في استغلال الصحافة وكبح جماحها”، متسائلا عن طبيعة العلاقة بين مؤسسات الإعلام ومؤسسات الإشهار، وكيف يمكن أن تتحول هذه العلاقة إلى أداة احتواء أو سيطرة تمسّ استقلالية العمل الصحفي.
وأضاف أن الصحافة والعدالة في المغرب “كتب عليهما أن يمرّا بمرحلة دقيقة”، يلتقي فيها مساران ويفترقان في الآن ذاته، في ظل ما وصفه بتعدد المحن التي واجهها الصحفيون عبر محطات مختلفة، من محاكمات واعتقالات وإغلاق منابر، ومنع من ممارسة المهنة، بل والتهجير خارج البلاد.
وشدد النقيب على أن الصحافة، رغم المحن، تقاسمت مع المجتمع لحظات الانتصار كما تقاسمت لحظات المعاناة، معتبرا أن المرحلة الراهنة تضعها أمام امتحان جديد، لكنه امتحان “نشاطره كالمقاومة”، في إشارة إلى ضرورة التشبث بحرية التعبير واستقلالية المهنة في سياق التحولات الجارية.
ولفت المتحدث إلى أن الصحافة والإعلام يضطلعان بدور مركزي في كشف الأحداث الكبرى، والوصول إلى الحقائق، وتغيير الواقع، فضلا عن البحث والتقصي في ما يتم إخفاؤه عن أعين المواطنين، خاصة في ملفات الفساد الاقتصادي والمالي.
كما أشار إلى أن الإعلام كان حاضرا بقوة في تغطية المنازعات الكبرى والحروب القاتلة، مستحضرا ما تنقله الصحف ووسائل الإعلام من مواقع النار والدمار في أوكرانيا وفلسطين، وغيرها من بؤر التوتر، معتبرا أن العالم يعيش فترة تحول عميقة، تتوالى فيها الأحداث والوقائع والمفاجآت بشكل يومي، ما يجعل مآلاتها غير قابلة للتنبؤ إلى حدود الساعة.
وفي سياق آخر، تطرق النقيب إلى مهنة المحاماة، مؤكدا أنها كانت بدورها محط متابعة واهتمام دائمين، وأنها خاضت معارك متعددة دفاعا عن استقلالها، سواء على المستوى الشخصي أو الوظيفي أو المؤسساتي.
وأضاف أن ما يُثار اليوم بخصوص المشروع الجديد المتعلق بالمهنة ليس سابقة من حيث محاولات المساس بالاستقلال، غير أن “الحدة التي أتى بها المشروع غير مسبوقة”، مذكّرا بأن المحاماة عاشت محنا وتراجعات منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وأنها كانت في كل مرة تنتفض كلما مست مهنتها، بشهادة الرأي العام.
كما شدد الجامعي على أن الفشل في تعبئة البرلمانيين لإحالة نص قانون المسطرة الجنائية على المحكمة الدستورية لا يتحمله المهنيون وحدهم، بل تتحمله بالأساس الجهات المخول لها دستوريا حق الإحالة، من رئيس الحكومة إلى رئيسي مجلسي البرلمان وعدد من مكونات المجلسين، معتبرا أن مرور القانون رغم ما أثير حوله يطرح أسئلة سياسية ومؤسساتية عميقة.
وخلص النقيب عبد الرحيم الجامعي بالتأكيد على أن المغرب يعيش “لحظة حساسة” تبحث فيها مختلف القوى عن تغيير معادلة داخل المجتمع، مشددا على أن “عهد التحكم انتهى”، وأن منطق دولة القانون والمؤسسات يقتضي ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة حين يقرّ المسؤول بخطئه، لأن الديمقراطية، حسب تعبيره، “لا تكتفي بإعلان الخطأ، و إنما تستوجب المساءلة الفعلية”.