الألعاب الأولمبية الشتوية.. مسيرة الجليد بين المجد وخطر التغيرات المناخية
اسدل الستار مساء الأحد، 22 فبراير 2026، عن الألعاب الأولمبية الشتوية ميلانو-كورتينا، واختتمت معه واحدة من من أبرز التظاهرات الرياضية العالمية الضخمة التي تجمع نخبة من ألمع الرياضيين من مختلف دول العالم في منافسات تقام حصرا على الثلوج والجليد، وتشمل رياضات تتطلب مهارات تقنية عالية وقدرة بدنية كبيرة وسط ظروف مناخية صعبة في مناخ بارد للغاية.
وحملت نسخة هذه السنة الرقم 25، ضمن سلسلة دورات لم تُنظم سوى في 12 دولة فقط موزعة على ثلاث قارات، وهي: الولايات المتحدة، فرنسا، النمسا، كندا، اليابان، إيطاليا، النرويج، سويسرا، ألمانيا، روسيا، كوريا الجنوبية، والصين. وأقيمت دورة 2026 في إيطاليا، وتحديدا في مدينتي ميلانو وكورتينا.
وتعود محدودية البلدان المستضيفة للألعاب الأولمبية الشتوية إلى القيود الجغرافية والمناخية التي تفرضها طبيعة هذه المنافسات، إذ يتعين أن تكون درجات الحرارة منخفضة بما يكفي لتوفر الثلوج والجليد خلال شهر فبراير، وهو ما يجعل الدول القادرة على استضافة الحدث تنحصر أساسا في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.
وتنظم هذه الألعاب تحت إشراف اللجنة الأولمبية الدولية، كما تقام مرة كل أربع سنوات بالتناوب مع الألعاب الأولمبية الصيفية، لتشكل حدثا رياضيا عالميا يجمع بين المنافسة الكبيرة وروح التحدي.
بداية الألعاب الأولمبية الشتوية
بشكل تدريجي، سجلت فكرة الألعاب الأولمبية الشتوية ظهورها الأول عام 1924. فبعد الحرب العالمية الأولى، دعم المبعوثون الفرنسيون باللجنة الأولمبية الدولية اقتراح ضم هذه الرياضات الشتوية للألعاب الأولمبية، وبدعم من مؤسس الألعاب الأولمبية الحديثة البارون بيير دي كوبرتان، أضاف المسؤولون الأولمبيون للألعاب الأولمبية باريس عام 1924 ما عرف بادئ الأمر بالأسبوع الدولي للألعاب الشتوية،
وخلال هذا الحدث الرياضي العالمي الذي أقيم بمنطقة شامونيكس الفرنسية، نٌظمت 16 منافسة رياضية شارك بها 258 رياضيا جاؤوا لتمثيل 14 دولة فقط، قبل أن يتقرر رسميا بعد عامين، بحلول عام 1926 اعتماد اسم الألعاب الأولمبية الشتوية بدلا من الأسبوع الدولي للألعاب الشتوية.
ومنذ تلك الفترة، تقرر أن تجرى الألعاب الأولمبية الشتوية مرة كل أربع سنوات رفقة الألعاب الأولمبية الصيفية. كما وافقت اللجنة الأولمبية الدولية على مقترح يسمح بإجراء هذين الحدثين الرياضيين العالميين بدولتين مختلفتين.
تطور الألعاب الأولمبية الشتوية
مع مرور السنوات، شهدت الألعاب الشتوية تطورا ملحوظا من حيث عدد الرياضات ونوعية المنافسات. فبعد أن كانت تقتصر على التزلج والهوكي وبعض الرياضات التقليدية، أضيفت لاحقا رياضات حديثة مثل التزلج الحر، التزلج على اللوح، البياتلون، والكيرلنغ، ما ساهم في زيادة شعبيتها واستقطاب جماهير جديدة، خاصة من فئة الشباب.
وقبل اعتماد الألعاب الأولمبية الشتوية الافتتاحية سنة 1924، تم تضمين الرياضات الجليدية مثل الهوكي على الجليد والتزلج الفني في الألعاب الأولمبية الصيفية، قبل أن يظهر التزلج الفني لأول مرة في الأولمبياد الصيفية عام 1908 في لندن، بينما تم التنافس على الهوكي على الجليد لأول مرة في عام 1920.
وبمجرد انطلاق الألعاب الشتوية رسميا في عام 1924، تم نقل جميع الرياضات الشتوية بشكل دائم إلى الألعاب الأولمبية الشتوية.
الرياضات المدرجة في الألعاب الشتوية
كانت أول دورة ألعاب أولمبية شتوية في عام 1924 بفرنسا تضم خمس رياضات بتسع تخصصات وهي: الزلاجة الجماعية، والكيرلنج، والهوكي على الجليد، والتزلج النوردي، والتزلج على الجليد.
ويشمل التزلج النوردي الدوريات العسكرية، والتزلج الريفي، والتزلج النوردي المشترك، والقفز على الجليد، كما يشمل التزلج الفني والتزلج السريع.
وحتى اليوم، لا يوجد سوى سبع رياضات و15 تخصصا في الأولمبياد الشتوية، و تشمل الرياضات وتخصصاتها البياتلون، والزلاجة الجماعية (الزلاجة الجماعية والهيكل العظمي)، والكيرلنج، والهوكي على الجليد، والزلاجات، والتزلج (التزلج الفني، والتزلج السريع على المضمار القصير، والتزلج السريع)، والتزلج (التزلج على جبال الألب، والتزلج الريفي، والتزلج الحر، والتزلج الشمالي المشترك، والقفز على الجليد، والتزلج على الجليد).
لكن خلال دورة الألعاب الشتوية عام 2022 في بكين، تم تحطيم رقم قياسي بلغ 109 حدثا عبر هذه التخصصات الخمسة عشر.
المشاركات المغربية
سجل المغرب حضوره في الألعاب الأولمبية الشتوية لأول مرة عام 1968، وشارك في عدد من الدورات عبر رياضيين متخصصين في التزلج الألبي والتزلج الريفي، لكنه لم ينجح لحدود اللحظة في تحقيق أي لقب يذكر نظرا لافتقار المغرب للمرافق الرياضية المتطورة اللازمة للتدريب على رياضات الجليد والثلج، والتي تتطلب تكاليف مالية باهظة.
وينضاف إلى قائمة الأسباب أيضا: نقص الدعم والتمويل، حيث يتركز الاهتمام والدعم المالي الحكومي والخاص في المغرب على الألعاب الصيفية مثل ألعاب القوى وكرة القدم، مما يترك الرياضات الشتوية دون دعم حقيقي أو برامج تأهيل طويلة الأمد.
كما يعتمد المغرب في حضوره بالألعاب الشتوية بشكل شبه كلي على مواطنين مغاربة يتدربون ويعيشون في دول أوروبية على غرار فرنسا، مما يجعلهم يفتقرون إلى الاحتكاك والمنافسة العالية التي تؤهلهم لمنصات التتويج أمام دول تمتلك تقاليد عريقة في هذه الرياضات.
ورغم وجود جبال الأطلس وتوفر الثلوج في الشتاء، إلا أنها لا توفر بيئة مستدامة ومناسبة لتدريب الرياضيين طوال العام. ومع ذلك، يواصل المغرب حضوره في هذا المحفل العالمي، حيث شاركت المملكة في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية “ميلانو كورتينا 2026”.
ومثّل المغرب في هذه التظاهرة العالمية رياضيان هما عبد الرحيم كميسة وبيترو ترانكينا، في تخصصي التزلج الألبي والتزلج الريفي، غير أنهما لم يتمكنا من إحراز أي ميدالية خلال الدورة التي أُسدل الستار عليها اليوم.
وجاءت مشاركة المغرب في هذه التظاهرة بناء على الحصة الممنوحة من قبل الاتحاد الدولي للتزلج، ووفق اللائحة التي صادقت عليها الجامعة الملكية المغربية للتزحلق ورياضات الجبل، حيث استكملت اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية كافة إجراءات تسجيل الوفد لدى اللجنة المنظمة للدورة.
وأكدت اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية أن هذه المشاركة تعكس حرص المملكة على ترسيخ حضورها في الساحة الأولمبية الشتوية، وتعزيز جهود تطوير الرياضات الشتوية، بما ينسجم مع قيم ومبادئ الحركة الأولمبية.
أكثر الدول تتويجا
تتصدر دول الشمال الأوروبي جدول الميداليات التاريخي، وعلى رأسها النرويج حيث تتصدر المملكة النرويجية قائمة الدول الأكثر تتويجا في تاريخ الألعاب الأولمبية الشتوية، و تعد القوة المهيمنة برصيد يتجاوز 400 ميدالية إجمالية (بما في ذلك أكثر من 150 ذهبية، تليها الولايات المتحدة وألمانيا وكندا والسويد. ويرجع هذا التفوق إلى الطبيعة المناخية المناسبة لهذه الدول والاستثمار المبكر في الرياضات الشتوية.
التحديات التي تواجه الألعاب الشتوية
تواجه الألعاب الأولمبية الشتوية تحديات متزايدة، أبرزها تأثيرات التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة، ما يهدد توفر الثلوج الطبيعية.
في الألعاب الأولمبية الشتوية الحالية وتحديدا في جبال الدولوميت الإيطالية، من المقرر أن تضخ آلات الثلج حوالي 50 ألف متر مكعب من الثلج الاصطناعي، لضمان ظروف مثالية لسباقات التزلج على الجليد في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية ميلانو كورتينا 2026.
وعلى الرغم من أن منطقة كورتينا دامبيتسو الواقعة على ارتفاع 1816 مترا تشهد تساقطا طبيعيا غزيرا للثلوج، فإن منظمي المسابقة أكدو في تصريحاتهم لقناة “بي بي سي” أن 85 في المئة من الثلج المستخدم في الألعاب سيكون اصطناعيا، وذلك “لضمان أفضل سطح ممكن للرياضيين، وتوفير ظروف منافسة عادلة وآمنة طوال فترة الحدث”.
في المقابل، أعرب المدربون والرياضيون عن قلقهم من الاعتماد على الثلج الاصطناعي، مؤكدين أنه يجعل رياضات الثلج أكثر تقلبا وخطورة، ويزيد من احتمالات الإصابة، كما يجعل التدريب أكثر صعوبة وتكلفة.
ومنذ ما يقرب من خمسين سنة، وتحديدا في الأولمبياد الشتوية في ليك بلاسيد بولاية نيويورك، بدأ استخدام الثلج الاصطناعي لأول مرة.
وخلال العقد الماضي، أصبح منظمو المسابقات من هذا النوع يعتمدون بشكل متزايد على هذه التقنية للحفاظ على ظروف مناسبة للمنافسات، مع استمرار تراجع تساقط الثلوج في الجبال على مستوى العالم وقصر مواسم الشتاء، وقد كانت دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين عام 2022 أول دورة تعتمد بالكامل على الثلج الاصطناعي.
في السياق،تقول البريطانية مينا فيتزباتريك، أكثر رياضية بريطانية تتويجا في تاريخ الأولمبياد الخاصة، في حوار مع “بي بي سي” إن “التغير الكبير في ظروف الشتاء يجعل للثلج الاصطناعي دورا مهما في استمرار إقامة السباقات والحفاظ على انتظامها”.
لكن الاعتماد على الثلج الاصطناعي لا يخلو من المخاطر، فوفقا لتقرير صادر عام 2022 عن جامعة لوفبرا في المملكة المتحدة، يجعل الثلج الاصطناعي الرياضيين أكثر عرضة للإصابة أثناء المسابقات لأنه أكثر صلابة وأكثر تجمدا وكثافة من الثلج الطبيعي، إذ يحتوي على كمية أقل من الهواء داخل بنيته ما يجعل السقوط أكثر قسوة، حيث أن الفارق يشبه “السقوط على الرصيف مقارنة بالسقوط على العشب”.
اليوم، تتراجع بالفعل فرص إقامة الرياضات الجليدية، إذ يتناقص بسرعة عدد المواقع القادرة على استضافة الألعاب الأولمبية الشتوية بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتراجع تساقط الثلوج.
وهكذا فمن بين 21 موقعا استخدم منذ عام 1924 لهذا الغرض، يقول العلماء “إن عشرة مواقع فقط ستظل تتمتع بالظروف المناخية والثلوج الطبيعية اللازمة لاستضافة الألعاب بحلول عام 2050.”
وفي دراسة جديدة، حلل باحثون من جامعة واترلو في كندا الظروف المناخية في 93 موقعا محتملا لاستضافة هذا النوع من الألعاب، حيث تشير اللجنة الأولمبية الدولية إلى أن البنية التحتية اللازمة موجودة بالفعل.
وخلص الباحثون إلى أن 52 موقعاً فقط ستظل مناسبة مناخياً للأولمبياد الشتوية، علاوة على 22 موقعاً للأولمبياد الخاصة الشتوية إذا استمرت الدول في سياساتها المناخية الحالية، فأربعة منتجعات فقط يمكنها استضافة الألعاب الشتوية دون ثلج اصطناعي هي نيسيكو في اليابان، وتيرسكول في روسيا، وفال ديزير وكورشوفيل في فرنسا، لذلك يبقى استخدام الثلج الاصطناعي ضرورة ملحة لاغنى عنها.
خديجة اسويس_ صحافية متدربة