تحديات إدماج الشباب في السياسة.. فاعلون ينتقدون محدودية التأطير والدعم الحزبي
يرى العديد من الفاعلين أن الشباب ما يزال بعيدا عن مؤسسات صنع القرار بالمغرب، معتبرين أن غياب التأطير والدعم الرسمي يزيد من صعوبة انخراطهم في الحياة السياسية.
جاء ذلك، خلال ندوة نظمتها المنظمة المغربية لحقوق الإنسان حول مشروع “من أجل ضمان فعلية حقوق الشباب في أفق الانتخابات التشريعية 2026″، تحت عنوان حقوق الشباب في أجندة الانتخابات التشريعية 2026: تحديات ورهانات الادماج و التأثير”.
وأكد المتدخلون أن البرامج الحكومية الموجهة للشباب غالبا ما تركز على الإدماج الاقتصادي دون تمكينهم من المشاركة الفعلية في صنع السياسات، وهو الأمر الذي يحد من قدرتهم على التأثير وإحداث التغيير المنشود.
مشاركة ضعيفة
في هذا السياق أكد الكاتب الوطني لشبيبة اليسار الديمقراطي فاروق المهداوي، أن المشاركة السياسية للشباب المغربي، خصوصا في فترة الانتخابات، لا تزال ضعيفة بفعل غياب الفاعل السياسي الرسمي، لافتا إلى أن الشباب لا يشترط أن يكون مُحزّبا، بل يكفي أن يكون فاعلا ومشاركا في المشهد السياسي الوطني.
وأوضح المهداوي أن الشباب المغربي يمثل فئة حيوية في الهرم الديمغرافي، بحيث يصل عددهم إلى أكثر من أربعة ملايين شاب وشابة، منهم مليون ونصف بعيدون عن أي تكوين جامعي أو مهني، ويمثلون شريحة واسعة لا تلج سوق الشغل، وهو ما يجعل الانخراط السياسي بالنسبة لهم أكثر تعقيدا.
وأشار المتحدث إلى أن المغرب عرف ديناميات شبابية قوية على مدار السنوات الماضية، “بدءا من حراك الريف، وحراك جرادة، وصولا إلى حراك جيل زد، إلا أن الفاعل الحزبي الرسمي كان غائبا عن هذه الحركات، تاركا زمام المبادرة في أيدي الشباب أنفسهم ومنصات التواصل الاجتماعي”.
وأضاف لمهداوي أن غياب الأحزاب والشبيبات الحزبية عن هذه الحركات لم يكن مجرد نقص تنظيمي، بل انعكس سلبا على قدرة الشباب على التأثير في السياسات العمومية، مما خلق فجوة كبيرة بين النخب السياسية الرسمية وواقع الشباب في الميدان.
وتطرق الكاتب الوطني لشبيبة اليسار الديمقراطي إلى البرامج الحكومية الموجهة للشباب، مثل برنامج “فرصة”، مشيرا إلى أن هذه البرامج اقتصرت على جعل الشباب “منمطا” في سوق الشغل، بعيدا عن مجالات التفكير والتحليل التي تمكنه من فهم المجتمع والمشاركة الفاعلة فيه، وهو ما اعتبره المهداوي فشلا واضحا في الاستجابة لمطالب الشباب.
وأكد المتحدث أن المقاربة الحكومية تجاه الشباب غالبا ما كانت أمنية وسجنية، بحيث شهدت فترات الاحتجاجات اعتقالات واسعة وأحكاما ثقيلة، ما يعكس غياب استراتيجية سياسية حقيقية للتفاعل مع مطالب الشباب، بينما يبقى تدخل الملكي هو الضامن الوحيد للإنصاف والاستجابة.
ورغم ذلك، نوه المهداوي بالدور الجزئي الذي لعبته بعض الشبيبات الحزبية، التي عبرت عن مواقفها أو انخرطت في بعض الديناميات الاجتماعية، إلا أنه شدد على أن الواقع الموضوعي يبقى صعبا، بسبب محدودية الدعم المقدم لهذه الشبيبات من الدولة، سواء على مستوى التكوين أو الموارد المادية والمعنوية.
كما أشار إلى أن الشبيبات الحزبية، التي تضم أحيانا معطلين وشبابا لم يستفيدوا من التعليم أو التكوين، مطالَبَة بتحمل مسؤوليتها في تربية وتكوين هذه الفئات، لكن بدون أي دعم رسمي، وهو ما يزيد الضغط على هذه الهياكل ويحد من فعاليتها.
تأثير محدود
من جهته شدد نائب الكاتب العام للشبيبة الاستقلالية مصطفى تاج ، أن تأثير الشباب في منظومات الدولة والأحزاب محدود، رغم الهبات الشبابية المتكررة مثل “حركة 20 فبراير” و”جيل زد”، والتي تركت أثرا على الدستور والقوانين التنظيمية.
وأوضح تاج أن الهبات الشبابية تتجاوز أحيانا الشبيبات الحزبية التقليدية، مثل حركة “جيل زد” التي رفعت شعارات مماثلة للشبيبات لكنها اختارت العمل بمعزل عنها، “ما يؤكد أن المبادرات الشبابية لها أثر ملموس، كما ظهر في تعديل دستور 2011 والقوانين التنظيمية المتعلقة بالمجلس النواب والأحزاب”.
و أضاف أن التأثير الداخلي للشبيبات الحزبية محدود، وأن الرهان الحالي للأحزاب هو “تصدر نتائج الانتخابات” أكثر من التمثيل الفعلي للشباب والنساء، بحيث تصبح التمثيلية مجرد مجاملة من الأحزاب أحيانا حسب تعبيره.
كما شدد تاج على أن الشباب يبقى الفاعل الأهم في إحداث التغيير، وأن أي هبة شبابية لها أثر طويل الأمد على التشريع والسياسة الوطنية، مؤكدا ضرورة الاعتراف بالدور المتزايد للشباب رغم القيود الحالية.
ولفت المتحدث إلى أن “العقد القانونية”، مثل الفصل 47 من الدستور، عززت التنافس بين الأحزاب على الرتبة الأولى، لكنها أضعفت التمثيل الديمقراطي للشباب والنساء رغم التعديلات الأخيرة.
وأضاف أن الانتخابات الأخيرة أظهرت استمرار الهيمنة الحزبية التقليدية، حيث تجاوزت نسبة إعادة ترشيح كبار القادة في بعض الأحزاب 80%، ما حوّل العملية الانتخابية إلى “تحصيل حاصل” أكثر من كونها فرصة لتعزيز التمثيلية.
وخلص مصطفى تاج إلى الإشارة إلى أن الديمقراطية في المغرب لا تزال ناشئة، مستحضرا أن البلاد خرجت من الاستعمار قبل أقل من سبعين سنة، وكان أول دستور لها سنة 1962، وبناء المؤسسات تم تدريجيا عبر مسار طويل، “لا يمكن مقارنته بالديمقراطيات الأوروبية الراسخة”.