story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

الجزائر تستسلم في مدريد!

ص ص

نعم، لقد استسلمت الجزائر. ليس بمعنى أنها رفعت راية بيضاء، بل بالمعنى الذي تفهمه الدول حين تتعرّى الحقيقة. في اليومين الماضيين، جلست جارتنا الشرقية حيث كانت تقسم أنها لن تجلس، ووقّعت، ولو بالصمت، على أن النزاع ليس ساحة خطابات بل طاولة تفاوض حول “تنفيذ” قرار أممي، وأن اللعبة لم تعد لعبة “لسنا طرفا” بل حقيقة مفادها “أنتم هنا… إذن أنتم طرف”.

ما كان يمكن إنجازه في السبعينيات بتفاهم إرادي بين الجيران، تقوم به الجزائر اليوم مرغمة تحت ضغط أمريكي صارم، وبحضور أممي، وفي إطار قرار دولي.

من هنا يمكن قراءة كل التصعيد الجزائري في ملفات أخرى، من تلغيم تظاهرة رياضية مثل كأس إفريقيا، وترويع وتهجير مغاربة الواحات الواقعة في الحدود مع المغرب، وإطلاق الرصاص للتخويف لكن للقتل أيضا، وبل وحتى توترها المتصاعد مع دولة الإمارات العربية المتحدة.

حين تخسر دولةٌ معركتها المركزية، تبحث عن معارك جانبية لتعويض الإحساس بالانكشاف. الإمارات، في هذا المشهد، ليست عنوانا منفصلا، بل جزء من كواليس قرار دولي يتشكل لصالح المغرب، يزعج الجزائر لأنها ترى للمرة الأولى أن الورقة التي كانت تظنها أبدية صارت قابلة للطَيّ.

التحول الذي وقع منذ أول أمس الأحد 8 فبراير 2026 في مدريد، أريد له أن يكون أقل صخبا من كاميرات الأخبار وأكثر ضجيجا في جوهره. “حلّ يضمن سيادة المغرب ويحفظ ماء وجه الجزائر”، أتذكر جيّدا أنني قرأت هذه العبارة في وثيقة استخباراتية أمريكية موجّهة إلى صانع القرار، كُتبت قبل نهاية الثمانينيات.

المغرب قدّم ورقة، نعم. والبوليساريو حضرت، نعم. وموريتانيا كانت هناك كما كانت دائما لتبحث عن مخرج لا يفتح عليها أبوابا أكثر مما يغلق… لكن الزلزال السياسي وقع في مكان آخر، وتحديدا داخل الرأس الجزائري الذي عاش نصف قرن على فكرة واحدة، ثم وجد نفسه أمام أمريكا والأمم المتحدة، وأمام قرار مجلس الأمن 2797، يبتلع العبارة التي كان يعتقد أنها تحفظ له ماء الوجه: “لسنا معنيين”.

ما حدث في العاصمة الإسبانية لم يكن مجرّد جلسة، بل بداية مسار، لأن الأنباء المتقاطعة تحدثت عن اتفاق إجرائي، يتضمّن مسطرة تفاوض تُحدِّد ما الذي سيُناقش، وكيف سيُتخذ القرار، ومن يحضر، وأين تُعقد الجولات، وما حدود السرية، وما طبيعة الوساطة.

ثم جاء الإعلان الأمريكي الرسمي ليحسم ما كان يُتداول همسا. قالت واشنطن إنها احتضنت مشاورات متعددة الأطراف في مدريد، وإن وفودا رفيعة من الولايات المتحدة والأمم المتحدة سهّلت نقاشا شارك فيه المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، في إطار “تنفيذ” قرار مجلس الأمن 2797 الذي يشدد على أولوية الحل السياسي الواقعي والعملي والقائم على التوافق.

هذه الجملة وحدها هي شهادة وفاة لهواية الجزائر المفضلة: أن تكون حاضرا في الحرب وغائبا في الوثائق. الآن الوثيقة تقول إن الجزائر كانت هناك. والفرق بين “كانت هناك” و”لسنا طرفا” هو الفرق بين نصف قرن من التعطيل وبين بداية تفكيك اللغم.

ولكي نفهم معنى هذا الاستسلام، ينبغي أن نعود إلى الأصل. الجزائر ليست امتدادا طبيعيا لهذا الملف، بل هي التي نقلته من ساحة إلى ساحة، ومن عنوان إلى عنوان، حتى صار النزاع كما نعرفه اليوم.

في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات كانت الصحراء تتحرك ضد الاستعمار الإسباني. تأسست حركة تحرير الصحراء بقيادة محمد سيد إبراهيم البصيري سنة 1968، بخطاب سياسي سلمي يطالب بإخراج إسبانيا. ثم جاءت أحداث “الزملة” في 17 يونيو 1970، ومعها العنف الإسباني، والاعتقالات والاغتيالات، فانفتح الباب لولادة مبادرات أخرى أكثر تشددا.

من هناك، وفي ظل سياق مغربي داخلي مضطرب، عنوانه توتر بين القصر وأحزاب الحركة الوطنية ومحاولتا انقلاب 1970 و1971، لم يحصل النشطاء الصحراويون على الدعم الذي كانوا يطلبونه بالقدر الذي كان يمكن أن يغيّر مصير القصة مبكرا، فهاجر مشروع التنظيم إلى الزويرات الموريتانية، وهناك انعقد المؤتمر الذي أفضى إلى تأسيس جبهة البوليساريو يوم 10 ماي 1973، وبدأت عملياتها ضد القوات الإسبانية.

كانت البوليساريو في تلك المرحلة، عبارة حركة شباب في مواجهة استعمار أجنبي. لكن التحول الحاسم لم يحدث حين أطلقت الرصاصة الأولى، بل حين بحثت عن راع إقليمي. هنا دخلت الجزائر بالضبط، فلم تكتفِ بأن تفتح باب الدعم، بل أعادت تعريف المشروع نفسه.

لقد نُقل المقر من الزويرات إلى تندوف بإيعاز جزائري، وظهرت الميولات الانفصالية تحت رعاية الجزائر وليبيا في المؤتمر الثاني سنة 1974، ثم خرج الملف من إطار ثنائي بين المغرب وإسبانيا إلى ملف متعدد الأطراف بدخول الجزائر وليبيا وموريتانيا على الخط، إلى أن جاءت “غلطة الشاطر” بإعلان “الجمهورية” في 27 فبراير 1976.

هذا ليس تطورا خطيا لحركة مقاومة للاستعمار الإسباني؛ بل إعادة برمجة خاطئة لقضية صحيحة. كان يمكن لاتفاقية مدريد وما ترتب عنها من تفاهم مغربي-موريتاني أن يغلق الباب مبكرا ويمنع ظهور كيان هشّ وضعيف ووظيفي في خاصرة المغرب. وكانت تلك التسوية تمنح المنطقة توازنا وتفتح للصحراويين إمكانات أوسع بين دولتين جارتين بدل مشروع دولة هشة تُولد من رحم الصراع.

لكن الجزائر قررت أن ذلك يمس “مصالحها الحيوية”، لأنها خشيت أن تخرج من نظام إقليمي قوي مرتبط بالعمق الإفريقي، ولأنها، كما قالت وثائق الاستخبارات والدبلوماسية الأمريكية منذ البداية، لا تريد أن ترى المغرب يمدد مجال سيادته جنوبا، ولا أن يضرب جذوره في إفريقيا، ولا أن يخرج من الحصار الجغرافي الذي اعتادت رؤيته منذ تحوّلت إلى مستعمرة فرنسية.

تقول الوثائق الدبلوماسية والاستخباراتية الأمريكية بوضوح إن واشنطن تعرف الحقيقة منذ زمن طويل، وقامت بخلاصاتها الحاسمة منذ عقود. الجميع يدرك أن المشكلة الأساسية ليست إسبانيا، بل الجزائر. إسبانيا التي كانت تغادر مستعمرة اقتُطعت من تراب المغرب، كانت تفاوض على إرثها واستثماراتها ومصالحها في الفوسفاط والصيد البحري؛ أما الجزائر فكانت تفاوض على فكرة “مغرب مبتور”، وعلى ذاكرة حرب الحدود سنة 1963، وعلى ذهنية أمنية متشككة ترى في الجار عدوا.

لهذا لم تكتف الجزائر بتغذية النزاع بالسلاح، بل غذّته أيضا بتفكيك التفاهمات. وجاءت لحظة 1979 لتكشف بوضوح من يعبث بالخيوط. انقلاب موريتانيا في يوليوز من تلك السنة، وتحول البوصلة من الرباط إلى الجزائر، ثم التوقيع في الجزائر نفسها بين موريتانيا والبوليساريو على وثيقة تلتزم بموجبها نواكشوط بالانسحاب من الصحراء وتسليم الجزء الخاضع لسيطرتها للجبهة.

في مقابل ذلك كان المغرب يتجنب حربا مباشرة مع الجزائر، رغم الرسائل والاحتجاجات والضربات، ورغم أن السؤال الذي طرحه الحسن الثاني في رسالته إلى بومدين سنة 1978 ظل يتردد بلا جواب: ماذا تريدون بالضبط؟

اليوم، وبعد كل هذا، تعود الجزائر إلى النقطة التي انطلقت منها. تعود إلى لحظة الاعتراف بأن الملف سياسي-إقليمي، وأن الشرعية الدولية هي التي تفصل، وأن واشنطن حين تقرر أن تُحوّل الدعم إلى فعل مباشر فإنها لا تفعل ذلك لمجرد الإعجاب بأحد، بل لأن لديها قراءة قديمة متجددة، مفادها أن هذا النزاع لا ينتهي ما دامت الجزائر تتغذى عليه. لذلك تضغط واشنطن اليوم لتجعل الجزائر تفك العقدة التي خلقتها، لا أن تتفرج على الآخرين وهم يحاولون فكها.

بوادر الاستسلام الجزائري لا يعني أن النزاع انتهى، ولا يعني أن الطريق صار مفروشا، بل يعني أن الجزائر فقدت القدرة على التحكم في شكل اللعبة، وصارت مُطالبة بأن تناقش تفاصيل لا تحبها، من ضرائب، وقضاء، وأمن داخلي، أي على معنى الحكم الذاتي بوصفه موضوعا وحيدا للنقاش العملي، لا بوصفه مناورة خطابية.

والأهم في كل هذا أن المغرب لم يعد مطالبا بإقناع العالم بمنطق القصة، أو على الأقل مركز القرار الذي يملك مفاتيح الإيقاع، بعدما صار يضغط لكي تُغلق القصة.