قطار “الحكم الذاتي” ينطلق من مدريد.. محللون: هروب الجزائر ينتهي والصحراء على أعتاب الحسم
شكلت العاصمة الإسبانية مدريد، مساء الأحد 8 فبراير 2026، مسرحًا لواحد من أهم اللقاءات الدبلوماسية الحاسمة في تاريخ نزاع الصحراء المغربية، الذي امتد لأكثر من أربعة عقود. هذا الاجتماع لم يكن مجرد جولة تفاوضية روتينية، بل مثل مرحلة فارقة في المسار الدولي، بعد سنوات طويلة من الجمود والتصعيد الدبلوماسي المتكرر.
اللقاء، الذي انعقد برعاية مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية، جمع الأطراف الأربعة الرئيسيين: المغرب، والجزائر، وموريتانيا، وجبهة البوليساريو، مع متابعة دقيقة من المبعوث الشخصي للأمم المتحدة. وسلط الضوء على انتقال النقاش من “إدارة النزاع” التقليدية إلى “هندسة الحل” العملي، بما يضع مبادرة الحكم الذاتي المغربية في مركز العملية السياسية.
وقالت بعثة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، اليوم الإثنين 9 فبراير، إن وفدًا أمريكيًا رفيع المستوى، قام بالتنسيق مع وفد من الأمم المتحدة بتيسير محادثات في مدريد، جمعت الأطراف الأربعة المعنية بملف الصحراء. وأوضحت البعثة أن هذه المحادثات ركزت على تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 لسنة 2025.
ويأتي هذا الاجتماع في وقت تتسارع فيه التحولات الدولية في مواقف الفاعلين الرئيسيين، ويبرز بوضوح توجه متزايد نحو تبني حلول عملية قابلة للتطبيق، بعيدًا عن الخطابات التقليدية التي كانت تعرقل تطور مسار التفاوض على مدى العقود الماضية.
حضور الجزائر ودلالة مدريد
في هذا الصدد، يرى عبد الواحد أولاد مولود، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن مباحثات مدريد تأتي استمرارية للأرضية التي أكد عليها قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر الماضي، مؤكدًا أننا أمام “خارطة طريق لترسيخ مبادرة الحكم الذاتي”.
ويستحضر أولاد مولود نقاطًا طفت على سطح لقاء مدريد، أولها أن “الجزائر أصبحت طرفًا أساسيًا في المفاوضات، إذ إنه باعتبارها طرفًا في النزاع، من الطبيعي أن تكون طرفًا في الحل”. أما النقطة الثانية، فتتجلى في مركزية مبادرة الحكم الذاتي كخيار وحيد، موضحًا أن محاولات خصوم الوحدة الترابية لإعادة طرح أطروحة “تقرير المصير الكلاسيكية” باءت بالفشل، لأن مفهوم تقرير المصير نفسه بات اليوم “يُؤطر داخل مبادرة الحكم الذاتي”.
وتوقف أولاد مولود عند دلالة اختيار إسبانيا كمكان للقاء، نظراً لدورها التاريخي ومعادلاتها الجيوسياسية الحالية بعد اعترافها بمغربية الصحراء، مشيرًا إلى أن لقاء مدريد يكتسي دلالة استثنائية، كون إسبانيا “كان لها دور تاريخي في مسار قضية الصحراء، سواء في مرحلة الاستعمار أو في استمرار هذا النزاع”.
كما أن اختيار إسبانيا، بحسب الباحث في العلاقات الدولية، “لم يكن اعتباطيًا، بل يستند إلى معادلات جيوسياسية، خاصة في ظل اعتراف إسبانيا بمغربية الصحراء، إلى جانب اعترافات أخرى، كفرنسا، وقبلها الولايات المتحدة الأمريكية”.
ويلاحظ أولاد مولود “قطيعة مع كل المناورات التي تقوم بها أطراف معينة معادية للوحدة الترابية للمغرب”، مضيفًا أن الجزائر وجبهة البوليساريو أصبحا اليوم أمام سياسة الأمر الواقع، أو ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ “الواقعية السياسية”، التي أصبحت تُفرض على المستوى الجيوسياسي.
ويخلص إلى أن المغرب، الذي قدم وثيقة تقنية من 40 صفحة، لم يبدِ أي اعتراض على تشكيل لجنة قانونية، مما يعكس “ثقته في قدرات القانونيين والمسار الأممي”، مستندًا إلى قراءة ذكية لقرارات مجلس الأمن وتوصية الجمعية العامة رقم 2625 لسنة 1970، التي تؤكد أن تقرير المصير لا يعني بالضرورة الانفصال، بل هو آلية لمنح الخصوصية والمشروعية.
من إدارة النزاع إلى الحل
بدوره، يضع محمد سالم عبد الفتاح، الباحث المتخصص في قضية الصحراء، اللقاء في سياقه الدولي المتسارع، ويرى أن رعاية واشنطن لهذه الجلسات تعكس رغبتها في استثمار الزخم الذي أفرزته القرارات الأممية الأخيرة، والتي كرست الحكم الذاتي كإطار “جدي وذي مصداقية”.
وأضاف عبد الفتاح: “تأتي هذه الجلسات في ظل انتقال واضح في خطاب مجلس الأمن من منطق إدارة النزاع إلى الدفع نحو تسوية سياسية قابلة للتطبيق، وهو ما يمنح المبادرة المغربية موقعًا مركزيًا داخل العملية التفاوضية”.
ويشير إلى أن حضور الجزائر كطرف مباشر يؤشر على “تزايد الضغط الدولي لفك الارتباط بين الخطاب السياسي والمواقف التقليدية”. ويلفت الباحث الانتباه إلى “دينامية دبلوماسية مغربية نشطة” نجحت في فرض “السيادة الاقتصادية” للمملكة على أقاليمها الجنوبية كمعطى لا يتجزأ من أي تفاوض.
وأكد أن “مباحثات مدريد تأتي في سياق إعادة ترتيب بيئة التفاوض الدولية، وفق منطق الواقعية السياسية وتوازن المصالح، حيث لم يعد الطرح الانفصالي يحظى بالزخم السابق، مقابل تنامي الاعتراف الدولي بالسيادة المغربية وبجدوى الحكم الذاتي كحل توافقي”.
وأضاف: “يكتسب حضور الجزائر على طاولة مدريد، بعد سنوات من رفضها الجلوس في حوار مباشر مع المغرب، دلالة بارزة على أن ثمة ضغوطًا دولية، وعلى رأسها الضغط الأمريكي المدعوم بتوجه مجلس الأمن”، مشيرًا إلى أنها بدأت تؤثر في مواقف ما وصفها بـ “الأطراف المعرقلة”، ما أفضى إلى مشاركة الجزائر، التي كانت تعتبر نفسها طرفًا راعيًا لدور البوليساريو أكثر من كونها طرفًا مباشرًا في مفاوضات الحل.
وأشار إلى أن استمرار مشاركة الجزائر “قد يمهد لمرحلة تجعل من حضورها في ملفات أخرى ذات صلة بملف النزاع المفتعل حول الصحراء، خاصة ما يتعلق بالوضع الإنساني المتدهور في مخيمات تندوف، والتداعيات الأمنية لتواجد ميليشيا البوليساريو داخل التراب الجزائري”.
وفي تحليله لكواليس اللقاء، يربط عبد الفتاح بين الخطوات التصعيدية الجزائرية المتزامنة مع المفاوضات (مثل تشغيل منجم غار جبيلات والإنزال العسكري الحدودي) وبين سعي الجزائر لطرح انشغالاتها المتعلقة بـ “الخلافات التاريخية، وترسيم الحدود، وضمان المنفذ إلى الأطلسي”، في ظل يقينها بأن النزاع المفتعل حول الصحراء يتجه نحو الإغلاق النهائي.
لا عودة إلى الوراء
من جانبه، يعتبر عبد الفتاح الفاتحي، مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، محادثات مدريد “الإجراء العملي لتفعيل مبادرة الحكم الذاتي” غداة الإجماع الدولي على واقعيتها. ويؤكد الفاتحي أن اللقاء “لن يقبل ازدواجية المواقف أو تهريب النقاش عبر شعارات لا تفيد”، بل هو مناسبة لتحميل الأطراف مسؤولية الوصول لتسوية سياسية.
وأشار إلى أن هذه المحادثات “تنفذ وفق توصيات قرار مجلس الأمن، حينما حصر الأطراف الأربعة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، وهي بذلك أنهت هروب الجزائر من مسؤوليتها الرئيسية في نزاع الصحراء وأجبرتها على الانخراط في المحادثات برعاية الولايات المتحدة”.
ويرى الفاتحي أن انخراط وزير الخارجية الجزائري في محادثات السفارة الأمريكية بمدريد يعني “انصياعًا لنظام العسكر وتنازلاً عن التفسيرات المعيبة لقرارات مجلس الأمن”. ويكشف عن وجود “أجندة زمنية” أمريكية صارمة تهدف للوصول إلى حل نهائي في أفق شهر أبريل المقبل، موعد الاجتماع نصف السنوي لمجلس الأمن.
وأضاف أن اللقاء كان فرصة لاطلاع الأطراف على “النسخة المحينة” للمقترح المغربي، معتبراً أن انخراط الجزائر في هذه العملية “لا عودة فيه إلى الوراء”، خاصة وأن المسار الحالي ينتقل من النقاشات العامة إلى “تفاصيل التنزيل”.
نحو مرحلة جديدة
يضع “لقاء مدريد” قطار التسوية على السكة النهائية. فبين ثقة المغرب في ترسانته القانونية، وبين الضغط الأمريكي الضاغط زمنياً، وبين “الواقعية السياسية” التي أُجبرت الجزائر على الانخراط فيها، يبدو أن شهر ماي المقبل في واشنطن قد يشهد الإعلان عن “الاتفاق الإطار”، الذي سينهي بحسب المحللين الثلاثة، واحداً من أطول النزاعات الإقليمية في القارة الإفريقية.
ويشير أولاد مولود إلى أن لقاء ماي المقبل من شأنه أن يكون “فرصة لمزيد من التعمق في هذا المشروع”. وإن لم تتم المصادقة عليه في ذلك الموعد، فمن المرجح أن يتم ذلك في غضون سنة أو أقل، لتصبح مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها المغرب جاهزة للتنزيل الفعلي.