“عودة” ملف الصحراء إلى مدريد
بعد نصف قرن على اتفاقية مدريد التي أنهت رسميا وجود إسبانيا كقوة استعمارية في الصحراء، يبدو أن الملف يعود اليوم إلى النقطة القانونية نفسها: سؤال تصفية الاستعمار الذي عاشه الإقليم وإقفال الوضعية النهائية بشكل قانوني.
لكن العودة ليست تكرارا للتاريخ، بل إعادة ترتيب لمسرحه. ففي 14 نونبر 1975، كانت الأطراف الموقعة على الاتفاق الشهير هي كل من المغرب وموريتانيا وإسبانيا. أما اليوم، وفي مشاورات الأحد 8 فبراير 2026 في مدريد، فإن طاولة النقاش صارت أوسع، وضمّت الجزائر وجبهة البوليساريو اللتان حضرتا كطرفين فاعلين في مسار لم يعد يُدار بمنطق تصفية استعمار، بل بمنطق نزاع إقليمي.
لا يشرح هذا التحول وحده طول النزاع وتعقيداته، لكنه يكشف ما هو أهم، أي كيف أن عقود الحرب والمقترحات والوساطات لم تُنهِ سؤال البداية، بل أجلته فقط.
لذلك تبدو مفارقة محطة مدريد 2026 لافتة. فالنزاع الذي شُحن طويلا بخطابات المبادئ المزعومة والخرائط، يعود الآن نحو عنوانه الأصلي: إنهاء وضع قانوني مُعلَّق وصناعة تسوية نهائية على قاعدة تُعرِّفها اليوم موازين القوة أكثر مما تُعرِّفها الرغبات.
والعاصمة الإسبانية مدريد هنا، ليست مجرد مكان محايد في هذا الملف؛ بل هي اسمٌ يتكرر في تاريخ المغرب كلما اصطدمت السيادة بميزان القوى الدولي.
ففي أواخر القرن التاسع عشر، وتحديدا سنة 1880، راهن المغرب، زمن السلطان الحسن الأول، على تدويل الضغط الأوروبي بدل ترك بعض القوى تنفرد به. دعا حينها القوى المتنافسة إلى مؤتمر في مدريد لتنظيم ملف الحمايات والامتيازات، في محاولة لوضع الأطماع وجها لوجه واستثمار تناقضاتها واللعب على توازناتها.
لكن النتيجة جاءت عكس المقصود. فقد تحوّلت الامتيازات من ممارسات مفروضة بقوة الأمر الواقع، إلى التزامات دولية مُقنَّنة، وتحوّل التوازن إلى بوابة لتكبيل الدولة بدل حمايتها.
كما تميّزت تلك اللحظة، بدخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى هذا النوع من المؤتمرات الدولية بوصفها طرفا صاعدا، وتعلّم المغرب (مبكرا) أن تدويل قضاياه لا يضمن بالضرورة عدالة مخرجاتها؛ بل قد يضمن له فقط قواعد جديدة للعبة.
بعد 95 عاما، وحين وُقِّعت اتفاقية مدريد سنة 1975، بدا الأمر صفحة أخيرة من الاستعمار الإسباني، وفتحا لباب ترتيب إقليمي بين المغرب وموريتانيا.
كان المنطق، في حدّه الأدنى واضحا، بانسحاب القوة المستعمِرة وإغلاق الفراغ بتسوية تُراعي الروابط التاريخية والوقائع السياسية. غير أن النزاع سرعان ما غادر سياقه الأصلي، بعدما دخلت الجزائر والبوليساريو في معادلة حوّلت المسألة من تصفية استعمار إلى نزاع إقليمي متعدد الطبقات، تحكمه الاعتبارات الجيوسياسية بقدر ما تحكمه العناوين القانونية.
منذ ذلك التاريخ، ظلّت نقطة البداية القانونية، وهي إنهاء الاستعمار الإسباني وتسوية الوضع النهائي، مؤجلة. كانت الأمم المتحدة حاضرة، والقرارات تتوالى، والبعثات تُجدَّد، لكن المخرج النهائي ظل بعيدا بسبب “اغنان” الجيران.
الجديد النوعي في محطة هذا الأحد 8 فبراير 2026 ليس تعدّد الأطراف التي دُعيت إلى مقر السفارة الأمريكية في مدريد فقط، بل المكان الصغير داخل المكان الكبير.
في غياب معطيات رسمية، دار الحديث الإعلامي عن مشاورات جرت في مقر السفارة الأمريكية، بما يرمز إليه ذلك من انتقال مركز الثقل من الوساطة الأممية، المستمرّة كإطار للحسم القانوني، إلى “المظلة” الأمريكية.
تقارير إعلامية متعددة تحدثت عن لقاءات تجمع وفود المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو بحضور المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، وفي إطار حضور أمريكي وازن.
وإذا كانت تفاصيل ما دار داخل الغرف المغلقة لا تزال في نطاق التسريبات والتأويلات، فإن الإطار العام بات واضحا: واشنطن تدفع نحو مفاوضات تُبنى على قرارات مجلس الأمن الأخيرة، وفي مقدمتها القرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، والذي جعل مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، سقفا لأية تسوية.
هنا تظهر المفارقة التاريخية. في مدريد القرن التاسع عشر كان المغرب يطلب توازنا فلا يناله، ويخرج مُثقلا بالالتزامات. أما في مدريد 2026، فالمغرب يدخل، وفق السياق الدولي الراهن، بوضع تفاوضي أفضل: دعمٌ متزايد لخيار الحكم الذاتي كقاعدة تسوية، وتحولٌ واضح في خطاب قوى مؤثرة داخل النظام الدولي.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل تُقصى الأمم المتحدة؟ وهو ما لا تريده ولا تسمح به الدبلوماسية المغربية، بل كيف تُترجم الأمم المتحدة حين يصير الراعي الفعلي، وهو الطرف الأمريكي، هو القادر على جمع المتخاصمين ودفعهم نحو آجال ونتائج؟
ما يتردد في الإعلام عن حضور أمريكي يقوده مسعد بولس، بوصفه مستشارا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومبعوثا في هذا الملف، يعكس هذا التحول. الملف بات يُدار بمنطق ضمانات القوة الراعية للمشاورات، أكثر مما يُدار بمنطق “حياد” المؤسسة الأممية.
وهنا ينبغي الاعتراف بأن المغرب استفاد من هذا الانتقال، ليس لأن المظلة الأمريكية “أعدل” بالضرورة، بل لأنها أكثر حسما حين تتوفر الإرادة السياسية، ولأنها، في لحظة دولية دقيقة، صارت ترى الاستقرار الإقليمي جزءا من أمنها وشبكة مصالحها، ما يجعلها أقل قابلية لترك الملف في الثلاجة.
وأهم ما يميز المرحلة الراهنة هو أن المغرب لم يعد يتعامل مع النزاع بمنطق رد الفعل على مبادرات الآخرين، بل بوصفه صراعا حول الإطار الذي تجري فيه المشاورات. من يحدد موضوع التفاوض؟ وما سقفه؟ وما هو قاموسه؟
في الماضي، كان الفرقاء يجرّون الملف إلى سجالات بلا نهاية؛ أما اليوم، فيتم الدفع نحو نقاشات تقنية ومؤسساتية حول تنزيل الحكم الذاتي، أيا كانت مآلاتها، وهو ما يعني انتقالا من خطاب الشعارات إلى خطاب الهندسة السياسية.
لقد ظلّت العاصمة الإسبانية مدريد، طيلة قرن ونصف تقريبا، مرآة لمكانة المغرب في العالم: مرة يُستدعى ليُساوم ويُقيَّد، ومرة بلدٌ يفرض أن يكون جزءا من صياغة القواعد. وبين مدريد 1880 ومدريد 1975 ومدريد 2026، الشيء الوحيد الذي يتغيّر هو ميزان القوة.
وإذا كان النزاع يعود اليوم إلى نقطة الانطلاق القانونية، الصحيحة والمنطقية، فإن قيمة اللحظة الراهنة هي أنها قد تكون، لأول مرة منذ عقود، نقطة انطلاق سياسية نحو الإقفال لا نحو التأجيل.
الشرط الوحيد لذلك ليس كثرة الوسطاء، بل وضوح الإطار، وضمانات التنفيذ، وقدرة الأطراف على مغادرة خطاب الاستنزاف إلى منطق التسوية التي تحفظ الاستقرار، وتُنهي استعمارا أوربيا قديما، وتضع حدا لنزاع عاش أطول مما يحتمله التاريخ.