سيول.. والحقّ في السؤال
يصرّح الكاتب من البداية أنه لا يملك أن ينتقص، الآن، من مجهود الدولة في تقليل المخاطر، وهو أمر مثبتٌ ومشهود. لكنه لا يمكن أن يحشر نفسه في طابور من يعفون أنفسهم من حق طرحِ السؤال ولو اكتسب وجاهته، طلبا للتوضيح.
ثانياً، الدولة التي نجحت في تنظيم كأس أفريقيا للأمم، واستعرضت أمام العالم جاهزيتها ومنشآتها، ملزمةٌ بالنجاح أمام شعبها في الوفاء بالتزاماتها في مواجهة أزمة الفيضانات والسدود. لا خيار آخر، وإلا ستكون الرسالة سيئة.
يقف المغرب، منذ أسبوعين، على رجلٍ واحدة في انتظار ما سيقع في الغرب وإقليم العرائش تحديدا. يحبس مئات الآلاف أنفاسهم في انتظار الآتي. حتى الدولة تبدو متشكِّكةً بشأن ما يمكن أن يحدث. يصدر عنها الحدّ الأدنى من الكلام، وحتى البلاغات على قلّتها تشي بأن الوضعية صعبة، ومفتوحة على احتمالات بعضها غير مرغوب.
انقلبت الأمور من جفافٍ كادت معه مدنٌ كبرى تدخل زمن تقنين التزويد بالماء الشروب، إلى سيول جارفة، وسدود تتجاوز السعة العادية إلى سعة الفيضان.
في البالِ كارثتان قريبتان جغرافيا وزمانياً: مأساة درنة الليبية في 2023 التي سقط خلالها ما يقارب 4 آلاف ضحية جراء انهيار سدَّيْ وادي درنة، وفيضانات فالنسيا الكارثية في إسبانيا خلال 2024، التي أودت بعشرات القتلى ودمار واسع.
نُثْبِتُ ابتداءً أنّه في قلب هذا الحَرَج الذي تقع فيه الدولة والمجتمع فائدة. عانى المغرب طيلة 7 سنوات جفافا مدمّراً. يتذكر المغاربة أنهم لم يقيموا شعيرة عيد الأضحى بسبب آثاره، وبفعل سياسات حكومية لا تقلّ دماراً عن قلّة التساقطات. الآن، تتجاوز نسبة امتلاء السدود الستين في المائة، كما انتعشت الفرشاة المائية، فيما تتراكم ثروة مائية على شكل ثلوج في المناطق الجبلية. هذا مِنحةٌ يجب تقديرها، وستكون آثارها مفيدة على أكثر من صعيد، إذ سنخرج من القلق المائي إلى الآمان الظرفي.
لا يمكن إنكار أن استمرار التساقطات بوتيرة عالية، على امتداد شهرين، مفاجئٌ، وهو أحد أسباب هذه الوضعية المقلقة. تساقطات هذا الموسم فاقت التوقّعات. هذا العام عُدنا إلى تذكّر كيف يكون فصل الشتاء.
وإن لم تكن للدولة سلطة على المناخ وأحوال الطقس، فإنها تحوز سلطة إدارة الأزمات بكفاءة، وبشفافية كاملة، تضع المواطن، المعني الأول بالأضرار، في قلب الصورة. هذا هو المطلوب.
ما يجري الآن، ارتباطاً بإدارة مخاطر السيول، واحتمالات تضرّر مناطق واسعة، هو فعل الإنسان الذي يجب أن يخضع للرقابة والتقييم والتقويم. هذا لا ينتقص من أي مجهود مبذول لتنجيب المواطنين المخاطر. والدولة معنيةٌ أولا، قبل غيرها، باستخلاص دروس التاريخ والحاضر لبناء نموذج تدبير للمجال يحقّق النجاعة، ويُبعد الخطر.
في آسفي كان الدرس قاسياً: النهر لا ينسى مجراه، والتشييد في المجاري التاريخية للأنهار خطر. الطبيعةُ تصير مدمِّرة حين لا يحترم الإنسان المجال. يبدو أن الأمر ذاته يعني القصر الكبير. تاريخ المدينة مليءٌ بأخبار الفيضانات، بحكم موقعها الجغرافي، ودخول العمران مجال نهر اللوكوس. وبعضُ المخاطر الناشئة ترتبط بقرارات تدبيرية، لا تحترم الطبيعة خلال توسّع المدن. وهذا لا علاقة له بالتساقطات ولا بحقينة سدّ. هذا سياسة، وقرار بشري، ويجب أن تجري المساءلة بشأنه.
بصيغة أخرى، الطبيعة مأوى الإنسان، وبيته الكبير. ليست عدواً، ولا تصير خطراً إلا في اللحظة التي يتجاهل الإنسان ما يمكن أن تحمله من أهوال.
سدّ وادي المخازن نجح في حماية مدينة القصر الكبير من سيول جارفة. أدى أدواره الوقائية بكفاءة على امتداد عقود. لكنه اليوم يتحوّل إلى خطرٍ إذا لم يجرِ إبقاء ما يقارب مليار متر مكعب من الماء “تحت السيطرة”. أيّ خلل في الحساب قد تنتج عنه كارثةٌ غير محصورة الآثار.
لهذا، من حقّ الناس أن تسأل بشأن أي تأخّر مفترض في تفريغ السدّ بالنسب الآمنة لتجهيزه لاستقبال واردات جديدة. ومن حقها أن تطلب جواباً حول ما إذا كان هناك قرارٌ للتريث في الاحتفاظ بالماء بعد سنوات عجافٍ، بنيّة عدم التفريط مادة حيوية. وأيضاً، من حقها أن تستجوب الدولة بشأن ملايير الدراهم صُرفت لإنجاز مشاريع الربط بين الأحواض المائية، ومدى كفاءتها، ومساهمتها الحالية في تجنيب الخطر.
أيّا كان الجواب، سيحاول أن يكتسب بعض الوجاهة، وسيُسوِّق مبرّرات تؤمّن حدّاً من المعقولية، لكن ذلك لا يعني عدم إخضاعه للفحص لترتيب الأثر بشأن أي تقصير يستوجب المساءلة، أو قصور في الخطط والمشاريع يقتضي التحسين، بغرض التجاوز المُنتج. التوقعات لا تصحّ دوما، لكن الخطأ في الحساب مكلفٌ إذا ارتبط بإدارة مخاطر عالية. ودون جردِ هذا الحساب ستتكرّر الأزمات مراراً وتكراراً، بسبب تفويت فرصة استخلاص الدرس.
وإذا كان هذا هو الفائتُ، فإن الحاصل والمتحقّق هو مجهودٌ مؤسساتي منظورٌ لتفادي المأساة. ما يعني الدولة الآن هو إنقاذ الأرواح. يظهر أن هذا هو هدفها الأساسي. الأمر واضحٌ ومتفهّم ومعقول.
إجلاء أزيد من 120 ألف مواطن، في أيام قليلة، وبسلاسة، وتوفير مآوي لمن يرغب في اللجوء إليها، أمر مهم. تأخذ الدولة الأمر بجديّة بالغة، خاصة في إقليم العرائش.
تحشد الدولة الآن موارد كبيرة. صورة اجتماع قادة الجيش والدرك الملكي والقوات المساعدة والوقاية المدنية والأمن الوطني تبعث برسالة أن الموضوع أمن قومي على درجة عالية من الأهمية. الأمر مهمٌ للتطمين، خاصة وأنه يترافق مع مجهودات ميدانية محترمة، تحاول أن تغطي الاحتياجات، وتصنع فارقاًّ في حفظ الأرواح، وتقليل المخاطر.
على هذا الصعيد، الإجراءات المتخذة، وبينها إخلاء ساكنة أكثر من منطقة معرضة للخطر، من شأنها أن تخفّف من وقع أي تطورات.
الدولة تتصرف وفق حسابات أسوأ سيناريو. الدولة تفكّر في أخطر الاحتمالات. هذا هو الصواب، ويجب دعمها في كل إجراء يجنّب المواطنين الخطر. لكنها ملزمةٌ بوضوح أكثر مع المواطنين بشأن ما يجري. لا يمكن إخفاء الحقائق بالصمت. الصمت يولِّد الشكوك، ويفتح المجال لتفشّي الشائعات التي تكون بمفاعيل السيول الجارفة في سياقات الأزمات.
قصارى القول
لم يتطوّر بلدٌ لأنّ شعبه يكون أمام السلطة “كالميّت بين يديْ غسّاله”. محاولة إقامة “طابور” من 36 مليون إنسان لسماع رواية وحيدة، دون حقّ في المساءلة، تعدٍّ على ضمير المجتمع، وغمطٌ لحقّ المواطنين في أن يسألوا بشأن ما يُفعل بهم، وباسمهم. الصحافة في قلب هذه المساءلة، وحتى إن تعطّلت آلية الرقابة المؤسساتية بفعل الخواء الذي يضرب مؤسسات التمثيل الشعبي، لا يجب أن تصمت الصحافة.
إلى الآن، لن يكون أيّ تبخيس من الجهد المبذول لإنقاذ الأرواح إلا فعلا عابثاً، ولن يدخل إلا في المزايدة في سياق أزمة. لكن المساءلة والسؤال بشأن مرحلة ما قبل الأزمة، وما أفضى إليها، والسلوك التدبيري خلالها، وما ترتّب عن قرارات الفاعلين، واجبٌ.
الدولة التي تخشى السؤال قطعاً تفشل في إدارة الأزمات.
الدولة الآن تتصرّف بمسؤولية لتمرير الأزمة بأقل الخسائر الممكنة. ويجب أن يتحمّل المجتمع، وكل الأدوات التي بين يديه، ومنها الصحافة، وسلطة الخبراء المعرفية، مسؤولية المواكبة بالنقاش المسؤول، الذي يفتل في حبْلِ تجاوز هذه اللحظة، ثم لتمهيد الطريق للحظة استخلاص الدرس، لمنع التكرار.
حمى الله المغرب.