الزياني: احتجاجات المحامين نتيجة أزمة أوجدتها الحكومة
اعتبر النقيب الحسين الزياني، رئيس جمعية هيات المحامين بالمغرب، أن الاحتجاجات التي يخوضها المحامون اليوم ليست أزمة في حد ذاتها، “بل نتيجة أزمة أفرزها المشروع التشريعي الجديد”. وصعّد لهجته تجاه مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، مشيراُ إلى أن النقاش الدائر حول النص يتجاوز كونه خلافاً مهنياً أو قطاعياً، ليصل – بحسب تعبيره – إلى “معركة سياسية حقيقية” مرتبطة بمقومات دولة الحق والقانون ومستقبل منظومة العدالة بالمغرب.
وقال الزياني، خلال ندوة صحافية عقدتها جمعية هيئات المحامين بالمغرب، يوم الثلاثاء 3 فبراير 2026، إن المشروع الذي صادقت عليها الحكومة في يناير الماضي لا يمس فقط تنظيم المهنة، بل “يطال المقومات الأساسية لرسالة الدفاع”، مشدداً على أن عدداً من مقتضياته تتعارض مع المواثيق الدولية والمبادئ الكبرى للأمم المتحدة، فضلاً عن تعارضها مع المرجعيات الدستورية الوطنية.
وأوضح المتحدث أن موقف المحامين لا يعكس رفضاً للإصلاح أو التحديث، بل رفضاً لما اعتبره توجهاً تشريعياً يمس جوهر العدالة ومفهومها، مضيفاً أن القضية المطروحة اليوم تتعلق بطبيعة الدولة التي يسعى المجتمع إلى ترسيخها: “هل هي دولة تصون الحقوق والحريات أم دولة تقوم على الضبط والتحكم؟”.
وأكد نقيب المحامين على أن المعركة التي يخوضها الجسم المهني لا تتعلق بالدفاع عن مصالح فئوية، بل بالدفاع عن التوازن داخل منظومة العدالة وعن حماية حقوق المواطنين، مشدداً على أن المحاماة تشكل سلطة توازن داخل المجتمع، وتضطلع بدور دستوري في حماية الحقوق والحريات.
وفي رده على الانتقادات التي تعتبر أن توقف المحامين عن العمل يضر بمصالح المواطنين، أكد الزياني أن الخطر الحقيقي على المواطن – حسب تعبيره – لا يتمثل في احتجاج المحامي، بل في وجود “محامٍ خاضع أو خائف أو عاجز عن أداء رسالته”، محذراً من أن أي مساس باستقلالية الدفاع سيؤدي إلى إضعاف الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
وانتقد المتحدث ما وصفه بمحاولات إخضاع المهنة للوصاية أو الرقابة من قبل السلطة التنفيذية، معتبراً أن المشروع يتضمن مقتضيات من شأنها تقليص مبدأ التدبير الذاتي لهيئات المحامين، سواء على مستوى الولوج إلى المهنة أو التأديب أو التنظيم المهني.
وأوضح أن من بين النقاط التي يثيرها المشروع تدخل وزارة العدل في عدد من الجوانب التنظيمية للمهنة، من بينها تدبير جداول الهيئات المهنية وإعداد رقم وطني لها، معتبراً أن ذلك يشكل مساساً بمظهر أساسي من مظاهر استقلال المهنة.
كما حذر الزياني من مقتضيات يرى أنها قد تمس السر المهني والعلاقة بين المحامي وموكله، معتبراً أن أي خرق لهذا المبدأ سيحول المهنة إلى وظيفة إدارية تابعة، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية المنظمة لمهنة المحاماة، وعلى رأسها مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بدور المحامين.
وفي سياق متصل، انتقد الزياني ما اعتبره تراجعاً في بعض الجوانب الزجرية المرتبطة بمحاربة السمسرة داخل المهنة، مشيراً إلى أن المشروع الجديد يقلص العقوبات المقررة حالياً، وهو ما اعتبره تناقضاً مع جهود محاربة الفساد داخل منظومة العدالة.
وذكر رئيس جمعية هيئات المحامين أن الجسم المهني شارك في مشاورات مطولة حول المشروع استمرت قرابة سنة، إلا أن الإشكال – حسب قوله – لا يكمن في الحوار ذاته، بل في “تجاوز نتائجه وعدم انعكاسها على النص النهائي”، متسائلاً عما إذا كان الحوار مجرد آلية شكلية لتدبير الزمن التشريعي.
وشدد المتحدث على أن المحامين لا يرفضون الحوار، بل يدعون إلى نقاش جاد ومسؤول ينعكس فعلياً على النصوص القانونية، مشيراً إلى أن الجمعية اعتمدت في تدبير مواقفها نهجاً تدريجياً ومسؤولاً، من خلال إصدار البلاغات وتنظيم توقفات رمزية، دون أن يتم – بحسب تعبيره – التجاوب مع مطالبها بإعادة النظر في المشروع.
واعتبر نقيب المحامين أن المشروع المطروح لا يتعلق بتنظيم مهني فقط، بل يمس أحد أعمدة دولة الحق والقانون، مؤكداً أن قوة الدولة والمجتمع تقتضي وجود محاماة قوية ومستقلة تشكل صمام أمان لحماية الحقوق والحريات.
وختم النقيب كلمته بالتأكيد على أن جمعية هيئات المحامين أعلنت بشكل صريح رفضها المشروع بصيغته الحالية، محذراً من تداعياته على مستقبل العدالة بالمغرب، وموجهاً دعوة إلى مختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين للتدخل من أجل إعادة مناقشة النص بما يضمن احترام المرجعيات الدستورية والدولية.