من عبد الرحيم برادة إلى الجيل الجديد من المحاماة: المحاماة ليست حيادا إنها رسالة الدفاع عن الحقوق و الحريات
قرأت كتاب الأستاذ عبد الرحيم برادة، المحامي والمناضل الحقوقي، في سياق مهني وسياسي دقيق، تطرح فيه أسئلة جوهرية حول مستقبل مهنة المحاماة، وحدودها، ووظيفتها داخل المجتمع. لم تكن القراءة بدافع الحنين إلى الماضي، ولا بدافع التأريخ لتجربة فردية، بل بحثا عن المعنى: ماذا يعني أن تكون محاميا أو محامية حين تصبح العدالة نفسها محل نزاع؟
ما تكشفه تجربة الأستاذ عبد الرحيم برادة، كما وردت في كتابه. Paroles libres pour l’Histoire ، هو أن المحاماة لم تمارس يوما، كمهنة محايدة أو تقنية. لقد كانت، ولا تزال، موقعا من مواقع المقاومة القانونية، ومساحة للاشتباك مع السلطة حين تنحرف عن مبادئ العدالة.
هذا المعنى لا يخص الأستاذ عبد الرحيم برادة وحده، بل يشمل جيلا كاملا من المحامين.ات المناضلين.ات الذين شكلوا مرجعيتنا المهنية والحقوقية، والذين بدونهم لا يمكن فهم تاريخ الدفاع عن الحقوق والحريات في هذا البلد.
« Mon choix était fait dès le début de mon adolescence. Je savais que l’avocat avait pour métier de lutter contre la force, contre l’arbitraire, et contre l’injustice. » Maitre Berrada
حين نقرأ هذا المسار، ندرك أن الدفاع عن حقوق الإنسان لم يكن نشاطا جانبيا في حياة هؤلاء المحامين، بل كان في صلب تصورهم للمهنة. المحامي، في نظرهم، ليس مجرد ممثل لمصالح فردية، بل فاعل أساسي في حماية الحق العام، وفي مواجهة التعسف، وفي الدفاع عن كرامة الإنسان، خاصة حين يصبح هذا الإنسان في مواجهة مباشرة مع سلطة أقوى منه. هذه الرؤية هي التي جعلت المحاماة مهنة “مزعجة”، لأنها ترفض أن تكون شريكا صامتا في الظلم.
من خلال تجربة الأستاذ عبد الرحيم برادة، ومن خلال تجارب غيره من المحامين الذين شكلوا ذاكرتنا الجماعية، يتضح أن المحامي يوجد دائما في موقع غير مريح: بين القانون والسلطة، بين النص وممارسته، بين العدالة كما ينبغي أن تكون، والعدالة كما تمارس فعلا. هذا التوتر ليس عرضيا، بل هو جوهر المهنة. وحين يطلب من المحامي اليوم أن يخفف من “حدّته”، أو أن يلتزم بدور إجرائي ضيق، فإن المقصود في العمق هو نزع هذا التوتر، أي نزع الروح النقدية للمحاماة.
« Oui, un avocat doit être nécessairement un gênant. La justice est une œuvre humaine, et de ce fait, elle est sujette à l’erreur…L’avocat doit jouir je le rappelle, d’un statut de totale indépendance de tout le monde. Oui un vrai avocat…. doiit pouvoir être un gêneur. » Maitre Berrada
لم تكن البذلة، في زمن الأستاذ عبد الرحيم برادة ورفاقه، رمزا للهيبة فقط، بل أداة لكشف الخلل. داخل قاعات محاكمات سياسية، كانت البذلة تذكيرا بأن ما يمارس باسم القانون يمكن أن يكون نقيضا للعدالة. واليوم، ورغم اختلاف السياقات، لا تزال البذلة تحمل المعنى نفسه، لأن الأسئلة نفسها لا تزال مطروحة: من ندافع عنه؟ ولماذا؟ وإلى أي حد نتمسك بحق الدفاع حين يصبح مزعجا؟
ويعلمنا هذا المسار الجماعي أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يقبل الانتقائية. دفاع عبد الأستاذ عبد الرحيم برادة عن مواطن جزائري مثلا في فرنسا مابعد الاستعمار، ضد عنصرية قاض، هو جزء من تصور شامل للعدالة، يرى أن الظلم واحد، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ. هذا الوعي، الذي تتقاطع فيه القضايا السياسية والعرقية والاجتماعية، هو ما تحتاجه اليوم الأجيال الجديدة من المحامين والمحاميات، في زمن تتداخل فيه أشكال القمع، وتقدم فيه الانتهاكات أحيانا بلبوس قانوني.
ورغم اشتغال الاستاذ عبد الرحيم برادة في سياق اتسم بالقمع والعنف، فإنه راهن على المقاومة السلمية، وعلى الفعل القانوني، لا باعتباره حلا سحريا، بل باعتباره أداة لكشف الحقيقة، وتوثيق الانتهاك، ومنع تطبيع الظلم. هذا الرهان لا يزال قائما اليوم، في مواجهة عنف أكثر تعقيدا، و أكثر ممارسة باسم المؤسسات.
كما تكشف هذه التجارب أن التشهير بالمناضلين والمحامين ليس أمرا جديدا. اتهامهم بالخيانة أو التشويش كان دائما وسيلة لإضعافهم وعزلهم. الجديد اليوم هو سرعة هذا التشهير واتساعه، وخطورته تكمن في محاولة جعله أمرا عاديا. وهنا تكمن إحدى أهم رسائل هذه الذاكرة الجماعية: أخطر ما يمكن أن يواجهه المحامي ليس القمع فقط، بل تبريره و التطبيع معه.
الدفاع عن استقلال المحاماة، كما فهمه الأستاذ عبد الرحيم برادة ورفاقه و رفيقاته، لم يكن دفاعا عن مصلحة مهنية ضيقة، بل عن شرط أساسي لوجود العدالة نفسها. محام غير مستقل لا يستطيع أن يؤدي رسالته، وعدالة بلا محامين أحرار ليست سوى واجهة. هذا المعنى يجب أن يكون واضحا اليوم، خاصة أمام مشاريع قوانين تقدم باسم محاولة التنظيم، لكنها تحمل في جوهرها نزوعا إلى التدجين و التطويع.
إن التشابه الكبير بين خروقات الأمس وخروقات اليوم كذلك في كتابه، في القضايا ذات الطابع السياسي، ليس مجرد صدفة. إنه دليل على أن المعركة لم تحسم بعد، وأن الجيل الجديد من المحامين والمحاميات يقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية: إما أن يكون امتدادا واعيا لذاكرة نضالية غنية، أو أن يسمح بانقطاعها.
« Dès les premières lignes de ce livre, se dessine le portrait d’une figure de droit qui a fait de sa robe d’avocat un moyen de résistance au service d’une justice à dimension humaine, dédiée aux principes universels du droit et des libertés fondamentales. » préface de Maître Abderrahim Jamai
قراءة الأستاذ عبد الرحيم برادة، وقراءة مسار غيره من المحامين.ات المناضلين.ات، ليست فعلا أكاديميا، بل فعل تموضع. إنها تذكير بأن المحاماة ليست فقط ما نمارسه داخل الملفات، بل ما نختاره كموقف. وأن الدفاع عن حقوق الإنسان ليس خيارا إضافيا، بل جوهر الرسالة. وأن مستقبل المهنة سيتحدد بقدر استعداد الجيل الجديد لتحمل هذا الإرث… وتطويره.
هذا، في نظري، هو الدرس الأهم: نحن لسنا بداية القصة، ولن نكون نهايتها، لكننا مسؤولون.ات عن الحلقة التي نمثلها فيها.