زلزال المركزية الغربية.. صعود الشرق تفكك الناتو ونهاية حقبة التفوق المطلق
يشهد العالم حاليا تحولا بنيويا استثنائيا في النظام الدولي يكسر القواعد التاريخية المألوفة، حيث تجري إعادة صياغة موازين القوى دون انتظار نهاية حرب كبرى شاملة أو انهيار مفاجئ لقوة عظمى كما حدث عند سقوط الاتحاد السوفيتي. فما نعيشه اليوم هو “مخاض استراتيجي فريد” تتغير فيه قواعد اللعبة العالمية عبر تفاعلات جيوسياسية واقتصادية متسارعة يقف خلفها محرك جيوسياسي لم تعهده البشرية من قبل؛ إذ يمثل الصعود المذهل للصين ظاهرة فريدة وغير مسبوقة في تاريخ البشرية، ليس فقط من حيث حجم القفزة التنموية، بل لكونه تحقق عبر مسار “القوة الناعمة” والتمدد الاقتصادي السلمي بعيدا عن صراعات الغزو التقليدية. كسر به النمط الذي ساد تاريخ الإمبراطوريات الصاعدة، مما يضع العالم أمام نموذج جديد للسيادة يتحدى القواعد التي أرساها الغرب عبر القوة الصلبة.
هذا المسار السلمي في ظاهره، كان في جوهره انقلابا شاملا على إرث طويل من المركزية الغربية؛ فقد نجحت الصين في قيادة تحول دراماتيكي بموازين القوى من الغرب نحو الشرق، لتضع بذلك نهاية لقرابة قرنين من الهيمنة الغربية التي بدأت مع الثورة الصناعية وترسخت بآثار حروب الأفيون المهينة. وبذلك، أعادت بكين رسم خارطة الجغرافيا السياسية العالمية، مستعيدة دور الشرق كمركز ثقل استراتيجي واقتصادي بعد طول احتكار غربي لصناعة القرار والتاريخ.
وفي المحصلة النهائية لهذا الانزياح الكوني، يمكن القول إن حقبة التفوق الغربي المطلق بلغت نهايتها التاريخية، حيث تآكلت ركائز الهيمنة التي دامت لقرون أمام بزوغ قوى صاعدة أعادت تعريف مفاهيم القوة والسيادة. فما نعيشه اليوم هو لحظة انكسار “المركزية الغربية”، حيث لم يعد الغرب يمتلك القدرة على فرض إرادته المنفردة على عالم استعاد فيه الشرق زمام المبادرة التاريخية.
- تصدع الهيمنة الأطلسية: هل يلفظ الناتو أنفاسه الأخيرة في أتون حرب باردة جديدة؟
سعى ترامب في مستهل ولايته إلى استقطاب روسيا وفك ارتباطها بالتحالفات الشرقية الصاعدة، إلا أن مساعيه اصطدمت بمقاومة “الدولة العميقة” وتعقيدات الملفات الجيوسياسية العالقة، مما أدى إلى فشل هذه المحاولة أمام إصرار موسكو على حماية أمنها القومي بعيدا عن شروط واشنطن.
وعلى ضوء هذا الإخفاق في تحييد الكرملين، أعادت واشنطن ترتيب أولوياتها وفق تراتبية المخاطر الوجودية؛ إذ تتمحور العقيدة الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي حول اعتبار الصين “الند الوجودي” الوحيد الذي يمتلك القدرة والموارد لفرض سيطرة مهيمنة على شرق آسيا، بينما تُصنف روسيا كتهديد إقليمي يفتقر للقدرة على إخضاع القارة الأوروبية، التي يُفترض بجاهزيتها الذاتية التعامل مع هذا التهديد. وبناء على ذلك، تنحو واشنطن نحو “الانزياح الاستراتيجي” باتجاه المحيط الهادئ، لتركيز ثقلها العسكري والسياسي في تطويق التنين الصيني باعتباره الأولوية القصوى في صراع السيادة العالمية.
هذا التوجه نحو الشرق لم يكن مجرد خيار تكتيكي، بل هو هروب من فخ الاستنزاف في القارة العجوز؛ حيث تتموضع المقاربة الأمريكية المعاصرة حول قناعة مفادها أن الاستنزاف في الجبهة الأوروبية يحول دون مواجهة التحدي الوجودي في المحيط الهادئ، حيث ترى واشنطن أن المبالغة في تقدير التهديد الروسي قد تؤدي إلى خطأ استراتيجي يدفع بموسكو نحو “ارتماء كامل” في أحضان الصين، مما يخلق كتلة أوراسية لا يمكن كسرها. ومن منظور “براغماتية التاجر”، بدأت واشنطن تنظر إلى القارة العجوز باعتبارها “شريكا مكلفا” يستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية الأمريكية، بدلا من كونها قوة داعمة قادرة على حماية أمنها الذاتي والمساهمة في تطويق التنين الصيني.
- محرقة التوسع الأطلسي: كيف دفعت ‘خطيئة الناتو’ أوروبا نحو صدام وجودي مع جغرافيتها؟
تجاوزت الحرب الروسية الأوكرانية في مطلع عام 2026 العتبة الزمنية الرمزية لـ “الحرب الوطنية العظمى” (المواجهة المصيرية ضد ألمانيا النازية 1941-1945)، مما أدى إلى تسميم جذري للعلاقات الروسية الأوروبية وتحويلها من منافسة جيوسياسية إلى عداء بنيوي طويل الأمد. هذا التمدد الزمني للصراع حطّم أوهام “السلام الدائم” في القارة، واستبدلها بجدار من القطيعة الطاقية والعسكرية، مما جعل أي محاولة لترميم الثقة بين موسكو والعواصم الأوروبية تبدو وكأنها استحقاق مستحيل في المنظور الاستراتيجي القريب، في ظل تحول الحرب من مجرد عملية عسكرية إلى صراع وجودي أعاد صياغة وجدان المنطقة.
ولم يكن هذا الانحدار نحو الصدام وليد الصدفة، بل كان نتيجة حتمية لسياسات “الأبواب المفتوحة” التي اتبعها الغرب؛ حيث يُعتبر التوسع المحموم للناتو شرقا المسؤول الأول عن هذه الكارثة الجيوسياسية، إذ قوض مساعي احتواء روسيا وحوّل الحلف من مظلة للمنظومة البروتستانتية الليبرالية إلى تهديد وجودي دق ناقوس الخطر في الكرملين. ومع ملامسة الخطوط الحمراء عبر قرار ضم أوكرانيا عام 2008، اندلعت شرارة الصدام الحتمي الذي بدأ بضم القرم عام 2014 وصولا إلى العملية العسكرية الخاصة عام 2022.
لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن الأدوات التي استُخدمت لخنق موسكو ارتدت لتعمق مأزق المعسكر الأطلسي نفسه؛ فبينما حاول الغرب جرّ روسيا إلى حرب استنزاف، انقلب السحر على الساحر حين وجد نفسه غارقا في استنزاف مقدراته العسكرية وقيمه الأخلاقية، مما وضع الناتو في عام 2026 أمام تساؤل وجودي حول مبررات بقائه بعد تفكك “روحه” الاستراتيجية.
- صراع ‘النخب الجديدة’ وإعادة صياغة أوروبا على صورة اليمين الأمريكي
تتبلور الغاية الاستراتيجية لواشنطن من تغذية الصراع في أوكرانيا حول محورين: الأول هو تحقيق الاستنزاف الممنهج للقدرات الروسية وتحجيم نفوذها الجيوسياسي، والثاني هو إعادة تدجين القارة الأوروبية وضمان انصياعها التام للقرار الأمريكي. وبذلك، تحول هذا الصراع إلى أداة لترسيخ “التبعية السيادية” لأوروبا، حيث لم يعد الهدف مجرد حمايتها، بل التأكد من بقائها كتلة مطيعة تعمل ضمن المدار الأطلسي بلا شروط.
بيد أن هذا الإخضاع الخارجي لأوروبا لا ينفصل عن الزلزال السياسي الذي يضرب الداخل الأمريكي؛ إذ يكمن التفسير العميق لموقف ترامب المناهض للناتو –رغم الهيمنة المتزايدة على أوروبا– في سعيه لتوظيف السياسة الخارجية كأداة لتحطيم نفوذ اليسار وتثبيت أركان اليمين عالميا، بالتوازي مع صراع داخلي محتدم لاستبدال النخبة المالية التقليدية في “وول ستريت” بنخبة “الأموال الجديدة” والتقنيين التي يمثلها إيلون ماسك وبيتر ثيل. والتي تهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى الداخلية والخارجية، حيث يُنظر للناتو بهيكليته الحالية كمعقل للنخبة القديمة، مما يجعل إضعافه مصلحة حيوية لتمكين القوى الاقتصادية والسياسية الجديدة الصاعدة في أمريكا.
وعليه، فإن التمرد “الترامبي” على الصيغة التقليدية للحلف لا يستهدف الهدم بقدر ما يستهدف “الهندسة الوظيفية” الجديدة؛ فلا ينطلق طموح ترامب من الرغبة في تفكيك الناتو كليا، بل في تحويله إلى هيكل أكثر خضوعا وتبعية مطلقة لمركز القرار الأمريكي، مع إعادة تعريف وظيفته لتخدم المصالح القومية المباشرة لواشنطن. وضمن هذه الرؤية، تدعم استراتيجية الأمن القومي صعود تيار سياسي أوروبي يتبنى “القيم المشتركة” القائمة على القومية والمحافظة التقليدية (الرجل المسيحي الأبيض)، مما يعزز نفوذ قوى مثل بولندا والمجر والنمسا لإعادة تشكيل الخارطة السياسية في القارة العجوز بما يتوافق مع هوية اليمين الأمريكي الجديد.
- الانتحار الجيوسياسي: أوكرانيا بين سندان التجنيد الإجباري ومطرقة فقدان البحر الأسود
راهنت الاستراتيجية الغربية على إطالة أمد القتال الأوكراني لكسب الوقت الكافي لإعادة تسليح أوروبا وتجهيزها لمواجهة مباشرة محتملة في مرحلة لاحقة؛ بيد أن هذا الرهان أغفل حقيقة مفصلية، وهي أن روسيا لم تكن تقف متفرجة، بل استغلت هذا الوقت لإعادة هيكلة جيشها وتحويل اقتصادها إلى “آلة حرب” متطورة، مما جعلها تسبق الجاهزية الأوروبية بخطوات استراتيجية واسعة.
وقد كشف هذا السباق التسليحي أن الإصرار على مواصلة القتال لم يكن سوى فخ سقطت فيه كييف بتوجيه خارجي؛ إذ تبين أن الاستمرار في الحرب كان قرارا كارثيا ومقامرة غير محسوبة، وكان الأجدى للأوكرانيين المضي في مسار مفاوضات إسطنبول 2022 لتفادي دمار شامل لم تكن الاستراتيجية الغربية تأبه له. ففي اعتراف مبكر لزيلينسكي لصحيفة “دي إيكونوميست” في مارس 2022، كشف أن أطرافا غربية فاعلة لم تكن ترغب في إبرام صفقة سلام، بل دفعت نحو حرب استنزاف طويلة تهدف لكسر روسيا، حتى لو كان الثمن تحويل أوكرانيا إلى رماد.
ونتيجة لهذا الإصرار الممنهج على الانتحار الجيوسياسي، تستعد أوكرانيا اليوم لمواجهة منعطفات هي الأكثر قسوة؛ حيث تضطر لخيارات يائسة بدأت بتجنيد المراهقين الذين كانوا خارج الحسابات العسكرية سابقا، في ظل انهيار اقتصادي وانقسام سياسي حاد يُلقي بظلال المسؤولية على النخبة التي قادت البلاد إلى هذا المصير. وتتفاقم هذه المعاناة مع وصول التدهور الديموغرافي إلى مستويات كارثية لا يمكن عكسها، مما يهدد وجود الدولة ذاته ويحولها إلى ساحة من الخسائر البشرية والمادية التي تزداد قتامة مع مرور الوقت.
وفي ظل هذه المعطيات الميدانية والديموغرافية، بات من المستحيل موضوعيا صياغة أي سيناريو لخروج أوكرانيا منتصرة؛ فنجاح روسيا في بسط سيطرتها على المناطق المطلة على البحر الأسود واقترابها من حسم معركة “أوديسا” يعني تجريد أوكرانيا من قيمتها الاستراتيجية بالنسبة للناتو. ومع تحولها إلى دولة حبيسة ومقطوعة عن الشريان البحري الحيوي، ستفقد أوكرانيا دورها كأداة غربية لإقصاء روسيا من المياه الدافئة، مما يجعل رهان الحلف عليها استحقاقا بلا جدوى عسكرية أو جيوسياسية مستقبلا.
على سبيل الختم
ختاما، وأمام هذا المشهد، تبرز تساؤلات مصيرية حول ما إذا كان حلف الناتو قد دخل مرحلة “الموت السريري” بانتظار إعلان تفكيكه أو إعادة هندسته كأداة قومية أمريكية بحتة، وهل انزلق العالم بالفعل في أتون “حرب باردة جديدة” لا تكتفي بتغيير الوجوه بل تعيد صياغة مفهوم السيادة ذاته؟ وفي ظل هذا التيه الاستراتيجي، يبقى السؤال الأكبر: كيف السبيل لاستعادة زمام القيادة في عالم لم تعد القوة الصلبة فيه كافية، وهل يملك الغرب القدرة على تجديد نفسه أيديولوجيا ومؤسساتيا، أم أن قطار التاريخ قد غادر محطة المركزية الغربية إلى غير رجعة؟